|
From : drjaffar32@yahoo.com
Sent : Monday, May 23, 2005 2:36 AM
To :arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : RE: from dr.Jaffar
قصتان قصيرتان
تأليف
الدكتور/ عبدالرزاق محمد جعفر
استاذ الكيمياء في جامعات بغداد والفاتح وصفاقس
مقيم حاليا في ولاية لويزيانا
الدكتور صابر
قصة واقعية تنقصها الصراحة
وجه صابر سؤالا الى ذوي الاختصاص عن أسباب عدم توفيق شخص ما مافي عمله أو ما
يسمى (بالنحس) الذي يلازمه بشكل مزري ومستمر, مسببا له الإحباط المزمن,... إلا
أنه لم يجد الجواب الشافي ، ولم يستطع استنباط الحقائق او المبررات، وهكذا عاش
كغيره من ملايين البشر في شقاء دائم، أو كما قال المتنبي :
ذوالعقل يشقى في النعيم بعقله واخو الجهالة في الشقاء ينعم
ذ كر (سومرت موم)،" كل شيء في حياة الكاتب يمكن استخدامه في "قصة" و لذا
قررصابر كتابة هذه القصة وهو في أشد سنين حياتي عتمة " ليطرح آلامه في كل حرف
أو نقطة يكتبها، فهوأعمى البصيرة وثقته بالناس أساس فشله في العديد من علائقه,
لا للتسلية، بل لكسب العبرة و تجنب المزيد من الانزلاق في مستنقع الحياة وغطرسة
حثالة البشر المستبدين .
استعان صابر بما ذكره " شيرورد اند رسون" حول استخدام ما يبدو متناثرا ولا
تربطه أي رابطة في حياتنا اليومية، في نسيج قصصي جميل من خلال التجارب التي
تحدث أمام أعيننا، والعوائق التي تبرز بغير توقع، والتي نطلق عليها اسم (مطبات)
, او ( النحس), وهي على درجات متفاوتة من الضرر! .
قدم الدكتور صابر استقالته من الجامعة التي يعمل فيها, في احد الأقطار العربية,
بعد خدمة ثمانية عشرعاما ليلتحق بعائلته المهاجره منذ عدة سنوات في دولة اوربية
, الا انه فشل في الحصول على تأشيرة دخول( الفيزه) , لآسباب عدة لا مجال للخوض
فيها ! , ولم يوفق في العودة الى عمله السابق وفق القوانين المعمول بها في تلك
الجامعة!, ولذا توجه إلى قطر عربي آخر، للبحث عن عمل في احدى جامعاته, بناء على
نصيحة زميل له.
وصل صابر إلى تلك الجامعة وتعرف على دكتور بنفس اختصاصه الضيق ، و رحب به وأخذه
إلى مكتبه في القسم الذي يعمل فيه واطلع على جميع وثائقه الثبوتية ، و وعده
بمواجهة المسؤلين و تقديم كل ما في استطاعته من مساعدة لتحقيق رغبته , وبعد
جلسة مسامره , اقله بسيارته الى وسط المدينة , ثم حجز له حجرة في فندق ممتاز
يتعامل مع الجامعة بأسعار مخفضة ، ثم ودع صابرعلى أن يتم استدعائه عندما يتضح
قرارالعمادة ورآسة الجامعة .
تعرف صابر صباح اليوم التالي على استاذة جامعية في الأربعينات من عمرها في بهو
الفندق جاءت من مدينة اخرى لحضور مؤتمر علمي, وأعجبت به بسبب حبها للعراق و
تالمها على الأحداث الجارية فيه منذ غزوه للكويت و وفرض الحصار الجائر عليه!,
ثم دعته إلى التنزه بشوارع المدينة ، وهكذا ولأول شعر براحة نفسية وهو يحدث
امرأة غمرته بمودة لم يعهد مثلها, وهام بها ولها وكأنه في حلم من احلام اليقضة
!، (لأنه لم يتعود على مثل هذه الجرأة ، حيث كان يعتبر ذلك شيئا مشينا بسبب ما
اكتسبه من حشمة منذ الصغر! ) , وهكذا قضى معها يوما ممتعا وتبادل واياها شتى
انواع الأحاديث , ثم اتفقا على تحديد موعد جديد للقاء , وتم الفراق, إلا أنها
لم تف بوعدها وغادرت من غير كلمة وداع !، وانفعل صابر لاعنا حظه الذي ما إن
ينهض لساعات حتى ينتكس ويهوى مرة أخرى.!، وهذا هو حكم القدر المؤمن به ، وطارت
الأحلام في مهب الريح ، بعد أن ذاق " طعم الحياة ".و توالت عليه" المطبات" !,
الا انه ظل صابرا !.
بدأ الدكتور صابر الاستعداد للأختبار العلمي غير المباشر او فل من اجل معرفة
قدراته العلمية، وكلف بإلقاء ثلاث محاضرات وفق تخصصه ، وقد كتب لتلك الخطوة
النجاح ، حيث استمع الجميع ولأول مرة محاضرة في الكمياء باللغة العربية !، وبعد
الانتهاء قابل صابر العميد ، ولمس لديه ترحابا حارا أشاع البهجة التي افتقدها
منذ خروجه من العراق وبدأ يشعر بقيمته العلمية أمام العديد من الأساتذة .
زاول صابر عمله بقسم الكيمياء وكلف بالاشراف على بحث علمي وفق اختصاصه مع طالبة
دكتوراه وسار العمل معها متعثرا لعدم توفر أدوات العمل، ثم انقطع عن الحضور
لعدم صدور أمر رسمي بعمله مع تلك الطالبة ، كما أن إقامته كانت غير قانونية،
وبصعوبة جمة كتبت له العمادة رسالة إلى دائرة الهجرة تعلمهم فيها بحاجتها لعمل
الدكتور صابر في البحث العلمي والتدريس باللغة العربية لطلبة السنة الأخيرة بعد
تعريب الدولة للدروس العلمية في الثانويات.
تمكن صابر من تأجير شقة مؤثثة , فقد ضجر من عيشة الفنادق و المطاعم ووجد
الترحاب من مالك الشقة و عائلته و صار واحدا منهم و تكررت الزيارات معهم ! .
وفي تلك الآونة تعرف صابرعلى صديقة صاحبة الدار التي يسكنها ، وهي شابة فاشلة
في حياتها ، حيث طلقت بعد سنة واحدة من زواجها ، ووجد في هذه العلاقة الجديدة
بعض السلوى ، لأنها تملك سيارة ومن عائلة راقية ، إضافة لعلاقتها الوثيقة بزوجة
مالك الدار حيث سهلت دخولها وخروجها من داره، حتى صارت هي ربة الدار، كما قال
الشاعر :
ايا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا نحن الضيوف وانت رب المنزل
تكرر لقاء صابر مع زميلته الجديده وسهرا معا عدة مرات في مقاهي " المدينة" الا
أنه لم يستسغ علائقها مع لفيف من اصدقائها ! ، فما إن يجلس معها في اي منتزه و
يتبادل معها عبارات الأعجاب او قل الغزل المهذب , حتى يطوق بثلاث أو أربع فتيان
تقدمهم له على أساس زملائها في العمل.!، و لم يكن ذلك مهم بالنسبة له، حيث لم
يبدأ بعد مرحلة "باللمس و بالهمس" ،... أي مازال معها بحالة استقصاء قصوى او
كما يقال في المثل الشعبي العراقي ( يابسه و تمن ! ) ، حيث بدت كل المؤشرات تدل
على عدم صلاحيتها كرفيقة أنس وسمر ، بل هي تخطط للحصول على زوج كبديل لزوجها
الذي نفر منها وطلقها ، لأسباب بدت واضحة الآن، فهي في علاقة حب مع أحد أفراد "
الشلة " إلا انه لا يرغب بالزواج منها ، فقد اكتفى بتأدية الواجب عند الضرورة
!، وهذا هو المطلوب.
تقزز صابر من هذه العلائق البعيدة كل البعد عن كل الأعراف التي تطبع عليها، وقد
تكون هذه ظاهرة فردية ، لأنه لم يطلع بشكل واسع على كافة مرافق المجتمع في هذا
البلد ، وبطبيعة الحال ليس هناك تعميم، ففي كل بلد أو قطر تجد شتى العلائق ،
(ومافيش حد أحسن من حد) كما في المثل الشعبي المصري ، ومن هذا المنطلق دب
البرود بعد كل لقاء معها بالرغم من أنها تمتاز بمؤهلات يتمناها أي رجل ،
لقوامها البهيج وحركاتها المغرية ، عدا بعض (الحول) في عينها ، أجادت اخفائه
عند التحدث ، وخاصة عندما تغمضها لكي تموه الناظر لها ،... وبالرغم من كل ذلك
رضى صابر بتلك الزمالة لتحطيم الفراغ في حياته و للمتعة التي أحسها عند تواجد
أنثى بمعيته وهي في أبهج هندام وتحدثه في غنج , وتجعله يعود لعنفوان الشباب
وتلتهمها عيونه قبل فمه !، وكان في حينها يسرح بخياله عندما يركز النظر في
تضاريسها وبشرة جلدها ووجهها المتدفق حيوية وشبابا! فقد كانت في منتصف العتبة
الرابعة من عمرها، و الناظر لها لا يمكن أن يمنحها أكثر من خمس وعشرين سنة !!،
وخاصة عندما تضع المكياج على وجهها ، فتزداد نظارة وبهجة تسر الناظر لها ويكاد
يفقد توازنه إن لم يسيطر على عواطفه الجياشة ويروضها ولا يجعلها تمرح وتسرح في
تضاريس جسمها الكامل الأوصاف ، إضافة إلى لون بشرة جلدها ونعومته ، وبهجة وجهها
ومرحها الذي لا تكف عنه وكأنه وجه دلفين ، أو قل أنها ممثلة تجيد دور الأغراء .
لم يتمالك صابر القدرة على تحمل الاِتزان وضبط الأعصاب مع تلك الحورية , ولا
يدري كيف السبيل إلى ترويضها ، فهي مازالت هائجة ، لأنها لم تجد بعد من يروي
ينبوع أو قل ينابيع عواطفها، إنها عطشى وما من أحد يفهمها ، ... ولم يجد منها
أي تجاوب لتعميق علاقته معها،ولذا ترك لها حرية زيارته وقت ما تشاء , وكم من
مرة ، سمع صوتها عند صديقتها ، إلا أنه لم يبادر بالسؤال عنها ،. فهي على علم
بوجوده ، وأراد أن تبادره بالزيارة إن كانت راغبة بتطوير علاقتها معه ، إلا
أنها لم تفعل !.
عاش صابر تلك الأيام من عمره وهو بكنف خريف العمر او قل العتبة الأخيرة من عمره
، ولا أحد يدري إلا الله ، إن كانت هذه العتبة قادرة على الصمود حتى يتمكن من
الإستناد عليها، لكي يستطيع تسلق العتبة الموالية ،... أم أنها ستنهار في لحظة
ما ! .
علمونا الأهل منذ الصغر آدابا معينة تختلف بعض الشيء عما هو جار في الوقت
الحاضر، وقد تركزت تلك المعلومات على العلائق بين الجنسين! ، فمثلا إذا وقعت
أنظار رجل ما على وجه امرأة جميل ومشرق فيجب عدم تكرار ذلك ، فالشرع لا يسمح
بالنظر إلا مرة واحدة فقط ! ,... وهكذا التزم صابر وكل أبناء جيله بمثل تلك
التعليمات وغيرها والتي يراد بها كبح جماح الشباب وعدم التمادي بغرائزهم
العاطفية، ولذا صارعلى كل من يسير في الطريق ان يركزعيونه على أرض الرصيف ! ,
وكأنه يبحث عن شيء ضائع لكي لا يتهم بسوء الأدب! ، وهكذاعاش صابر على ذلك النمط
كشيخ مفعم بقساوة الزمن ، بالرغم من أنه لا يؤمن بصحة تلك الآراء. لعب الحظ او
قل القدر ليستقر الدكتور صابر موقتا في ذلك البلد العربي والذي تطبع لحد ما
بواقعية متزنة، فشعر بالإنتعاش والدفئ لدماء الشباب المطمورة " بوحل الرجعية "
، فنمت عنده الأحاسيس من جديد كنمو زهرة في الشتاء ، أو قل كما تنبت شجرة
الصبير في الصحراء ، فأخضرت نفسه من دون قناع ولم يتهمه أحدا " بقلة الأدب"
وتمكن خلال فترة قصيرة أن يصادق العديد من نساء المجتمع المثقفات و بحدود
اللياقة والأدب ، وتجول معهن في شتى المرافق العامة في المدينة وتبادل دعوات
الأفطار مع عدة عوائل عريقة، ، وبادل إحد زميلات المهنة مشاعرا لم تقترب لشاطئ
" الغرام " فقد كان إعجابا ، واقتربت منها سفينته عند المرسى !.., وطلبت منه أن
يبتعد عنها حتى لا يغرق ، وأكدت له مشاعرها واعجابها به , إلا أنها لم تسمح له
بالدخول, و ردد مع نفسه مقطعا من قصيدة الشاعر العراقي شفيق الكمالي:
مشيناها خطا كتبت علينا ومن كتبت عليه خطا مشا
الصقر واليمامه
قصة واقعية تنقصها الصراحة !
1
لا أريد أن أسرد عليكم كل ما أعرفه عن( الصقر) و(اليمامة) حتى لا أتهم
بالمبالغة ، ولذا ذكرت بعدعنوان القصة عبارة " تنقصها الصراحة" ، فليس كل صحيح
يقال وليس كلما يقال صحيح ... فالكثير من المعطيات التي اجتازها الصقر لم أتطرق
لها حتى أتجنب الأطناب والشك عند القارئ,
وقدأعترف الصقر لي بسذاجته و عدم تعلمه من تلك المعطيات، فالمعلم يموت ولا
يتعلم، (كما في المثل الشعبي المصري) ، ... وكان دائما يسبح ضد التيار كي يدرك
الحقيقة ويصل إلى شاطئ الأمان ،... حتى أنهكه التعب وانهارت صحته واستسلم
للقدر، وسار بالطريق المظلم وهو أعمى البصر والبصيرة ، ومن حسن حظه ، أن الأمور
المعقدة كانت تفرج في لحظاتها الأخيرة ، ويجد من يمد له يد العون ويردد بعضا من
أبيات قصيدة الأمام أبي حنيفة :
ضاقت ولما استحكمت حلقاتها فرجت و كنت اظنها لن تفرجي
تراكمت عليه الهموم وهو في بداية خريف العمر، أو قل بداية جفاف العواطف وسبات
الغريزة، لأسباب عديدة، يرجع معظمها لحياة الوحدة او قل الغربة التي عاشها
بعيدا عن الأهل و الوطن ، إضافة إلى قساوة المجتمع الشرقي ونظرته القاسية للذي
يعاشر امرأة حتى على مستوى الصداقة، حيث يعتبرون أية خلوة لرجل وامرأة لا بد
وأن تسفر عن رائحة الجنس! , كما أن الكثيرات من بنات حواء لا يرغبن بعلاقة
عابرة سوى بائعات " الهوى" ، واللائي يتقززالصقر من عشرتهن منذ عهد الشباب ،...
فما بالك اليوم وهو بهذا المستوى العلمي والإجتماعي إن يسمح لنفسه بأية علاقة
عابرة ؟، اضافة الى درايته و علمه بالأمراض التي تنتقل عن طريقهن !، وقانا الله
وإياكم من هذا الطريق المظلم ! .
كان القدر بالمرصاد للصقر , حينما وجد مطبا جديدا امامه لا يعلم غير الله
مخاطره ، فقد لفتت نظره " شابة" أوقل " صبية" في عنفوان شبابها هزت عواطفه بشكل
لم يسبق له مثيل في أي مرحلة من مراحل حياته ! ,إنها هزة من نوع جديد ، أو ربما
هي بداية لقصة " حب " جديدة ولذا استسلم لهذا الطارق ، ... واندفع خلفه من غير
وعي في طريق شائك و مظلم أو قل سراب حب من نوع جديد لم يطرق كيانه سابقا ، و
راح يتسائل هل هوفي حلم من أحلام اليقظة ؟ !
اخذت هذه العلاقة تتطور يوما بعد يوم، وصار الصقر أكثر إيمانا و اصرارا للولوج
في هذا الطريق ، وما من معوق يحول دونه ، فهذا هو قدره دفعه دفعا ، ولا يهم ان
ادى ذلك إلى ارتباط عاطفي قوي جدا لا طاقة له على تحمله, و انشد مع نفسه ( فاز
باللذات من كان جسورا ) !, ....
إنه الآن أمام قوة مغناطيسية، أو قل صبية مغناطيسية ! ،... فقد جذبت كل عواطفه
، وأنسته كل مشاكله، وجروحه السابقة، وهكذا ودع آلامه الماضية و زج نفسه في قصة
"حب" من طرف واحد ، لا يدري إلى أين ستؤدي إن سار خلفها, وراح يكلم نفسه
كالمعتوه و يتسائل : من هذه الفتاة (المبهمة) التي وضعها القدر في طريقي ؟ ربما
ستقذ فني في مستنقع مبهم !، فهي امرأة محنكة وذات خبرة جهنمية , وقد حدس كل ما
في ذهنها، إلا أنها كانت أكثر منه مقدرة ، فقد هيمنت على كل أفكاره، أو قل
شلتها فارتدى ثوب الغباء من جديد !!, واستسلم لللأمر الواقع .
بدا الصقريصارع مباهج الحياة ويتمزق عند رؤيته لمفاتن المرأة الوسيمة ويحترق
احتراقا ذاتيا ، وما من أحد يحس أو يشعر بآلامه , كما قيل في الأمثال ( الشبعان
ما يدري بالجوعان ) و( اللي أيده بالماي الساخن غير اللي أيده بالماي البارد)
وبالرغم من كنز معلوماته حول الحلال والحرام الا انه تمرد على تلك المفاهيم
عندما توفرت لديه بعض ما يغري عواطفه موقتا، وفي النهاية، أزداد شبقا واختناقا،
وردد مع نفسه بعد ان دب عنده اليأس " بليا ها أحسن" ، أي أنه اذا لم يلمس او
يتحسس ما هو محرم المنال, هو أفضل واسلم عاقبة !.
ومضت الأيام , و بدات رياح الشوق تعصف بالصقر , و رمى نفسه على كل من تحمل لقب
امراة و لم يوفق وكاد يتمرد على كل القيم الاجتماعية التي ردعته عن الموبقات
العاطفيه و ليس الجنسية! و لكن من دون جدوى و تسا ئل ما العمل؟ ! فهو شخصيا لا
يملك الجواب , ولا حتى فطاحل علم الأجتماع ؟!، و لابد للزمن من أن يحل تلك
المعضلة التي بدأت تهيمن على كيانه يوما بعد يوم، وصار يخاطب نفسه بصوت عال
ويقول : انتهى العمر فإلى متى أضل مغمض العينين، وأعيش بالأمل والإنتظار او
الوقت الضائع و الهدف القاتل كما هو الحال في لعبة كرة القدم ! .
لقد شاء القدر أن يستقر الصقر في احد الاقطار العربية بالرغم منه، فكل الظروف
من حوله جعلتنه يستسلم و يطلب البقاء لحين أن تفتح له أبواب الفرج من جديد،...
وشمر عن ساعده، ورمى خلفه كل آلام الماضي السحيق، فاخضر عوده الذي تيبس بسرعة،
لتوفر الجو الملائم أو قل ظروف المجتمع المتطور لحد ما بالمقارنة مع الظروف
التي عاشها سابقا، وسار بالطريق المبهم معتقدا بجلاء الرؤيا و أنه سيعوض ما
فاته من كبت لعواطفه المطمورة أو قل الراقدة في دور السبات كما ترقد الضفادع
والزواحف شتاءا, ونسى كونه في خريف العمر!! , وهون الأمر وانشد :
مشيناها خطا كتبت علينا ومن كتبت عليه خطا مشاها
و هكذا انقاد صابر خلف عواطفه و سار في نهج مظلم ، فاقدا للبصر والبصيرة ,
مقتحما سور الغباء في طريق لم يدرك خطورته , او قل أنه السراب بعينه ،... وبعد
اشهر فاق من ذلك الحلم الجميل وتلاشى كل شيء بعد أن علم علم اليقين عدم مقدرته
من نيل الهناء ,وسمع أم كلثوم
تردد من كلمات ابراهيم ناجي :
يافؤادي لاتسل اين الهوى كان صرحا من خيالي فهوى
اسقني واشرب على اطلاله واروي عني طالما الدمع روى
كيف ذاك الحب امسى خبرا وحديثا من احاديث الجوى
الرجل السوي ، يرى كل شيء بوضوح ،... إلا أنه من غير الممكن أن يلم بجميع
جوانبه لعوامل عديدة منها " درجة البصيرة " حيث أنها تختلف عند البشر أو حتى
عند الشخص نفسه وفق الظروف النفسية التي يعيشها،... وإلى يومنا هذا لم يستطع
الصقر أن يطور بصيرته بالرغم من المسيرة الطويلة التي عاشها، وطالما سائل نفسه
عن سبب ذلك،... فهل هو " غباء ؟ " أم " سوء تقدير" في حينه؟ ! .
مر الصقر في مرحلة الشباب بالعديد من التجارب الآجتماعية في بعض الأقطار
المتحررة ، و لذا فليس من المعقول ان لا يوفق وهوالآن في أعلى مستوى مهني
واجتماعي، وقد تحرر من آلام الماضي البغيض التي عصفت ببلاده في ايام الحروب و
الحصار البغيض, وصار جميع أولاده معتمدين على أنفسهم وليس أمامه الآن أي واجب
نحوهم , او قل صار يعيش لنفسه و راح يسعى للعثور على نهج السعادة أو قل راحة
البال، وفق مايشتهي لتعويض ما حرم منه طيلة سنوات عمره الأخيرة ، فهل من
المعقول أن يعيش حزينا على سراب امرأة وهو يمتلك كل مقومات الحياة ؟ . هدأ
الصقر بعض الشيء عندما تعرف على إنسانة أو قل إن القدر رماها في طريقه ، ووجد
لديها استجابة منقطعة النظير وشعر بنشوة لإستجابتها لكل عرض قدمه لها، وسارت
الأمور بشكل مرضي وأكثر مما كان متوقعا ،... إلا أن " النحس" طارده مرة أخرى ،
وبدأت المطبات أمامه متلاحقة ، وقادته إلى الإحباط ثانية ، فكفر بكل( المثل) ،
فهو لم يطمع أكثر من صداقة أو(صحبة ) كما يطلق عليها في هذا البلد ، لتخفف عنه
آلام الغربة وتعيد له بهجة الحياة فقد ملل من الحرمان فما هو إلا بشر، عنده قلب
ونظر،... فلم هذا " النحس" . ، وهل من مفر لذلك،... وأيقن أن النجس وهو ،
منبعهما واحد، أو قل هما وجهان لعملة واحدة !!.
سار صابر مع هذه المرأة "البارعة" وهو منزوع الوعي والإرادة ، فقد أثارته
بجسدها المتكامل الأوصاف وسحر عيونها وعذوبة منطقها وابتسامتها ،... فقد راقبها
وهي تشتري بعض المجلات من مكتبة في مركزالمدينة ، واستمتع بتلك اللحظات وهي
تحاور صاحب المكتبة ، وسرح مع أحلام اليقظة وبذهنيه المتعطش للأنثى ، وقف خلفها
يراقب قوامها عن كثب، إلى أن اِنتهت من حوارها ،... فاشترى جريدة ولحق بها،
وأدركها !!.. مهلا أيها القارئ لا تحكم عليه بأحكام جائرة ، فهو يريد أن يسرد
لك الصورة الحقيقية التي رأى بها تلك المرأة ،... حيث أنه لم يرها بعينه
المجردة ، بل أحس بها وشعر نحوها بقدسية لا نظير لها، فالجمال شعاع غير مرئي
يؤثر في شخص ما ولن يشعر به آخر،... وإضافة إلى ذلك فإن المرأة الجميلة تزيد
الحياة رونقا، والحبيبة تزيد الحياة هناء .
لا أريد أن أسبب ألما لأي شخص قد يلمس صدقا في سرد ما عاناه الصقر من متاعب
عندما سار خلف تلك المخلوقة التي حسبها الهناء المنتظر، ولم يشك في حينها ولكن
ما رآه هو السراب بعينه ، فقد كان أعمى ، وربما سيد فع ما تبقى من عمره ثمنا
باهظا إلى ذلك " الوهم" الموشح بالهناء يوم سار وراء عواطفه بتشجيع منها وقادته
من سيئ إلى أسوء ، متصورا أنه سيكسب الرهان إذا ما بذخ عليها المال والهدايا
بسخاء ويروضها على نار هادئة ،... فخسر المال والوقت لأنها امرأة ذات خبرة
معمقة وليس كما ادعت , بعدم ملكيتها لأي إحساس عاطفي , وانها لم تسمح لأي مخلوق
أن يمسها قبل موافقتها على الزواج منه !!, فكل من كان يعرفها سرد له قصصا يشيب
لها رأس الطفل !! ولكنه ابى تصديق ذلك و اعتبره نوعا من انواع الغيرة و خاصة من
اقرب صديقاتها! , وهكذا صغرت تلك المرأة في عينه , وراح بين مصدق و مكذب لما
سمع و راى , وترك برهان الحقيقة للزمن ،... وخسر الرهان وكسب الذكريات ليدونها
كعظة لمن يتعض بأخطاء الآخرين قبل فوات الأوان، طالبا من كل فاشل في الحياة أن
يتعامل مع الواقع مهما كانت قسوته. فالأخطاء الجسيمة في حياة كل منا قد تكلفه
سعادته أو قل حياته... فالمرأة في مجتمعنا الشرقي ، ومهما بلغت درجة ثقافتها أو
تعلمها تهيمن على الرجل إن شعرت بحبه لها ، وتلعب بعواطفه وتتلذذ بشوائها،
وكلما زاد سعيرها، ازدادت نشوة وطربا لترضي غرائزها الدفينة... ولن تكتمل
فرحتها إلا بالضربة القاضية، وإن لم تجد من يحميك من براثن أعمالها فسوف تزداد
ضراوة إلى ما شاء الله أو لحين استلامها ورقة الطلاق بالرغم من قساوة الحل ،
حيث أبغض الحلال عند الله الطلاق ،...إلا أن ذلك يعتبر هو العلاج الوحيد النافع
إن وصل الأمر لتلك الدرجة من التهور واللامبالاة !!.
الكثير منا لا يعير أي اهتمام لأي نوع من الأمراض الاِجتماعية لجهله بخطورتها
أولضعف في قدراته لمواجهتها، ويدفع الثمن غاليا ويندم في وقت لا ينفع فيه الندم
.,.. ونتيجة لتدهور العادات الحميدة، صار من الضروري الاِستشارة والتروي في أخذ
القرار، لحين القناعة بنجاعة الحل ومن دون أي تردد، فآثار التردد مدمره وقد
تكون عواقبها أسوأ بكثير من الفشل في تنفيذ غاية ما من دون استشارة ، فالخوف من
الفشل اشد وطأة من الفشل ذاته ، ولذا لم يتردد الصقر في قراراته ، وقد أطلق
عليه أحد زملائه لقب "أبو سريع" ، أي( الذي يتخذ قرارته بأقصى سرعة) أو قل صار
متهورا في رد الفعل , فبعد اليأس من العثورعلى انسانة تقدره لشخصه لا لمركزه
العلمي أو الاِجتماعي و بعيدا عن العواطف ، وضع القدر أمامه تلك (الصبية) ،...
وأعجب بها وتبعها (كالمسعور) ، وطوقها بكل جرأة، و لماألقى عليها التحية، نظرت
نحوه بتعجب ولم ترد التحية، إلا أنها ابتسمت له وسألتنه "شكون انت ؟" أي من أي
بلد أنت؟.!.,. لأنها ميزت لهجته الغريبة اوقل المختلفة عن لهجة بلدها ،...
فأجابها "عراقي" فتوقفت وعلا وجهها ابتسامة مكللة بالاِستغراب المشبع بالرضا،
فارتعش لتلك النتيجة وهو غير مصدق على قدرته أو قل علي ترويضه لتلك المتوحشة
!,التي بانت له للوهلة الأولى كأنها " لبوة " أو امرأة حديدية "متمردة " ...
فهدأ قليلا وسار بجانبها وكأنه خليل لها منذ فترة طويلة من الزمن.! , فقادته
لأقرب مقهى لكي تكمل حديثها ، و ما ان وصلا الى المقهى حتى جلس قبالتها وهو غير
مصدق ان كان في علم ام في حلم !!... وبدأ الحوار بيننهما بكل أدب وحشمة ،
وأسمعها عبارات عاطفية كانت مكتومة في صدره ، فشكرته "يعيشك" وهي عبارة تعبر عن
الاِمتنان للإطراء ، وراحت تطرح عليه وابلا من الأسئلة وبدأ يجيبها من عقله
الباطني ، حيث فقد في تلك اللحظة كل سيطرة ذهنية ، وعاد صبيا في مقتبل العمر,
وتم التعارف المبدئي ، وأخذت عنوانه ، ولم توافق أن تعلمه أي شيء عن حياتها ،
سوى أنها موظفة في شركة، وأنها خرجت لإنجاز بعض المهام الخاصة بالشركة ، وبعد
أن تصفحت منشوراته الأدبية ، عرفتنه بعض الشيء عن سيرتها ،... وقالت إنها
ليسانس آداب ، ولذا أهداها بعض ما كان يحمله من مقالات كتبها في الصحف المحلية،
فتقبلتها, ثم أمطرته بعبارات الإطراء ، وثمنت مكانته العلمية ومركزه الاِجتماعي
, ثم ناقشتنه ببعض ما ورد في تلك المقالات من أفكار، وتطور الحديث حول سيرته ،
ولم يخفي عنها أي شيء ، وأخبرها بأطناب عن عائلته وعمله وأسباب هجرته،... أما
هي ، فقد أعلمتنه بأنها مازالت عزباء وعذراء ، وأنها فشلت في أول خطوبة لها وهي
في سن الثامنة عشر من عمرها.! , ثم أعيدت خطبتها بعد عدة سنوات من زميل دراستها
في الكلية ،... إلا أن تلك الخطوبة لم يكتب لها النجاح ، حيث وجدت الخطيب
متلبسا مع امرأة أخرى ، أي بالخيانة العظمى !! ، وأكدت أنها تمقت مثل هذا
السلوك ! , ... كما أنها تمقت الخديعة وهي ولهذا السبب لم تعثر على الشخص
المناسب ليكون بعلا لها , وإن فشلها مع شخصين جعلها تفقد الثقة في أي رجل مهما
كان مستوى ثقافته. إلا أن الواقع غير ذلك فقد لمس الصقر من أسلوب حديثها أنها
تخطط لصيد زوج مغفل يعوض ما فاتها من سنين عمرها، فهي الآن في منتصف العقد
الرابع ،... إلا أنه وبشكل غير مباشر، أفهمها استحالة زواجه في الظروف التي هو
فيها ، إضافة إلى أن عمره كان ضعف عمرها في حينه , ومتزوج من أمرأة يكن لها
الحب و الوفاء , وبالرغم من كل ذلك , فان فشله بالزواج من امرأة اجنبية , يزيد
من خوفه من الزواج بأية امرأة إن لم تكن من نساء وطنه !! , فالمؤمن لا يلدغ من
جحر مرتين!.
شعر الصقر برغبتها بتكوين علاقة ما معه ، طالما هو غريب وليس له الخبرة بالسلوك
الاِجتماعي في بلدها، أو قل انه غير مبالي بعلائقها الخاصة الحالية ، حيث ليس
من المعقول وجود امرأة في عنفوان شبابها وخريجة جامعة وفاشلة في الحصول على زوج
أو قل حتى خطيب , من دون علاقة حميمه على أي مستوى يكفل لها زوج تستقر معه,
ولذا لم يعرصابر أهمية لحديثها، واعتبره من باب الكسب المادي, ، لأنها تعلم أن
المشرقي سهل المنال امام اغراء حواء , أو قد يكون لها هدف آخر لم يستطع التكهن
به ، فقد تكون امرأة زجتها مخابرات دولة ما لمعرفة نشاطه العلمي و اتجاهه
السياسي نحو بلده او بلدها !.
استمرت علاقة صابر بهذه المرأة متأرجحة , او قل بهناء تشو به الشكوك فهي تأتي
الى داره وقتما تشاء وتطلب أنواع الأكلات وفق مزاجها ، وتأخذ حريتها ، وتراها
مرة تمثال أبو الهول ومرة راقصة لا تثبت بمكان معين ، تلوج بالشقة تعبث بكتبه
وأوراقه وهو فرح بها ،... على أمل ترويضها لتكون له "عشيقة" يعوض بها ما فاته
في سنين الكفاح والتي نسى فيها أنه "رجلا" فقد كانت تأتي أياما متتالية ثم
تختفي أسابيعا ،. وفي كل مرة يكتشف فيها شيئا جديدا ، بالرغم من الغموض الذي
يكتنفها ، فقد بدت العلائق رومانسية بحدود اللمس والهمس ولم تصل الى ما هو
أعمق!! ، إلا أنها كانت تمهد لذلك ثم تمتنع فيزداد ثورة ثم تلاطفه وتعده بيوم
آخر فيهدأ و يصدقها على الفور , و يغدق المال عليها من دون حساب وهو فرح ،
وطالما كا ن يبادر بدفع مبالغ كبيرة لمجرد أن تلمح له بحاجتها ! , ويفرح
بوعودها , و لكن لم يتحقق منها اي شيء ، وقد علم من صديقتها , وبعد فوات الأوان
, بسفرها مع خطيبها إلى المصيف لفترة خمسة عشر يوم ، ولما عادت اختلقت قصة
مطاردة أولاد الحي لها وخوفها حتى الخروج من البيت وصدق الصقر القصة لأنه مغفل
! .
حمد الصقر الله كثيرعلى نعمته بهناء علقم او قل ليس له نظير ، ووجد متعة لم يحس
بها منذ أيام الشباب وبتكرار اللقاء كان يكتشف شيئا جديدا فيها ، بالرغم من
الغموض الذي يكتنفها ، و لقد تمكنت بذكائها وحدسها الذي ليس له نظير ، أن تهيمن
على عواطفه ، وتدفعه لكي يتعلق بها بشكل جنوني أو قل يهيم بها عشقا ،... وكان
يحمد ربه على هذه الحالة ، حتى يخفف من وطأة الغربة والحنان لعائلته فقد وجد
نفسه مغمورا بمستنقع الهناء المر الذي طمر عواطفه ! .
إنها انسانة غريبة الأطوار بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ولما سألها الصقرفي
جلسة سمر عن احاسيسها نحوه , لم تفصح شيئا عن عواطفها، حتى تشده أكثر وقالت له:
(خليه علي و ماعيك),
إنها "طلسم" أتعبتنه كثيرا ولكن ليس له القدرة على طردها أو هجرها , كما قال
الشاعر المتنبي :
ومن نكد الدهر على الحر أن يرى عدوا من صداقته بد
من المعلوم أن الشك هو أول بذرة يغرسها العاشقان في حقل حبهما ، فإذا نمت هذه
الحبة وصارت شجرة فسوف تكون كفيلة بقتل كل ما بنوه ، طال الزمن أم قصر ، إذا لم
يقلعان تلك الشجرة الخبيثة ، أو قل النبتة الدخيلة.
ومرت الأيام والصقر يزداد ثقة بفشله مع تلك الصبية الغريبة الأطوار، حيث لم يجد
شبيها لها ، فهي غامضة في كل تصرفاتها، ولذا شعرالصقربالملل من هذه العلاقة
الزائفة أو قل " حب" من طرف واحد ، حيث لم يلمس منها أية مشاعر عاطفية حتى
بحدود المجاملة كأصدقاء ، ... وسارت الأمور من سيئ إلى أسوء ! . |