|
From : mossad_Hegazy@hotmail.com
Sent : Tuesday, June 14, 2005 7:33 AM
To :
arabtimesnewspaper@hotmail.com
منطق الصراع العربي – الإسرائيلي: النفط، الأحلاف،
والدولار ( 2 )
مسعد حجازى ـ تورونتو/ كنـدا
كاتب وصحفى مصرى – كندى
فى الحلقة الثانية من الدراسة التحليلية المتعمقة التى نشرها العالم والمفكر
الأمريكى توماس بوشارى فى نوفمبر عام 2000 يوضح الكاتب ورئيس تحرير مجلة الشئون
الدولية الشهرية كيف تحولت الولايات المتحدة الأمريكية من أكبر دولة دائنة إلى
أكبر دولة مدينة فى العالم، وكيف أن الولايات المتحدة هى التى شجعت منظمة الدول
المصدرة للبترول المعروفة باسم الـ" اوبيك" على زيادة أسعار البترول إلى أربعة
أضعاف فى أعقاب حرب أكتوبر وحظر البترول فى عام 1973، وكيف أن الولايات المتحدة
فى عهد إدارة الرئيس نيكسون ووزير خارجيته دكتور هنرى كيسينجر قد قامت بتسليح
إيران تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوى بترسانة هائلة من الأسلحة الباهظة التكاليف
من عائدات النفط العربى!!
فى هذه الحلقة أيضا يشرح المفكر الأمريكى فى معرض حديثه عن منطق الصراع العربى
– الإسرائيلى لماذا تؤيد الولايات المتحدة الأمريكية إسرائيل دون قيد أو شرط.
منطق الصراع العربى – الإسرائيلى
النفط والأحلاف والدولار
كاليفورنيا – نوفمبر 2000
( الحلقة الثانية )
((منظمة الأوبيك ومنذ بداية عام 1999 أصبحت ولأول مرة، منذ تأسيسها قبل 40
عاماً، اتحاداً حقيقياً للمنتجين يمتلك قوة فاعلة. هنالك الآن مفهوم أخذ ينمو
ويتعمق بأن على العرب وإيران، المنتجين الرئيسيين في المنظمة، أن يعملوا معاً
لحماية ثرواتهم. وكانت النتيجة لذلك الاتحاد والتضامن الذي لا مثيل له واضحة:
فسعر النفط الخام تضاعف لأكثر من ثلاث مرات في أقل من سنتين. العالم العربي
والإسلامي اخذ يخرج الآن من حالة اليأس الروحية والاقتصادية الطويلة. بإثارة
الصراع في الشرق الأوسط فان الحكومة الأمريكية يمكنها أن تحاول إعادة إحياء
الظروف التي كانت متوافرة أيام الحرب الباردة: حيث يجب حماية النفط وأسعاره
الرخيصة وضمان مروره من خلال الخليج إلى المحيط الهندي. كل هذا من الممكن
توفيره بواسطة الولايات المتحدة.
الأحلاف العسكرية التي كانت لها مع الأوروبيين ومع عرب الخليج وكوريا الجنوبية
واليابان.
فقبل عقد من الزمان وعندما سقط حائط برلين وتمزق الاتحاد السوفييتي إلى دويلات،
كان هناك فرح وسرور في واشنطن وبدا انه لم يكن هناك ما يقف أمام السيطرة
الأمريكية على العالم. فالقوة الاقتصادية والمالية للولايات المتحدة ستتدعم
بواسطة تفوقها العسكري الذي لا يقهر في كل ركن من أركان المعمورة، لكن السيطرة
على العالم بقوتها العسكرية يتطلب موافقة شركائها على السيطرة الأمريكية في
الشؤون الدولية، وفي مؤسسات برايتون وودز وفي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي
بالإضافة إلى الأمم المتحدة.
إن ذلك أمر غير واقعي، فبينما أن الناتج الأمريكي في الاقتصاد العالمي يرتبط
بشكل طبيعي في علاقته مع نمو القدرة الاقتصادية لأوروبا وآسيا فان الخبراء
الاستراتيجيين في واشنطن سيجدون صعوبة متزايدة في إخافة أو حتى تهديد الأمم
الأخرى حول العالم. الأحلاف العسكرية ستخضع للتفحص الدقيق الآخذ في التنامي.
واستراتيجية القوات المسلحة الأمريكية " التواجد المتقدم " فإنها على الأرجح قد
تلقى الرفض بسبب عجزها. إن الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا وآسيا سيبدو،
وكما ينمو الاقتصاد العالمي والذي هو فعلاً كذلك، نتاجاً منطقياً للحرب
العالمية الثانية وكرد فعل ذكي للغزو السوفييتي والحرب الباردة، فهناك أحلاف
جديدة الآن آخذة في التكوين، وبإثارة الصراع في الشرق الأوسط فان الحكومة
الأمريكية يمكن أن تحاول إعادة إحياء الظروف التي كانت ملائمة إبان الحرب
الباردة: حيث الأمم التي نمت معتمدة على " الحماية " العسكرية الأمريكية، قد
بدأت أعادة النظر في مصالحها في البقاء مستقلة عن تلك العلاقة الأمنية ، وتختار
الحفاظ على أحلاف عسكرية مناسبة ( ورخيصة ) مع واشنطن. إن أمن العالم يجب أن
يضمن، ويمكن تحقيق ذلك عن طريق القوة العالمية للولايات المتحدة.
موقف الدولار كاحتياطي للعالم من العملة.
غالبية الاقتصاديين الدوليين ظلوا مندهشين خلال العقد الأخير من مرونة الدولار
وقوته، حيث أن من المؤكد بأن صندوق النقد الدولي قد تنبأ، وبصورة خاطئة
ومتكررة، بنمو أقل وضعيف للدولار وللاقتصاد الأمريكي. وحديثاً وصف الكاتب
الأمريكي روبرت جيلبن، والذي تلقى كتاباته وتحليلاته احتراماً على مستوى
المصارف المركزية، وصف الاقتصاد الأمريكي بالآتي:
" خلال الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين وصل العجز التجاري وميزان
المدفوعات الأمريكي أعلى معدلاته القياسية. فمنذ أوائل الثمانينات استدان
الأميركيون حوالي 5 ترليون دولار من عدد من الدول المقرضة وخاصة اليابان، وذلك
لتمويل استهلاكهم واستثماراتهم. وفي منتصف الثمانينات تحولت الولايات المتحدة
من مكانتها التي كانت عليها عقب الحرب العالمية الأولى كأكبر دولة مقرضة في
العالم لتصبح أكثر دولة مدينة. فإذا استثنينا الاستثمارات الأمريكية فيما وراء
البحار فان إجمالي الديون الأمريكية الدولية في نهاية التسعينات من القرن
العشرين وصلت إلى ما يقارب 1 تريليون دولار، وكنتيجة لذلك فان جزءا معقولاً من
الميزانية الفيدرالية يجب أن يوجه لتسديد فوائد ذلك الدين الضخم والمستمرة في
الزيادة. "
إن تبعات ذلك السلوك واضحة ـ وفرة من الدولارات على نطاق العالم. في منتصف
التسعينات بدأ انخفاض حاد ومتوقع للدولار الأمريكي، لكنه عاد وانتعش بعد سنوات
قليلة، أما تجارتها الدولية فقد أصبحت متقلبة أكثر فأكثر منذ ذلك الحين، وما
زال الأمريكيون يمولون بكفاءة حفلات السمر الاقتصادية والمالية. وحتى الآن لم
يظهروا أي نوع من التراجع عن تلك التصرفات الطائشة المتهورة. ويقدر الاقتصاديون
أن العجز سيصل هذا العام إلى ما يفوق 440 بليون دولار. لكن اقتصاد العالم يختلف
اليوم كثيراً مقارنة بعقد مضى من الزمان أو أكثر، فعملة اليورو ورغم التشكيك
فيها من قبل الولايات المتحدة فإنها تظهر الآن كعملة قوية رغم فقدانها لأكثر من
30% من قوتها في مقابل الدولار منذ أن بدا العمل بها في يناير من عام 1999.
إنها ليست علامة على ضعف اليورو بقدر ما أنها مؤشر على أن المؤسسات الأوروبية
والمتعددة ترغب في اختراق الأسواق الكبيرة الناشئة.
الآسيويون أيضاً وفي مقدمتهم اليابان، أخذوا يتحدثون عن خططهم للاستقلال
الاقتصادي والمالي. انهم يريدون إقامة صندوق نقد آسيوي. وقد حازت تلك الفكرة
على الكثير من الغضب في واشنطن، ورغم ذلك فان المسؤولين في المنطقة يرغبون في
المضي قدماً في هذا المشروع. حرص الشريكين الاقتصاديين والماليين لأمريكا وهما
أوروبا وآسيا على المحافظة على مناطق نفوذهما وقوتهما. ويشكل هذا تحدياً
اقتصادياً للولايات المتحدة على المدى البعيد، وخطراً حقيقياً على سيطرة
الدولار على الاقتصاد العالمي وعلى الدولار نفسه كعملة احتياطية، كما قد يؤثر
ذلك على تجارة النفط العالمية والتي تتم بالدولار.
باثارتها الصراع في الشرق الأوسط، فان الحكومة الأمريكية يمكنها خلق حالة
مشابهة لفترة الحرب الباردة، حيث يستعيد الدولار " ملاذه الآمن " كرأسمال
للعالم يهرب ليحتمي بنصف الكرة الغربي المنعزل كلما لاحت أزمة أو حالة من عدم
الاستقرار. ان هذه الميزة هي أعظم ثروات أمريكا عزلتها الجغرافية من عنف
واضطرابات العالم.
لماذا ارتفعت أسعار النفط في الشهور الأولى من عام 1999 من حوالي 10 دولار
للبرميل الى السعر الحالي والذي يزيد عن 30 دولاراً للبرميل الواحد؟
هنالك ثلاثة تطورات حدثت خلال الثلاثة عقود الأخيرة، ثلاثة تطورات أطلقت العنان
وحررت الطاقات الابداعية والروح الايجابية للانسانية، جمعت بلايين البشر حول
العالم ليدركوا أن جهدهم واسهامهم في حقل المعرفة هو أمر هام جداً، بل هو
بالتأكيد أساسي ولا غنى عنه. تلك التطورات والتي تعود بالذاكرة الى الوراء هى
المسئولة عما عرف بعصر جديد من " اقتصاديات الطاقة " والتي انطلقت فجأة وبعنف
وذلك في الشهور الأولى من عام 1999. هذا العصر الجديد هو الذي سوف يسيطر دون شك
على القرن الحادي والعشرين. حيث لا أحد يريد ان يعترف بالحقيقة القبيحة، فنحن
ندخل مرحلة سوف تعرف بـ " أزمات الطاقة " وتتميز بظهور الندرة في النشاط
الاقتصادي وما سيتبع تلك الندرة من ارتفاع الأسعار.
ان أثرياء العالم أو البليون مواطن غربي، وهم سكان 29 بلد عضو في منظمة التعاون
الاقتصادي والتنمية، والذين تسمح لهم دخولهم العالية بالقدرة على استهلاك كميات
كبيرة من البترول ودفع أسعار عالية لتلك الطاقة، يشاركون العالم الآن، والذي
يتطور صناعياً بسرعة، في عدد سكانه البالغ 5 بلايين نفس، سيكون غالبيتهم
مستهلكين للبترول خلال العقود القادمة. هؤلاء البلايين من المستهلكين الجدد
للطاقة لن يكون في مقدورهم بالطبع أن يدفعوا الأسعار العالية التي يدفعها
الغربيون ثمناً للبترول. ان ما يعد أمراً غير واضح هو لماذا أخذت منظمة الأوبيك
كل هذا الوقت الطويل لاكتشاف هذه الحقيقة ولاتخاذ قرار حازم لاستغلال ما لديها
من طاقة اقتصادية تزداد كل يوم نمواً وأهمية؟.
ان العالم يتغير بسرعة مرعبة وبتطرف. وقد بدأت هذه التغييرات مع نهاية حرب
فيتنام في عام 1975، وأكتسبت زخماً جديداً في بداية الثمانينات عندما رفض
الزعيم الصيني دينج زياو بينج الشيوعية وأعتنق بكل سرور الرأسمالية. أما التطور
الأخير فقد حدث في عام 1989 عندما رفض الأوروبيون والروس في شرقي القارة السجن
والبؤس الذي تعيشه الامبراطورية السوفيتية وعبروا عن رغبتهم القوية في الحرية
والرخاء. ثلاث أزمات رئيسية انتهت ( الشيوعية هى بالضرورة شكل من أشكال الأزمات
المدنية ) وجلبت السلام والتنمية الاقتصادية.
ان انتهاء تلك الأزمات قد قدم لبلايين البشر على كوكب الأرض العالم الذي
يتمنونه بشدة وسيحاربون من أجله، عالم ذو اقتصاد صناعي متطور بسرعة،عالم يجدون
فيه الاحترام والكرامة للانسان، ويجدوا فيه الحرية لرفع مستوى معيشتهم.
في أوائل السبعينات استهلك الغرب أكثر من 75% من بترول العالم. وتستهلك الدول
الفقيرة، والتي يطلق عليها الاقتصاديون الدول النامية، حوالي 40% من انتاج
العالم. التصنيع في آسيا استهلاكه من الطاقة يبلغ متوسطه السنوي أكثرمن7%. ان
الذي حدث للاقتصاد العالمي في العقدين الأخيرين ربما يعتبر واحداً من أكثر
الأحداث العميقة جداً في تاريخ الانسانية، ومازال الباحثون الاقتصاديون في
صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يجاهدون من أجل الامساك بمعناه وأهميته.
فهناك انتقال كبير للثروة قد أخذ يحدث. ففي العقد الماضي كان ناتج الاقتصاد
العالمي قد تحول من الغرب الى الشرق، الى الصين وباقي اقاليم آسيا. ويتوقع أن
تنضم الهند قريباً الى التصنيع. وقد تحولت البراعة التصنيعية للولايات المتحدة
وأوروبا الى آسيا تلك القارة الهائلة السكان، وهذه العملية الضخمة لا زالت
مستمرة. هناك تأثيران لهذه العملية غير العادية، حيث تعزز أولاً مردود الاقتصاد
العالمي وزادت انتاجيته بسبب الأيدي العاملة الرخيصة، وذلك كما في مستويات
المعيشة للغربيين، وثانياً ان اقتصاديات الغرب، وهى أقدم الاقتصاديات
التصنيعية، قد بدات تفقد الى حد بعيد قدراتها التصنيعية، وبدأت تقلل بالتالي من
اعتمادها على البترول. وهذا ما يشرح حالة الرضا التي يعيشها الغرب وما يتمنونه،
وقد ظل ذلك الشعور حياً حتى الشهور الأولى من عام 1999.
ان هذا قد يبدو أمراً مزعجاً بل مخيفاً، لكننا في الواقع ندخل هذا العصر الجديد
بالعديد من التحذيرات من الماضي. وهذه تعد بحق هى المرحلة الرئيسية الثانية
فيما يمكن أن نصفه بمراحل التعقيدات المتعددة والتي ربما تكون هى أكثر عنفاً
لأزمات متلاحقة. وقد تحدث صدام حسين في سبتمبر من عام 2000 بكل فظاظة عن
المشكلة قائلاً :
" ان الدول العظمى ستشدد من قبضتها على الدول المنتجة للنفط، حيث ان ما
يحتاجونه من نفط أخذ ينذرهم بالخطر، مما يعني أنهم قلقون بشأن كميات النفط
الموجودة في العالم ".
ان المرحلة الأولى من هذه المشكلة بدأت مع اقتناع ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر
والزعماء الأسرائيليين في أوائل السبعينات، بان ايران يمكن أن تصبح، تحت سيطرة
الدكتاتور الشاه، عميلاً لأمريكا في الشرق الأوسط. وكانوا يرون بأنها من الممكن
أن تنمو لتسيطر على الشرق الأوسط عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، كما يمكن أن
تكون حليفاً مهماً لأسرائيل. ولتنفيذ هذا الدور الطموح، فان ايران ستحتاج
لمكافاتها على ذلك بزيادة دخلها اضافة على ما لديها من احتياطي هائل من النفط،
لذا فقد عمل نيكسون وكيسنجر، بشدة وفي سرية تامة، لحث دول الأوبيك على زيادة
أسعارها أربعة أضعاف أسعار عام 1973. وبقيادة ايران يصبح العرب والمسلمون "
غربيين " بشكل كامل ودائم، ويصبح الربح العائد وغير المتوقع من ارتفاع أسعار
النفط هو الوسيلة التي يمكن بواسطتها اخضاع هذه المنطقة ذات القيمة العالية من
العالم. وقد صرح في عام 1983 مانع سعيد العتيبة، وزير النفط في دولة الامارات
العربية المتحدة حينها لصحيفة النيويورك تايمز، بأن ادارة الرئيس نيكسون هى
التي شجعت الأوبيك على زيادة الأسعار لأربعة أضعاف في عام 1973.
ان استراتيجية تسليح الشاه بأموال طائلة من عائدات النفط وبترسانة من الأسلحة
الباهظة التكلفة في عام 1979، قد أثبتت أنها سياسة غبية بشكل مطلق، وذلك عندما
قام الطلاب الايرانيون باسقاط الحكومة الايرانية المسنودة بالتمويل والتعذيب
الأمريكي. ان الاسلام هو الذي خلق هذه الثورة والاسلام هو الذي سيحيي من جديد
كبرياء واستقلال الفرس. وهنا استيقظت شعوب الخليج على القوة التي تكمن تحت
أقدامهم، والتي يمكن أن تكون لهم بمثابة المنجنيق والحافز لوحدة اقتصادية
وسياسية للمسلمين.
المرحلة الثانية جرت في الشهور الأولى من عام 1999. لقد مرت ثلاثة عقود من
الزمن والآن بدأ السنة والشيعة في الخليج، وهم المنتجون الرئيسيون للنفط،
يكتشفون قوتهم الهائلة. لقد بدأوا العمل معاً من أجل التوحد في كتلة واحدة
تستطيع أن تتحدى سيطرة الغرب الغني، كما شرعوا الآن في عملية المطالبة بثرواتهم
الطبيعية والتي يصبح الاقتصاد العالمي بدونها مشلولاً ولا حول له ( لأعضاء
الأوبيك 77% من الاحتياطي العالمي من النفط ). فأطلقوا وبكل حماس في يناير 1999
برنامجهم للتجديد، وبدأوا في خفض صغير لكنه مركز لانتاجهم. وهكذا استطاعوا رفع
سعر النفط الخام من أدنى حد له وهو 10 دولار للبرميل الواحد. وقد أيدوا كل ما
من شأنه المحافظة على التزامهم العمل من أجل حقهم في الدخول في الاقتصاد
الصناعي العالمي المزدهر، حيث لم يحدث الا نادراً أي حالات غش أو تجاوز لحصة
الدولة من الانتاج. وقد استطاعوا اقناع المكسيك وسلطنة عمان وروسيا والنرويج
على المشاركة معهم. وهكذا بدأ انتقال عالمي لتلك الثروة الضخمة يأخذ مكانه.
ذكر لي محلل سياسي كبير ومسؤول في الحكومة الأمريكية ومن الذين يلتقون بصورة
منتظمة بوزراء نفط الأوبيك, أن كتاباتي ودراساتي قد لعبت دوراً في حدوث مثل ذلك
الانتقال، مضيفاً بأنني السبب في الهام الدول الأعضاء في الأوبيك ليعملوا معاً
لجعل تجمعهم يعمل بكفاءة. لقد وزعت في جميع انحاء العالم مقالتي انتقام العرب:
صدام حسين، البترول كرأسمال وعملية السلام " في نوفمبر 1998. وقد نشرت تحت
عنوان العرب وأقدارهم وذلك في يناير 1999.
ان المعرفة يمكن أن تكون مؤثرة جداً. ليتوافق والتضخم فان 30 دولاراً للبرميل
لا يعد سعراً عالياً مقارنة بأوائل الثمانينات عندما بيع البرميل بـ40 دولاراً
بل وأكثر.
رغم محاولات السياسيين الأمريكيين رسم صورة من لا يغلب بسبب قوته وسلطانه، وأن
المستهلك له السيطرة وله الكلمة الأخيرة في العلاقة بين المستهلك والمنتج، الا
ان ما صرح به صدام حسين والذي سبق ذكره لايمكن انكاره وتجاهله. ففي منتصف عام
1998 صرح " فرانكو بيرنابي "، المدير التنفيذي لشركة النفط الايطالية وكبير
الاقتصاديين السابق لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لمجلة فوربس:
" ان مقدار الاكتشافات النفطية الجديدة في العالم قد انخفضت من 41 بليون برميل
في العام في سنة 1962 الى 5 بليون برميل فقط في العام حالياً... انني اتنبأ
بانه بين عام 2000 وعام 2005 سيصل العالم الى ذروة انتاجه من الحقول المعروفة
اليوم وبعدها سيأخذ الانتاج في التناقص... وهذا بدوره سينقل القوة في سوق النفط
الى منطقة الخليج".
لماذا تؤيد حكومة الولايات المتحدة اسرائيل دون قيد أو شرط ؟
ان ما ظل يوصف طيلة عقود مضت من السنين بواسطة المؤرخين والباحثين الغربيين
بالمصالح الحيوية للأمة، كمسعى لسياسة واقعية، هو ليس اكثر من ملاحظة لمصلحة
ذاتية، أو هو تفسير لما هى الثروات التي يجب على الأمة أن تحافظ عليها باي ثمن
وتقوم باستغلالها. ان هذا قرار استبدادي بنى على تحليلات غير دقيقة ولا يعول
عليها كثيراً عن عالم شديد التعقيد والغموض، وفي تحرك مستمر.
في تلك الأيام المثيرة التي أعقبت الانتصار الأمريكي على القوى الفاشية قبل نحو
نصف قرن من الزمان، اتخذ القادة الأمريكيين قراراً مشؤوماً، رغم أنهم كانوا
مقتنعين رغم كل الشكوك المقنعة أن ذلك القرار كان حكيماً وعاقلاً، وأن ذلك
سيثبت في المستقبل أثره المكلف. أنه قرار اتخذ بناءاً على وجهة نظرهم وتفسيرهم
للتاريخ وللعالم. وبعد جدل متعجل بين الرئيس هاري ترومان ومستشاريه، قرروا
بعدها وضع كل القوة الكبيرة خلف الدولة الشابة دولة اسرائيل، واضعين بذلك في
خطر علاقاتهم مع عدد كبير من الدول العربية في الشرق الأوسط. قد يعتقد البعض
بأن الولايات المتحدة الأمريكية قد تم اكتشافها قبل قرنين من الزمان بروح
المثالية والثورة، غير أنه كان خلف تلك البلاغة الملهمة روح براجماتية صلبة
وباردة. بالطبع لقد عمل المستعمرون في نيوانجلند نحو الحرية، لكن الدافع الأكبر
لثورتهم كان هو المال، الاقتصاد والتمويل وتدفق النقد، أكثر مما كانوا يدعونه
ثورة من أجل حكومة العدل وحكم القانون.
لقد كان الأمريكيون دائماً، ومازالوا بالطبع، يرغبون أساساً في امتلاك الثروة
والقوة ورأس المال. ان التأييد غير المشروط الذي أعطى لأسرائيل منذ عام 1948،
رغم آمال وأماني اليهود الأمريكيين، قد بنى على الاقتصاد، على افتراض أن ذلك
التأييد ـ أو ذلك الاستثمار المالي ـ سيؤدي في بعض المراحل الى تقسيم صحي. ان
السؤال الذي يظل دون اجابة، رغم أننا ظللنا نسمع نقاشاً مستمراً يشدد على نبل
اسرائيل ومواصفاتها الملهمة، هو ما اذا كانت الاعتبارات الأخلاقية قد لعبت
أبداً أى دور حقيقي أو ذو قيمة في قرار أمريكا بتاييد اسرائيل دون قيد او شرط.
لقد قدم الكونجرس الأمريكي لاسرائيل في خلال 52 سنة الأخيرة، والتي يبلغ عدد
سكانها حالياً حوالي 4.8 مليون يهودي، حوالي 92 بليون دولار من المساعدات
الأجنبية. ريتشارد كيرتس، أحد كبار الدبلوماسيين الأمريكيين الذين قضوا معظم
حياتهم العملية في الشرق الأوسط، صرح مؤخراً قائلاً " أن هذا المبلغ يعتبر أكثر
مما قدمته الولايات المتحدة لكل أقطار شبه الصحراء في افريقيا ولأمريكا
اللاتينية والكاريبي مجتمعة حتى منتصف عام 1999 بعدد سكان يبلغ بليون و 142
مليون نسمة ". ان مبلغ 92 بليون دولار هو استثمار ومن المتوقع أن يأتي بفوائد
اقتصادية ومالية.
ان الزعماء الأمريكيين يدركون أن تأييدهم غير المشروط لإسرائيل هو جزء من "
مصالحهم الحيوية ". هنالك أربعة أسباب واضحة ولا يمكن انكارها توضح لماذا ظل
هذا التأييد والدعم مستمراً وبكرم طيلة خمسة عقود من الزمان، وبينما يمكن أن
يخلق هذا صورة مأساوية ومحزنة، فاننا يجب مع ذلك أن نتذكر أو نستعيد المظاهر
المؤسفة والتي لا يمكن انكارها على حالة الانسان. فقط في الادراك المتأخر هل
نرى المنطق ـ وبحماقة ـ عن سلوك الأمم؛ فقط بالتحليل الهاديء هل نقدر امتداد
دهشتنا، وقابليتنا لارتكاب الأخطاء، عدم وعينا وغباءنا. ربما ليس من المستحسن
أو حتى المدهش، أن يؤيد القادة الأمريكيون ومعهم نخبة الأمة ودون قيد أو شرط
اسرائيل لهذه الأسباب:
الأمريكان يؤمنون بتفوقهم، وأن باقي العالم قد وقعوا ضحايا لعدم الخبرة، الجهل،
والتعصب الأعمى، والعنصرية، والفساد. فبينما يحمي المحيطان الهادي والأطلنطي
الولايات المتحدة ويوفرا لمواطنيها ملاذاً مادياً ومعنوياً بعيداً عن العنف
والكراهية في العالم، فان هذين المحيطين قد بنيا حاجزاً من الوهم غير الواقعي
عن أنفسهم. ان النخبة الأمريكية تؤمن بأن رد فعلها قد تم توجيهه بالعدل
وبالمعلومات الاستخبارية الدقيقة. ان الحقيقة في الواقع مزعجة، فعلى الرغم من
ثروتهم وقوتهم فان القادة الأمريكيين هم الأقل في العالم خبرة، وهم جهلاء،
متعصبون، عنصريون وفاسدون.
الأمريكيون يؤمنون باكتشافاتهم ودعاياتهم هم فقط حول كيف يعمل العالم وكيف
يتحرك. ويعود هذا دون شك الى النجاح العظيم والرفاهية التي استمتع بها
الأمريكيون خلال القرن العشرين، وانتصاراتهم في كلا الحربين الأولى والثانية
وفي الحرب الطويلة الباردة، وكذلك دعمهم الثابت للرأسمالية العالمية والحرية.
لقد صمدوا في وجه المحن العظيمة وتغلبوا عليها، وأدت ثقتهم الى أن تحدث أو تنتج
نظريات جديدة وقوية حول كيف يعمل العالم ويتحرك. ان تلك النظريات لم تختبر
وبنيت على الأماني لذلك كانت غير ذات علاقة بالموضوع. ان الشئ الهام والحرج أن
تلك النظريات قد جرى تصديقها والايمان بها. وفي النهاية فان العالم قد تكيف
وفقاً لتلك الأفكار. ان الأمريكيين قد آمنوا بأنهم قد تمكنوا من " تغريب "
العرب والمسلمين في الشرق الأوسط، ورغم الحقيقة والواقع ـ رغم الواقع على الأرض
في الركن الجنوبي الغربي من آسيا ـ فان هناك ايمان عميق وعنيد في واشنطن
ونيويورك بأنها لم تعد سوى مسألة وقت قبل أن تكتسح القيم والعادات وأساليب
الحياة الغربية بنية المجتمع " الأقطاعي " للعرب والمسلمين. وبهذا المعنى فان
الاسلام كدين ومعتقد سوف يتفسخ وقريباً فان الغرب بقيادة الولايات المتحدة سوف
يسود العالم.
الأمريكيون يؤمنون بالقدرة الفطرية وبالمخابرات، وبكفاءة وشجاعة اليهود
الأشكانيزم، أو اليهود الذين جاءوا من أوروبا وروسيا. فمنذ ان قام القادة
الأمريكان بتشغيل فريق موهوب من العلماء والمهندسين اليهود الأوربيين المولد
لتصميم وبناء الأسلحة النووية في لوس ألاموس خلال أوائل الأربعينات من القرن
العشرين، فانه ومنذ ذلك الوقت أخذت المؤسسات الأمريكية في معرفة واحترام مدى
قيمة الاسهامات العلمية لليهود الأشكانيزم، ان اسهاماتهم لاشك مثيرة للأعجاب.
لقد لخص دينيس براجر وجوزيف ثيلوشكن، تلك الأسهامات والمنجزات حيث أشادا بجدارة
وأمتياز اليهودية في كتاب نشر عام 1983: " انه ليس شيئاً غريباً " ... ان
اليهود رغم أن عددهم أقل من 3 % من عدد السكان الأمريكيين، الا انهم حصلوا على
27 % من جائزة نوبل للعلماء الأمريكيين، فاليهود يمثلون في مجال الطب 231 %
بالنسبة لعدد السكان، وفي الفيزياء 478 % وفي طب الأسنان 299 % وفي القانون 265
% وفي الرياضيات 238 %. كما أن نسبة اليهود الأمريكيين الذين يدخلون الجامعات
تبلغ 2 الى 1 بالنسبة لغير اليهود، ويمثلون في كلية رابطة ايفي الجامعية أكثر
من 5 مرات نسبة عددهم وسط السكان.
كيف أصبحت الولايات المتحدة، التي خرجت من الحرب الباردة كقوى عالمية عظمى
ملتزمة بتعزيز الحرية والأزدهار الاقتصادي حول العالم، في أقل عقد من الزمن أمة
يستاء منها ويشتمها ويلعنها ملايين الفقراء والمضطهدين من الناس حول العالم ؟
بينما يود خبراء الاستراتيجية فى أمريكا ان يجعلوننا نؤمن بأن نهاية الحرب
الباردة قد جعلت الولايات المتحدة دولة عظمى وذات هيبة، وجعلتها الدولة العظمى
الوحيدة، وأسندت اليها مسؤوليات قليل من الدول العظمى عبر التاريخ تستسيغها
وتقبلها، فان الموقف الحقيقي هو بالأصح أو بالأحرى أكثر تحدياً.
ان النضال أو الصراع مع الاتحاد السوفييتي والذي حولت سياساته وسوء الادارة
الحياة الاقتصادية والسياسية للملايين الى حافة الفقر والعوز، كان شيئاً
ضرورياً ونبيلاً. ان هدف الشيوعية ـ وحتى الشكل الحديث منها وهو الاشتراكية ـ
يبدو أمراً مضحكاً، بل هو محاولة مجنونة لمعاقبة الانسانية لأنها انسانية. لقد
كان دائماً بالتأكيد شيئاً مضحكاً ومخبولاً، لكن هذا هو الواقع، ان الحقيقة
التي تقود الى المعاناة والبؤس، دائماً ما تفرض اجبارياً، دون النظر أو مهما
كانت الصعوبات: الشهداء يقعون والبؤس والشقاء يجب ان يتسامح معه.
وهكذا ومع الكثير من الفزع ـ والغضب ـ فان البلايين من الناس حول العالم، في
أمريكا اللاتينية،وفي افريقيا، وفي الشرق الأوسط وآسيا، أولئك الذين يعانون من
الدخول المتدنية ومن المادية أو القسوة المفرطة من حكومات القلة، ينظرون الى
السياسة الخارجية للولايات المتحدة. ما تم تحقيقه خلال الخمسة عقود الأخيرة
تحطم الآن تماماً، وتشتت الشعور الودي الذي كان الأمريكان يستخدمونه في
مفاوضاتهم مع الدول الأجنبية والقوى الأخرى.هذا الناتج المأساوي للحرب الباردة
كان يمكن أن يوقف؛ وكان بالتالي ذلك الفشل في استغلال تلك الفرص التي توفرت
بنهاية الحرب الباردة من الممكن تجنبه. ذلك التاريخ والذي تهيمن عليه أحداث لا
عقلانية وغريبة ليست مواساة أو مبرراً. ان السبب فى أن الولايات المتحدة تواجه
الآن باستياء ولعن الملايين من البشر في كل قارة يمكن أن يعبر عنه بكل بساطة في
أنه وعند انتهاء الحرب الباردة فان الخبراء الاستراتيجيين الأمريكان كانوا قد
فقدوا الشهية في التدخل في شؤون نصف الكرة الشرقية، تلك الأراضي الشاسعة والتي
تذخر بأغلبية الثروات الطبيعية القيمة في العالم. بالتاكيد ان هذه كانت باختصار
هى المشكلة: فرغم التكلفة العالية للحرب الباردة، ورغم ملايين الملايين من
الضحايا ـ غالبيتهم أبرياء ـ فانها كانت ذات قيمة ثمينة للمشروع الأمريكي
القائم على جمع وتكديس الثروة والقوة، وقد تم تحقيق ذلك دون تردد.
إن الحرب الباردة قد أعطت أمريكا استراتيجيتها، لقد كافأت الخبراء
الاستراتيجيين في واشنطن على مبادئهم الاقتصادية والعسكرية والسياسية وبالتأكيد
الدينية وعلى مشاركتهم في "الخدعة الكبرى" لأورآسيا. وبدون تلك الثوابت أو
الأسباب فان الطريق الذي يحتاجه الأمريكيون للوصول الى المصادر ـ النفط والغاز
والمعادن والأسواق ـ سوف لن يكون متوفراً، وحتى في حالة توفره فقد تكون التكلفة
عالية جداً. ان العقود الخمسة للحرب الباردة قد رسمت بالتأكيد ظلالاً قريبة
جداً من جنون الاضطهاد التي لا تحتمل، لكن يجب أن يكون الآن واضحاً أنه ومع
الأزمة وخلال الع |