بسم الله الرحمن الرحيم
د. أحمد صبحى منصور
أخيرا هذه كلمتى فى جريمة تدنيس القرآن الكريم :


ملعون كل من يدنس المصحف الشريف من المسلمين وغير المسلمين .
كتب أحد القراء يلومنى قائلا :"الحقيقه اننى تعجبت لصمتك التام ازاء قضية تدنيس القرآ’ن الكريم"..وسألنى مستفزا: " هل انتقاد الحكومه الامريكيه ممنوع لانك تقيم فيها ؟ ام انك متفرغ لانتقاد الازهر وشيوخه ؟ ام نسيت الاسلام والقران الذى قلت انك افنيت عمرك للدفاع عنه؟ ام ان الموضوع خارج دائرة اهتمامك ولا يستحق؟"...
ورددت عليه قائلا: "أخى الفاضل .. لقد تحدثت فى قناة الجزيرة مستنكرا ذلك مطالبا بعقوبة الجناة. غيرى كثيرون من الامريكيين فعلوا نفس الشىء ليس لانهم يؤمنون بالقرآن ولكن لأنهم ضد انتهاك حرمة الأديان. ولا تنس ان الذى أذاع ذلك وشنع عليه مجلة أمريكية. و لا تنس أيضا انه فى هذا المجتمع كثيرا ما يحدث مثل ذلك الاعتداء على الكتب المقدسة للمسيحية واليهودية ويثور نفس الاحتجاج. انه مجتمع مفتوح لا يخفى فيه شىء، وكل من يتجاوز ينال العقاب فى نظام من القضاء النزيه أشهد أمام الله تعالى بأنه أعظم ما رأيت فى حياتى من عدل وتجرد بمقاييس البشر. ليس هذا دفاعا عن أمريكا ونظامها ولكنها شهادة حق. وقد سبق لى أن هاجمت مرارا - فى مؤتمرات أمريكية وباللغة الانجليزية - السياسة الأمريكية فى الشرق الاوسط وبطريقة استفزت الامريكان الحاضرين انفسهم ، مستمتعا بحرية الخطاب التى ما وجدتها فى بلدى..
أخى الفاضل . اسئلتك تنم عن مشاعرك نحوى ولا أحس فيها بالود. وتسألنى كما لو كنت مسئولا عن أى فعل يقع من أمريكا والأمريكان وتطالبنى بالرد. ربما يكون من الأفضل أن توجه اسئلتك للأصدقاء الحميميين للأمريكان المتحالفين معهم، وهم أسيادكم الطغاة فى مصر والسعودية والاردن ,,الخ وعملاؤهم هنا فى واشنطن.. أنا هنا مجرد لاجىء سياسى قليل الحيلة لا يجد عملا ويعيش على الكفاف بينما أعوان الطغاة فى أمريكا يملكون بأموالهم المنهوبة من شعوبهم كل السلطة والنفوذ فى بلد رأسمالى يبيح حرية التعبير للجميع من الفقراء امثالى والأغنياء امثالهم، ولكن الغلبة تكون للأكثر مالا وجاها. أنا بامكاناتى المحدودة تكلمت ،وهم بامكاناتهم غير المحدودة سكتوا. وحضرتك توجه لى اسئلة لائمة دون ان تدرى شيئا عما يجرى هنا. وانت معذور. وسيأتى يوم الحساب العظيم وينتصف الله تعالى للمظلوم من الظالمين"...انتهى
حسنا . ثارت قضية تدنيس القرآن فى أمريكا مثلها فى ذلك فضيحة التعذيب فى سجن ابو غريب العراقى ، وسيتم التحقيق ومعاقبة الجناة فيها - كما حدث فى فضيحة أبى غريب- وفق معايير المجتمع الأمريكى المفتوح الذى يكشف كل الخطايا ويناقشها ويعاقب المسئول عنها مهما كان موقعه . على النقيض يأتى الموقف العربى المسلم الذى يتصرف كما لو أن التعذيب فى السجون لا يوجد عندهم بتاتا ، أو كما أن تدنيس المصحف والقرآن لم تحدث فى ديارهم ولا فى تاريخهم على الاطلاق. لذا يلومون أمريكا – كما لو كانت تلك سياسة أمريكية - وينسون أنفسهم ، أو كما يقول تعالى " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب ، أفلا تعقلون؟ " البقرة 44 "
انتقلت القضية من الصحف الأمريكية الى وسائل الاعلام العربية والمسلمة، وسرعان ما وصلت الى المساجد والشوارع لتتحول الى سخط عارم ومظاهرات معادية لأمريكا ، وكانت فرصة كتب فيها من يفهم ومن لا يفهم ، فأعرضت عن الدخول فى معتركها معتقدا انها هبة عاطفية وسينتهى مفعولها ،ولكنها استمرت تثير المظاهرات هنا وهناك لتعبر عن احدى أمراض الشخصية العربية المسلمة. وهى بذلك تستحق التحليل والتعليل خصوصا بعد ان هدأ سوق الكتابة من صياح الباعة الجائلين وبضاعتهم الرديئة.
أبدأ بالقول مؤكدا اننى ألعن كل من يدنس القرآن أو المصحف أو هما معا، سواء كان الفاعل مسلما أو غير مسلم.
هذا هو مفتاح القضية ومحور التحليل والتعليل فيها.وأشرح ذلك مؤكدا منذ البداية اننى حين أقول كلمة "المسلمين " لا أقصد التعميم ولكن أقصد الأغلبية فقط من المسلمين.

أولا :عادتنا السيئة اننا مشغولون بهداية العالم ونحن أشد الناس ضلالا، مغرمون بتتبع عورات الآخرين ونحن أكثر البشرفسادا ونفاقا . لو اكتفينا باصلاح انفسنا من أهرامات عيوبنا وجبال مساوئنا لما بقى لنا متسع للتفكير فى عيوب الآخرين. ولكننا نرفض ذلك ، اذ لا نجيد الا الحديث عن المناقب والمحاسن والأمجاد ولا نمل من تكرارها حتى أصبحنا نعيشها فى أحلام يقظتنا دون أن ندرى واقعنا المرير فى عالم اليوم حيث أصبحنا شر أمة أخرجت للناس ومنبع التوتر والمشاكل فى العالم . فاذا قام مفكر مسلم حريص على هداية قومه مناقشا تلال العيوب داعيا لمناقشتها ناصحا لهم بالاحتكام الى كتاب الله تعالى العزيزثاروا فى وجهه لأنهم مثل قوم ثمود " لا يحبون الناصحين".
صلة هذا بموضوع تدنيس القرآن أو المصحف ان اولئك الثائرين يحسبون ان هذه الجريمة لم يرتكبها الا بعض الجنود الامريكان أو اليهود. ذلك لأنهم لا يعرفون من تاريخهم سوى بعض القشور اللامعة . أتحدث هنا ليس عن جماهيرالمتظاهرين فحسب ، بل قبل ذلك عن قادتهم من الدعاة والزعماء ومثقفيهم الذين يكتبون أكثر مما يقرءون، وهم حتى لايفهمون ما يقرءون .
لو قرءوا تاريخهم وتراثهم المقدس وغير المقدس – لعرفوا ان تدنيس المصحف والقرآن جريمة كبرى وقع فيها بعض الخلفاء " المسلمين" وبعض العلماء "المسلمين" وبعض أنظمة الحكم " المسلمة" فى العصور الوسطى والمعاصرة، وقبل وجود أمريكا واولئك الجنود الامريكان. وسآتى فى نهاية المقال ببعض الأمثلة.
اذن – يا طويل العمر – لماذا لا نبدأ بأنفسنا قبل ان نثور على الآخرين ؟ .

ثانيا- قلت عامدا متعمدا " ألعن كل من يدنس القرآن أو المصحف أو هما معا." لأؤكد حقيقة منسية هى أن القرآن شىء والمصحف شىء أخر .
القرآن الكريم هو الوحى الألهى الذى نزل على خاتم النبيين محمد عليه وعليهم السلام، وهو الذى ضمن الله تعالى حفظه الى يوم الدين. هو وحده دين الاسلام بعقيدته وشريعته وأوامره ونواهيه وحلاله وحرامه، هو وحده الكتاب الذى لا ريب فيه وما عداه يلحقه الريب والشك. هووحده الحديث القدسى المقدس،ومن آمن بحديث غيره فقد أشرك بالله تعالى طبقا لتأكيد رب العزة على هذه الحقيقة( المرسلات 50 – الأعراف185 – الجاثية 6).
المصحف هو تلك الكتابة البشرية للقرآن فى نسخ كثيرة كل نسخة تتكون من صحف داخل اطار واحد يشمل كل سور القرآن وآياته طبقا لما كان عليه العهد فى حياة النبى محمد السلام. واصطلح المسلمون بعد موت النبى محمد بتسمية تللك النسخ" مصحف". ولذلك فان كلمة "مصحف " ليست من مصطلحات القرآن الكريم لأنها أتت بعد انتهاء القرآن نزولا..وفى العصور اللاحقة كانوا يقسمون المصحف الواحد الى أربعة أجزاء لتسهيل الحفظ والاستظهار فأطلقوا تسمية أخرى تماثل مصطلح المصحف هى "الأرباع الشريفة" أو " الربعة الشريفة" .
بعد نسخ المصحف بخط اليد والتألق فى هذا الفن الى درجة عالية أصبح المصحف يطبع بالالات لنؤكد لانفسنا والآخرين أن هذا المصحف – فى ورقه وأحباره واغلفته وحتى فى حروف كتابته – انما هو صناعة بشرية نتمكن بها من قراءة القرآن الكريم بوسائلنا البشرية وحسب تقدمنا العلمى من عهد الكتابة اليدوية بالقلم البوص الى عصر الانترنت.
ومع ان المصحف صناعة بشرية تتكون من مواد طبيعية من الأرض التى نمشى عليها الا انه يحوى كلام الله تعالى – القرآن الكريم - باللغة العربية، فلا بد من اعزاز هذا المصحف واحترامه واجلاله بسبب ما يدل عليه وما يحمله.
كتابة القرآن باللغة العربية تبدو لغير القارئين بالعربية رموزا لا يستطيع الصينى – مثلا – قراءتها، وربما يتعامل معها كما يتعامل مع أى قصاصات ورق لا يفهم ما تحويه. لا اثم عليه ان فعل . الاثم على الذى يدنس المصحف كراهية للقرآن عالما بما يفعل.

ثالثا : معجزة الحفظ الالهى للقرآن هى التى تجمع بين القرآن والمصحف ، وهى أساس هذا الموضوع فيما يخص عقلية المسلمين وتعاملهم مع المصحف أو القرآن أو هما معا. هذه النقطة أيضا تستلزم توضيحا قرآنيا.
ان الله تعالى يقول بصيغة التأكيد: " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون."الحجر9 " التأكيد على انزال الذكر – اى القرآن – جاء بصيغة الماضى. لأن انزال الكتاب السماوى تم فى ليلة واحدة هى ليلة القدر، ثم بعدها تتابع نزوله مقروءا على لسان النبى حسب الأحداث ، وتللك قصة اخرى لا محل لها هنا . المهم ان التأكيد على نزول الكتاب أو الذكر جاء بالماضى أما التأكيد على حفظه فقد جاء بالجملة الاسمية التى تفيد الثبوت والاستمرار. بمعنى انه اذا كان الكتاب قد تم نزولا على قلب النبى وأن القرآن قد تم نزولا على لسانه ومات النبى محمد فان حفظ القرآن سيظل قائما برغم أنف الكارهين له.
القرآن الكريم - بعد موت النبى محمد عليه السلام وحتى الآن - أصبح منسوخا فى بلايين المصاحف بنفس طريقة الكتابة المميزة وتحوى أعجازا عدديا يكتب فيه الكثيرون الآن دليلا على أن كتابة المصحف بتلك الطريقة الفريدة لم تتغير منذ عهد النبى. وبالمناسبة فقد أثبت ان النبى محمدا هو الذى كتب القرآن بيده وخطه وأن كلمة "أمى" لا تعنى فى مصطلحات القرآن الجهل بالقراءة والكتابة وانما تعنى فقط العرب الذين لم يأتهم رسول بعد اسماعيل فى مقابل أهل الكتاب الذين توالى فيهم ارسال الرسل من ذرية اسحق.
اذن قوله تعالى عن حفظ القرآن بصيغة الثبوت والاستمراروالتأكيد " وانا له لحافظون" تمتد لتشمل كتابة المصحف والعناية به والمحافظة الشديدة عليه الى درجة التقديس حتى لو كان اولئك الذين يقدسون المصحف لا ينفذون تعاليم القرآن. المهم انهم يقدسون المصحف ويرفضون أى مساس به ،وسيستمر ذلك الى قيام الساعة تعبيرا عن حفظ الله تعالى للقرآن مدونا فى تلك المصاحف. والمظاهرات الحالية غضبا للمساس بالمصحف دليل على ذلك.

رابعا :هناك فارق بين المصحف والقرآن فى تفكير المسلمين وعقائدهم. هم يقدسون المصحف ولكن لا يؤمنون بالقرآن ... وأضرب لذلك بعض الأمثلة :
• مشهورة تلك الفتوى بردة سلمان رشدى بسبب ماقاله فى كتابه "آيات شيطانية ". المفجع أن سلمان رشدى لم يفعل أكثر من اعتماده على ما جاء فى بعض كتب التفاسيرفى تعليقها علىالآيتين 19 و 20 من سورة النجم، وهى اسطورة "الغرانيق". وقد ذكرها تفسير النسفى الذى كان مقررا علينا فى الثانوىالأزهرى ، وقد امتعضت منها وأنا طالب وقلت انها تطعن فى القرآن ، فأسكتنى المدرس خائفا. هذه الاسطورة التراثية مع الآف غيرها تعبر عن كراهية للقرآن وطعن فيه، ومع ذلك كان هناك اصرارعلى تدريس هذا الطعن للطلبة . هذه الاساطير المقدسة التىيؤمن بها المسلمون اذا استغلها كاتب مثل سلمان رشدى للطعن فى الاسلام ثاروا عليه وطالبوا بقطع رأسه. فاذا نفاها باحث اسلامى مثلى ليبرىء الاسلام منها وينسبها لأعداء الاسلام من الأئمة ثاروا أيضا عليه واتهموه بانكار السنة معترفين – ضمنيا بذلك العداء بين السنة والقرآن . الخلاصة – يا طويل العمر – ان المسلمين يتمسكون بالروايات التى تطعن فى القرآن مع محافظتهم الشديدة على المصحف الذى يحوى ألفاظ القرآن بين دفتيه.
• حين اقترح القذافى – ضمن اجتهاداته الثورية الانشكاحية - حذف كلمة" قل " من القرآن سئل شيخ الأزهر وقتها – الدكتورعبد الحليم محمود - عن رأيه فانطلق الشيخ الصوفى المشهور بهدوئه وسكونه يقول بلهجة أزهرية منغمة " كفر .. كفر .. كفر "- بضم الكاف وتنوين النون - أى أنه ثار لاقتراح بحذف كلمة من المصحف. نفس الشيخ – عبد الحليم محمود- سمعته بأذنى يكرر كلمة الامام النووى القائلة : ". كاد الاحياء أن يكون قرآنا " وفزعت من جرأته على قولها. انه يقصد كتاب "احياء علوم الدين " لأبى حامد الغزالى المتوفى 505 هجرية. هذا الكتاب نثر الغزالى فيه من الأكاذيب والافتراء على الله تعالى ورسوله وازدراء القرآن ما لا يخطر على بال السيد كوفى عنان !! . موقف الشيخ عبد الحليم محمود يتسق مع موقف المسلمين؛ انهم يقدسون المصحف وفى نفس الوقت لا يؤمنون بالقرآن ، لأنهم لو آمنوا بالقرآن وحده حديثا وكتابا مقدسا لكفروا بغيره من الكتب ولاعتبروها كتبا بشرية عادية تقع فى نطاق الفلسفة أو التاريخ أو غيره ولا علاقة لها بدين الاسلام، ولكنهم اكثر من ذلك يتمسكون بتقديس تلك الكتب التى تطعن فى الاسلام والقرآن ويضطهدون من يناقش تلك الكتب مناقشة علمية محتكما فيها للقرآن الكريم .!
• فى شبابى حين كنت طالبا فى معهد الزقازيق الأزهرى كنا نمر كل يوم على مسجد أقيم على ضريح مقدس يؤمه الناس للتبرك، وعلى مدخل المسجد مكتوب بالحفر قوله تعالى : " وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا". التناقض واضح بين الآية الكريمة وطبيعة هذا المعبد الوثنى .الآية تنهى عن تقديس القبور والبشر والحجر وهم يعبدون الأنصاب – أى الأضرحة المقدسة - ويقيمون عليها مساجد ويزينونها بالآية الكريمة التى تنهى عن ذلك. فى شبابى كنت أضحك ساخرا من هذا التخلف العقلى ، فلما استوى عقلى بالقرآن وجدت ان الآية تنهى أيضا عن ذكر أى اسم بجانب اسم الله تعالى فى بيوت الله تعالى فى الصلاة وفى الآذان، أى يجب فرضا أن يكون الآذان وان تكون الصلاة مقصورة على تمجيد الله الأكبر جل وعلا وحده دون اضافة أى اسم النبى محمد مع الله تعالى، وينطبق هذا على شهادة الاسلام هى شهادة واحدة فقط فى التأكيد على الوهية الله تعالى وحده، وهو دين كل الانبياء،وتتضمن ايمانا بكل الانبياء ورسالاتهم دون تخصيص واحد منهم أو تفضيله أو تمييزه على غيره . وهذا ما أكدته مئات الآيات القرآنية . أى ان المساجد التى يدخلها المسلمون ويذكرون فيها مع الله أسم النبى محمد وغيره من البشر- تقع فى عداء واضح مع القرآن الكريم . اذا جهرت بهذه الحقيقة القرآنية ستثور ضدك مظاهرات المسلمين تطالب بدمك. واذا طاوعتهم وناديت بحذف تلك الآية وأمثالها من المصحف سارت أيضا المظاهرات ضدك تطالب بقطع رقبتك .الخلاصة – يا طويل العمر – انهم يقدسون المصحف ويقدسون فى نفس الوقت ثوابتهم وما وجدوا عليه آباءهم من تراث وطقوس دينية تخالف القرآن الكريم الذى يوجد فى ذلك المصحف.
• وصل تقديس المصحف الى درجة الهوس العقلى لدى بعض زعماء الجمعية الشرعية فى مصر فى السبعينيات ، فانطلقوا فى شوارع القاهرة يجمعون منها زبالة الصحف والأوراق لاحتمال ان يكون مكتوبا فيه اسم الله تعالى أو بعض آيات القرآن ، وكانوا على وشك تنظيف القاهرة من زبالتها التاريخية لولا الجدل الذى دخلناه معهم فانطلقوا فى تكفيرنا لأننا قلنا لهم آمنوا بالقرآن أولا واحتكموا اليه فى أحاديثكم المزورة التى تقدس النبى محمدا وتجعله بالشفاعة المزعومة مالكا ليوم الدين. لو طالبتهم بحذف (150) آية قرآنية من المصحف لأنها تناقض عقائدهم وتنفى شفاعة النبى لطالبوا بقطع رأسك . لو وعظتهم بتلك الآيات القرآنية ذاتها مؤكدا لهم أن النبى محمدا لا يشفع ولا ينفع احدا يوم القيامة لطالبوا أيضا بقطع رأسك. فالحل أن تبتعد عنهم وتلهو تلعب وتنسى الغم حفاظا على رأسك !.. الخلاصة أيضا – يا طويل العمر- هو ذلك التناقض بين القرآن ومعتقدات المسلمين . والحل الوحيد لذلك التناقض هو الاختيار بين واحد من اثنين اما القرآن واما التراث وتقديسه وتطبيقه العملى. أما الجمع بين النقيضين فى نفس الوقت فهو أعجب أنواع الخبل العقلى الذى يستعصى على فهم العقل البشرى .
• الحاصل ان المسلمين يجمعون بين النقيضين ، يقدسون المصحف ويرفضون أى مساس بألفاظ القرآن الكريم وفى نفس الوقت وبنفس الحماس يكرهون آيات القرآن الكريم اذا استشهد بها مصلح مسلم وأثبت بها العداء بين القرآن وتراث المسلمين.

خامسا : هذا العداء بين المسلمين والقرآن بدأه منافقو الصحابة فى عهد النبى، وهناك مئات الآيات تتحدث عن أنواع المنافقين ومكرهم ، وأنواع أخرى من ضعاف الايمان والذين فى قلوبهم مرض، وآيات أخرى تؤنب المؤمنين فى عهد النبى وتحذرهم. ونكتفى هنا بعرض سريع لسورة التوبة، وهى من أواخر ما نزل من القرآن . فى أوائل سورة التوبة اعلان المشركين الكافرين المعتدين ناقضى العهد - بمهلة اربعة أشهر-هى الاشهر الحرم – للتوبة وكف الاعتداء على المسلمين المسالمين الذين كان من عادتهم كما جاء فى السورة نفسها - أن يتثاقلوا فى الدفاع عن أنفسهم بل ويوالون أولئك المعتدين لأسباب اقتصادية وقرابة وولاء قبلى – نسبة للقبيلة - . هذا فى الوقت الذى كان فيه أولئك المعتدون لا يرقبون فى مؤمن الا – بكسر الهمزة وتنوين الألف أى عهدا - ولا ذمة .( التوبة 1 الى 40 )
وفى أواخر سورة التوبة( 42 الى نهاية السورة ) تقسيم نوعى للصحابة فى أواخر عهد النبى : منهم السابقون ومنهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، ومنهم من أرجأ الله تعالى الحكم فيه اما أن يعذبهم واما أن يتوب عليهم تبعا لامكانية التوبة وعدمها، ومنهم منافقون مردوا على النفاق لا يعلمهم النبى ولكن الله تعالى يعلمهم وقد توعدهم الله تعالى بأن يعذبهم مرتين فى الدنيا ثم يكون مصيرهم العذاب العظيم فى الآخرة، أى أخبر الله تعالى مقدما انهم لن يتوبوا بل سيفسدون فى الأرض فى حياتهم القادمة بعد اكتمال القرآن نزولا، ثم هناك طوائف شتى من المنافقين الذين أظهروا النفاق وتآمروا علنا على النبى ولكن كانوا يحلفون له كذبا منكرين ما فعلوه وما قالوه.
اذا كان هذا هو حال الصحابة فى عهد النبى ووقت أن كان القرآن ينزل يخبر بالمؤامرات وخفايا القلوب ويفضح المنافقين والذين فى قلوبهم مرض .. فكيف بالصحابة بعد موت النبى محمد وانتهاء القرآن نزولا وامكانية التآمر دون فضائح، ودخول أشد الناس عداء وحربا للاسلام من الأمويين وكبار القرشيين الذين اضطروا للدخول فى الاسلام حفاظا على اوضاعهم الاقتصادية ، وحاربوه من قبل بسبب الحرص على تلك الاوضاع الاقتصادية نفسها؟!!0 (القصص57 الواقعة 82 ) ( الانعام 66 -67 )
المنتظر ان درجة تطبيق الأوامر الاسلامية ستتناقص بدرجة هائلة. اذا كان التطبيق للاسلام هو ما نقرؤه فى السور المدنية وأحوال المنافقين فكيف بالتطبيق بعد النبى واكتمال القرآن نزولا؟
اذا كانت حقائق القرآن الكريم مطلقة فى صدقها فان " أخبار" التاريخ ورواياته التى كتبها المسلمون هى حقائق نسبية وليست من حقائق الدين المطلقة، للباحث الحق فى مناقشتها وتصديقها أو تكذيبها وفق رؤيته العلمية ، خصوصا وأن كتابة تاريخ النبى محمد وعصره قد بدأ بالرواية الشفهية عبر أحفاد المهاجرين والأنصار فى العصر الأموى فتجاهلوا ذكر الروايات التاريخية التى تعلق على الآيات القرآنية التى تتحدث عن أجدادهم المنافقين والمشركين المعتدين والبراءة منهم. ثم بدأ التدوين الفعلى لتلك الروايات التاريخية فى العصر العباسى بعد قرن من الرواية الشفهية فتلونت كتابة السيرة النبوية بمفاهيم القوة و السيطرة والجبروت الذى كان سمة العصر العباسى الامبراطورى . على أن هذا لايعنى تكذيب التاريخ كله كما لا يعنى أيضا اعتباره منزها عن الكذب والاختلاق. ولهذا توجد مهنة البحث التاريخى والتخصص العلمى فيه والذى أصبح الآن فى عصر الجهل العظيم – يا طويل العمر – ميدانا للباعة السريحة وبعضهم – مع الأسف – يحمل لقب دكتور..!!
وصل تطبيق المسلمين لأوامر الاسلام الى درجة التناقض فى العصر العباسى وهوعصرالتدوين للحضارة العربية الاسلامية وتراثها .ومن الطبيعى ان يتم هذا التدوين مواكبا لمتطلبات الامبراطورية العباسية واحتياجاتها لتبرير وتسويغ حركتها السياسية بغطاء اسلامى مزيف .
القرآن يتناقض مع حياة المسلمين فى العصر العباسى – عصر التدوين .
القرآن يحصر القتال فى رد العدوان فقط بينما قامت امبراطورية المسلمين منذ عهد أبى بكر على أساس الاعتداء على الذين لم يعتدوا عليهم. القرآن يعتبر الشورى ما نعرفه الان بالديمقراطية المباشرة وتشريعاته تعتبر الاستبداد شركا بالله تعالى ، وتؤكد على العدل وتعتبر الظلم شركا بالله تعالى وانتهاكا لحقوق البشر ، وهى تؤكد على حرية البشر المطلقة فى العقيدة والفكر والتدين وتعتبر مصادرة هذه الحرية اشراكا بالله تعالى وتدخلا فى تشريعه ، القرآن الكريم فى قصصه عن الانبياء يؤكد على عدم عصمتهم الا بالوحى الذى ينزل يلومهم ويوجههم ويصحح أخطاءهم ، ويؤكد على أن النبى محمدا مجرد تابع لملة ابراهيم ولا يصح تفضيله على الانبياء السابقين وأنه
لا يشفع ولا ينفع أحدا ولا يعلم الغيب ، وان معظم الصحابة لم يكونوا من السابقين بل كانوا من الاصناف الأخرى وقد تطابقت أفعالهم بعد النبى مع ماذكره القرآن عنهم اذ اختلفوا واقتتلوا وأسسوا الملك المستبد الذى يناقض الاسلام ..
كيف يتم الجمع بين النقيضين : القرآن ومتطلبات العصر العباسى الذى كان حكما كهنوتيا مستبدا ظالما طاغيا ولكن يتحجج بالدين لكى يعطى نفسه مشروعية دينية ؟
كان الحل هو فى اعتقال القرآن وحجزه بين دفتى المصحف مجرد نصوص لا يعمل بها أحد ، فى الوقت الذى يتم العمل بتأويلاتهم لآيات القرآن الكريم وتفسيراتهم له ، ولم يكتفوا بذلك بل أسسوا لهم مصدرا جعلوه مقدسا بالزيف والتزوير عن طريق نسبته للنبى ولآله أو للنبى وأصحابه ، وهو ما يعرف بالأحاديث والسنن ، لم يكتفوا أيضا بذلك ، عجزوا عن النيل من نصوص القرآن – من آياته وسوره المرقمة المحددة المحفوظة بعناية الله تعالى الى يوم الدين – فحكموا بالحذف المعنوى لما لا يرضون عنه من تشريعات القرآن تحت مصطلح النسخ ، مع أن النسخ فى اللغة العربية وفى مصطلحات القرآن يعنى الاثبات والكتابة وليس الحذف أو الألغاء ، لم يكتفوا أيضا بذلك بل أقاموا علوما ملفقة اسموها القراءات وعلوم القرآن. واذا قرات " الاتقان فى علوم القرآن " للباقلانى أو السيوطى وصدقت الافتراءات التى فيهما خرجت معتقدا بأن معظم السور القرآنية اكاذيب . هل هناك عداء للقرآن أكثر من ذلك ؟؟
هذا العداء توارثناه عن العصر العباسى الذى أنجب أئمة الفقه والحديث والتفسير والتأريخ والفرق – جمع فرقة – الاسلامية وعلم الكلام أو التوحيد أو العقائد . هذا التراث العباسى لم يستطع حذف آيات القرآن الكريم ، لم يستطع تحريف آياته وسوره لأن الله تعالى سخرهم هم لحفظ القرآن فى المصحف ، وسمح لهم بافتراء الأحاديث والأكاذيب خارج المصحف ، وأخبر الله جل وعلا أنهم أعداء الانبياء الذين سيكتبون الوحى الشيطانى الضال المناقض لوحى الله تعالى فى كتابه الكريم ( الأنعام 112 الى 117) ( الفرقان 30 -31 ) ( الحج 51 الى 54 )
لا زلنا نحمل التقديس لأئمة العصر العباسى وللصحابة ونعتبرهم جميعا منزهين عن الخطأ أى فوق مستوى البشر، والدليل هو هذا الغضب الذى يواجه أى باحث يقوم بنقدهم وكشف عيوبهم. الثوابت – التى نشأنا عليها وما وجدنا عليه آباءنا- تؤكد انهم معصومون من الخطأ ، أى – بصريح العبارة – آلهة، لأن الله وحده هو الذى لا يخطىء ويقال له جل وعلا " سبحان ألله" . والغريب انه كلما ازداد احدهم فى عدائه للقرآن ازداد تعظيمه عندنا لأن تديننا العملى الفعلى ـ أو ما نسميه بالثوابت ـ مصدرها أولئك الأئمة ، وسندها الأعلى بالسند والعنعنة الى الصحابة .
اكثر الصحابة كذبا وأكثرهم عرضة للاتهام بالكذب – حتى فى كتب التراث نفسها – هو أبو هريرة ، الذى أسلم متأخرا وعاش فى المدينة فى عصر النبى على الهامش ثم تركها الى البحرين فى حياة النبى ورجع للمدينة بعد موته . الا انه عاش طويلا مشايعا للامويين يصنع الأحاديث لهم فأصبح أشهر الرواة من الصحابة ومن أكثرهم منزلة وتقديسا . وهو الذى يزعم ان وحيا آخر غير القرآن نزل على النبى محمد فاختص به أبا هريرة وحده ليأتمنه عليه ، ويزعم السيد أبو هريرة أنه لو تكلم بهذا الوحى وأفشاه لانقطع منه البلعوم !! ولخشيته على بلعومه الغالى كتم هذا الوحى وحرم المسلمين من نصف دينهم !! وطبقا لهذا الخبل فان الاسلام لم يكتمل والقرآن الكريم لم يتم ,وآية " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام دينا " تكون كاذبة وفقا لحديث أبى هريرة وبلعومه ؟ وعليه فاما أن تحذف آية " اليوم أكملت لكم دينكم " أو أن تحذف رواية أبى هريرة البلعومية. لكن .. يا نهار اسود ؟ كيف تحذف رواية أبى هريرة وهى موجودة فى البخارى.. وهو أكثر تقديسا عند المسلمين من القرآن نفسه ؟؟
الخلاصة - يا طويل العمر- أن المسلمون ارتكبوا فى تاريخهم وتراثهم كل عداء ممكن للقرآن ما عدا شىء واحد هو المحافظة على آيات القرآن الكريمة بنصها وفصها محفوظة فى المصحف. والسبب ان الله تعالى هو الذى تولى حفظه وأرغمهم على ذلك ، فكانوا بقدرة الله تعالى حافظين له فى المصحف بينما كانوا بأفعالهم وتراثهم كارهين للنص القرآنى المحفوظ فى المصحف .

سادسا : لنفترض جدلا أو جهلا – يا طويل العمر - ان الله تعالى لم يحفظ القرآن وتركه عرضة لكل ذلك العداء قبل العصر العباسى وبعده .. هل كان القرآن سيصل الينا بصورته الحالية النقية المناقضة لكل معتقدات المسلمين وتراثهم وتاريخهم ؟ هل كان سيصل الينا بنفس مصطلحاته ومفاهيمة الخاصة المخالفة والمناقضة لمصطلحات المسلمين فى الفقه والعقائد والأصول والفروع ؟ بالطبع هذا القرآن الذى بين أيدينا الآن لن يكون هونفسه اذا كان حفظه ومسئولية رعايته فى أيدى المسلمين خاضعا فى كتابته وحفظه لأهوائهم ونزواتهم وصراعاتهم الدينية والمذهبية والسياسية ، سيكون عرضة للتبديل والتغيير والتحريف والحذف والاضافة والاختلاف من عصر أبى هريرة الى عصر مجمع البحوث الاسلامية والأزهر الشريف جدا . جدا...
لو أوكل الله تعالى للبشر حفظ كتابه العزيز – آخر كتاب سماوى للبشروالى قيام الساعة – لضاع الأصل القرآنى الالهى ولحل محله عدة " قرآنات " مختلفة منسوبة لبعض الصحابة وبعض
الأئمة، وكل طائفة من المسلمين يصبح لديها " قرآنها الخاص " الذى تضع فيه عقائدها وشريعتها .
ولكن – والحق يقال - هذا الخلاف بينهم لن يمنع من اشتراكهم فى خصائص موحدة كالآتى :
كل ما الغوه من أحكام قرآنية بدعوى النسخ سيتم حذفها فعلا من القرآن الكريم ، كل ما زعموا أن النبى قد قاله وكل ما نسبوه كذبا وزورا لله تعالى تحت اسم الحديث القدسى سيتم كتابته فى قرآناتهم المزيفة، سيحذفون – على سبيل المثال - كل ما قاله القرآن الكريم فى نفى شفاعة النبى محمد (150 آية ) وفى نفى عصمته (150 آية قرآنية ) وفى نفى علمه بالغيب ( حوالى 30 آية قرآنية ) ونفى تفضيله على الانبياء السابقين ( 33 آية قرآنية ) وسيحل محلها احاديث الشفاعة والعصمة والتأليه والتفضيل والحياة فى قبره والحج اليه والتبرك بقبره وعلمه بالغيب ..
قيم الاسلام وحقوق الانسان فى القرآن سيتم حذف آياتها واحلال أحاديث دموية محلها . تشريعات القتال الدفاعى للمشركين – مصطلح الشرك والكفر فى القرآن يعنى فى التعامل البشرى الذى يعتدى عليك ظالما – سيحل محلها قتال الناس جميعا حتى يدخلوا فى الاسلام . مئات الآيات القرآنية التى تؤكد حرية الفكر والعقيدة وترجىء الحكم لله تعالى فى الاختلاف العقيدى سيحذفونها ليحل محلها أحاديث مثل : " من بدل دينه فاقتلوه ". وسيتم التوسع فى القتل لمن لم يرتكب جريمة القتل ، فالزانى المحصن سيتم قتله ليس بأحاديث كاذبة و آيات مزورة مثل زعمهم " الشيخ