From : s_sammour@hotmail.com
Sent : Sunday, July 17, 2005 7:43 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
 

بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الفتحاويين:المفتاح معكم
رسالة من :سري سمور/جنين/فلسطين



قد تبدو هذه الرسالة غريبة نوعا ما ،ذلك أنني لا أنتمي إليكم كحركة ولا أناصركم ،وهناك طرق أخرى يمكنني أن أتحدث معكم من خلالها؛لكن اعلموا أني اجتهدت وأنا مأجور بإذن الله فارتأيت أن أتوجه إليكم برسالة منشورة لا شفوية،وتذكروا أنني فلسطيني وفلسطين موجودة قبل فتح وقبل حماس وقبل الشعبية.

كونوا على يقين أنني لا أنتمي إلى أي تنظيم أو حزب،ليس انتقاصا من فكرة الانتماء والتحزب،ولكنني-على الأقل في هذه المرحلة- أرى أن وجودي خارج الملعب أفضل ذلك أن المراقب يرى الأمور بصورة أوضح أحيانا،ولأن الانتماء لتنظيم ما أو جماعة بعينها يعني الالتزام بكل آرائها حول مختلف القضايا وهذا ما لا يصبر العبد الفقير المشاغب عليه ،فقد أتبنى رؤية طرف ما بنسبة 99.9% وتكون الـ 0.1% هي الفارقة الموجبة-من وجهة نظري- إلى عدم الدخول تحت قبة هذا الطرف،وأعلمكم أيضا أن لي بينكم أصدقاء لهم معزة الأشقاء وأقارب وزملاء وجيران ،ولي بينكم من أكرهه كرها شديدا وبغضا أكيدا ،وللشهادة فإن من أكرههم لهم منزلة الكراهة عند كثير من القاعدة الفتحاوية ،وهم لا يشكلون نموذجا تفخرون به أو هكذا أسمع من بعضكم.

لم كل هذه المقدمة؟هذا تساؤل مشروع؛أجيب عليه بأنني أريد الإجابة سلفا عن أسئلة ،وقطع دابر فرضيات وتوقعات وتكهنات.

أما بعد،،،

أنا واثق أن ما يحدث لحركة فتح له تأثيراته المختلفة على الشارع الفلسطيني بأسره،من متحزبين أو مستقلين أو سواهم،وأن حركة فتح في المرحلة الحالية هي اللاعب الأهم ،انتفاضة الحجارة توقفت عندما انسحبتم منها،رغم أن من عارضوكم سعوا إلى محاولة الحفاظ على استمرارها،بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي في شباط 1994 ،كان الكل ينتظر ردا من حماس ،حتى داخل فتح كانت الأعين تتجه صوب حماس وردها،ردت حماس بقوة،ولكن رد حماس والجهاد الإسلامي وحربهما الضروس مع رابين وبيرس ونتنياهو طوال الفترة ما بين أيلول 1993 وحتى أيلول 2000 لم يأخذ في التصنيف التأريخي أو التقييمي طابع انتفاضة أو ثورة شعبية على الرغم من التداعيات والأحداث الكبيرة التي نعلمها،لماذا؟لأنكم كنتم خارج الدائرة،لن أتحدث عن حيثيات ودوافع خروجكم فهي معروفة لي ولكم ،المهم أن لا انتفاضة الحجر استمرت بدونكم ولا انتفاضة الأقصى كان من الممكن استمرارها سنين لولا انخراطكم،هذه حقيقة لا مجال لأي كان أن يشكك فيها،وللتأكيد على الفكرة:عندما كانت تحدث انتفاضة لسبب أو لآخر (النفق،أبو غنيم،الأسرى) كنتم أنتم من يحدد ساعة نهايتها عند انسحابكم وعودتكم إلى هدوئكم.

في بداية انتفاضة الأقصى بصمت بأصابعي العشرة-إذا جاز التعبير- على كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله لكم وهو يخاطبكم بعباراته الشهيرة وعنوانها البارز:"أنتم أولا" ،هذا النداء الذي واصلت قناة المنار التابعة للحزب بثه لفترة طويلة ،الكل كان يربط بين استمرارية الانتفاضة وبين انخراطكم بها،وتعلمون أن من الفصائل المنافسة لكم من فرح بما نفذتموه من عمليات مثل فرحه بما نفذ أو أكثر من ذلك،بعضكم اعتبر الأمر توريطا ،وبعضكم رآه ضروريا،ولكن ألا توقنون أنه لولا ما يعتبره بعضكم ورطة و"طفولة يسارية" لما بقي لكم من التأييد إلا أقله؟!

لقد خلقت انتفاضة الأقصى معادلة جديدة تسري عليكم وعلى غيركم، وتغيرت السياسة الدولية كثيرا ولم تعد المفاهيم القديمة تصلح لواقعنا.

لأكون صريحا كما أعتبر نفسي أو وقحا مثلما يعتبرني البعض؛ هناك أجندات فصائلية وحزبية ،لا أنكر هذا، ولكنها ليست بخطورة الأجندات الشخصية،أي أن هناك من يهمه مصالحه الخاصة ومكاسبه الشخصية هو وعائلته وأتباعه وأشياعه وماسحي الجوخ من حوله أكثر من اهتمامه بمصلحة الوطن أو مصلحة التنظيم الذي ينتمي إليه ويأخذ وضعا قياديا فيه،لن أدخل في سرد الأسماء لأنكم أدرى بها مني ،ولأن رسالتي ليست للتجريح أو القدح.

كيف يمكن أن يثق الناس بمن ينظر إليهم من برج عاجي ويطالبهم بالتعقل من أجل المصلحة الوطنية العليا؟كيف لمن يملك عدة سيارات فارهة ويتقاضى راتبا ضخما ويحمل بطاقة VIP وليس معرضا للقتل أو الاعتقال أن يقنع الناس بصدق نواياه الوطنية؟ كيف لمن هرّبوا أبناءهم إلى خارج الوطن أن يحوزوا على ثقة الفلسطيني المشهور بذكائه الذي اكتسبه عبر تجارب طويلة وهزائم وانتكاسات مريرة؟كيف لمن لم يجدوا حرجا بمواصلة التطبيع لشفط الدولارات أو اليوروهات من المؤسسات الأوروبية أن تلقى كلماتهم صدى في آذان المقموعين والمقهورين على الحواجز العسكرية؟كيف يرى المواطن الذي تتعرض ممتلكاته إلى تخريب جيش الاحتلال الصورة حينما يتم تعويض أي متنفذ بمبلغ مالي كبير ويظل المواطن المسكين ينتظر الفرج؟‍!

الأسئلة كثيرة‍ وأنتم تعرفونها ،وبعضكم أو كثير منكم تحرك لتصحيح الوضع ،ولكن الحال غريب وعجيب،فالأمور لم تتحسن رغم تفاؤل الكثير من الناس وأنا المعروف "بتشاؤلي" كان لدي أمل بشيء من التغيير في بعض السياسات،ولكن أملي يكاد يخيب،لماذا تستغربون توجه كثير من الناس نحو خصمكم؟الأمر طبيعي في ظل الحالة التي بينتها عبر الأسئلة السابقة وفي ظل أجندة شارون التي نعرفها.

لقد انتظرت أن تلي عملية "السور الواقي" دراسة تقييمية من جميع الفصائل بعيدا عن أي خطاب إنشائي، وأن تقوموا يا فتحاويين بحملة تصحيح عماده التغيير،لم يحدث ما انتظرته ولكن حدث ما توقعته على ضوء ذلك؛احتقان وأزمة عندكم لا تنكرون عمقها،قد يكون أحد تبريراتكم وضع الرئيس عرفات والكاريزما التي ميزته،عرفات في ذمة الله منذ أشهر والمياه لا تزال راكدة،هذا مبرر لم يعد مجديا الآن.

اختلطت دماء شهدائكم بدماء شهداء حماس والجهاد والشعبية والمواطنين العاديين الذين استهدفهم القصف والقنص، وامتلأت سجون النقب ومجدو وهداريم وعوفر وبئر السبع ونفحة وجلبوع وغيرها بكم وبمن نافسوكم وشاركوكم النضال والجهاد ،في ذات الوقت بقيت فئة منكم يهمها الكسب والترقي على حساب هؤلاء وتركتموها تسرح وتمرح على هواها ،فما زادكم هذا إلا تعثرا،وأنتم تعلمون أن إحصائية إسرائيلية أفادت أن عدد الذين قتلوا على أيديكم من الإسرائيليين خلال هذه الانتفاضة أكثر من نظيره بالنسبة للفصائل الأخرى،ورغم ذلك لم تجنوا ما جناه الآخرون من هذه الشهادة ،لأن النهج عندكم لم يكن واضحا أو لأن ما طفا على سطحكم كان VIP+تطبيع+ترف+فساد مالي رغم ما عاناه كثير منكم على يد شارون طوال السنوات الماضية.

أنا لم أستغرب ما قام به بعض رجالكم من تصرفات قد تبدو أحيانا خروجا عن القانون والنظام، ذلك أنني أؤمن بروح القانون أكثر من نصه وضرورة تطبيقه على الجميع بلا استثناء،ولأن ما حدث هو نتيجة احتقانات شديدة وبسبب الركود والتجميد المستمر ،وعندما طلب مني البعض الكتابة عن هؤلاء الرجال بصيغة النقد اللاذع امتنعت مبررا ذلك أن هؤلاء شبان لا ينامون في بيوتهم وأنام في بيتي،وأركب سيارة ولا أتوقع قصفها بالأباتشي مثلهم ،وليس لي حق انتقادهم أو المزاودة عليهم حتى ولو ارتكبوا بعض الأخطاء ،وقصرت نقدي بل تهجمي على من يأمنون الاحتلال ويرفلون بالأموال والمناصب ويبيعون لنا الكلام عبر الشاشات عن الوطن والشعب والوحدة!

قد تعجبون من كوني أوجه رسالة لمجموعكم كفتحاويين دون تخصيص وفي ذات الوقت أضمن رسالتي كلاما قاسيا عن فتحاويين كأنهم ليسوا من فتح،لا تعجبوا ان قلت لكم أن رسالتي للجميع منكم بلا استثناء ؛من مدحته ومن قدحته؛من هو معتقل ومطارد ومن هو حر يتنقل كيفما شاء؛من كان شهيدا لأنه حي عند ربه ومن ما زال حيا على وجه الأرض،من أجندته وطنية ومن أجندته حزبية وحتى من أجندته شخصية،نعم صدقوني ،فمن أنا له اليوم قادح أرجو أن يهديه الله إلى سواء السبيل ،وإلا أكون قد أقمت حجتي ،ومن أنا له اليوم ناصح أو مادح أسأل الله له الثبات على الحق والنصر على الباطل.

أما بعد،،،

فقد مرت علينا أحداث جسام وتبدلت من حولنا الكثير من الأمور والأحوال ولا بد من التوقف عند بعض المحطات التي لها أثر على حياتنا وطبيعة علاقة كل طرف بالآخر والنظر بروية إلى ما جرى ويجري:-

· لم يفلح شارون بجلب الأمن خلال المئة اليوم الموعودة، وتخلى عن فكرة كون نتساريم مثل تل أبيب، ولم يرفع شعبنا ولا أي فصيل من فصائله الراية البيضاء، ولكن في المقابل اغتيل الكثير من القادة على مختلف المستويات وسقط حوالي 4000 شهيد، ولا زال 8000 في الأسر، ودمرت البنية التحتية وعم الفقر وانتشرت البطالة، وسادت الفوضى، وعاد البعض إلى العشائرية المقيتة، ولا زال الفساد مستشريا وخطوات الإصلاح سلحفاوية‍، وهناك من يرفع شعارات الإصلاح وهو يجسد الفساد بأقبح أشكاله وصوره، والمسيرة الديموقراطية ليست على ما يرام.

· النظام العربي الرسمي ضعيف أو بحكم الميت بالنسبة لقضيتنا ولكن الولايات المتحدة غارقة في المستنقع العراقي، وهي تريد إنجاح خطة شارون للانسحاب من قطاع غزة؛ يجب أن لا ننسى –وبعضكم ينسى- أن هذه خطة فصل أحادي ولا يجوز الخضوع لابتزازات بسببها، وأن شارون حصل على ضوء أخضر أمريكي لتكثيف الاستيطان في الضفة الغربية، والجدار قضم من أراضي الضفة الغربية ما قضم، وعزل القدس متواصل والتهديدات للمسجد الأقصى مستمرة.

· أنا لم أنتخب مرشح حركة فتح للرئاسة محمود عباس(أبو مازن)، ولكنني رأيت أن الرجل له مزايا يمكن أن نستفيد منها كفلسطينيين، ورأيت أن رئيس السلطة الجديد بحواراته لا يريد الدخول في فخ الحرب الأهلية، بل لقد كتبت متسائلا عما إذا كانت القوى الإسلامية ستشكل له درعا في مواجهة مراكز القوى داخل حركة فتح والسلطة؟وأعجبني رفضه لأغاني "عاش الملك" وأشعار المنافقين والدجالين والطبالين والزمارين الناعقين مع كل ناعق، ورفض مبدأ تصويره كزعيم ليس مثله، سياسيا أنا لا أتبنى خط الرجل،ولكن إسرائيل أيضا تسعى لإفشاله من أجل تنصيب قيادة على مقاسها،أو تشكيل قيادة لغزة مفصولة عن قيادة الضفة،أو حتى ما هو أسوأ من ذلك!

· اعلموا يا فتحاويين أن السلطة مصدر خسارتكم لمزيد من شعبيتكم المتآكلة، أنا أعرف ملابسات انخراطكم في السلطة ومؤسساتها وأن العامل المادي هو السبب الأبرز،ولكن كونوا على يقين أنكم تستطيعون تدبير أموركم المالية دون المزج بين السلطة وبين الجسم التنظيمي،وفي هذا السياق عليكم أن تعلموا أن عصر الحزب الحاكم الوحيد الأوحد قد ولى ولا يمكنكم التحايل على هذه الحقيقة بالشراكة مع أحزاب وقوى لا شعبية لها ولا تأثير وتعلمون من أقصد،عليكم أن تستكملوا الانتخابات البلدية وتسرعوا إجراء الانتخابات التشريعية ،ولو أحسنتم اختيار مرشحيكم فلن تكون خسارتكم كبيرة،ولو خسرتم فالخسارة درس ،والتنافس في صالح الشعب خاصة إذا كان ديموقراطيا وخدماتيا،وبصراحة :رئيس السلطة من فتح ورئيس الوزراء من فتح والقادة الأمنيون من فتح ...إلخ؛ فما يضيركم لو فازت حماس بجميع مقاعد البلديات وبثلثي مقاعد المجلس التشريعي؟هنا نعود لأصحاب الأجندات الخاصة الذين يرون أن مصالحهم وكراسيهم مهددة في حال استكملت العملية الديموقراطية، أنا أقولها وبكل تأكيد أن أثر هؤلاء على حركتكم أسوأ من خسارتكم جولة هنا أو هناك، وأقول للمتشبثين بالكراسي:يوم القيامة أقرب مما تتصورون فاتقوا الله في شعبكم وحركتكم وأنفسكم، واعلموا أن استمراركم في نهجكم سيخلق تيارا لا خطوط حمراء عنده قد يكفركم ويستبيح منكم ما حرمه منافسوكم ولن تفلح مع هذا التيار كل العبارات والمفردات التي يقبلها من ينافسكم اليوم، وإياكم والقول بأننا شعب محصن ضد هذه الظاهرة،لا،هذه ظاهرة قابلة للظهور والتمدد إذا استمرت حالة الركود والاحتقان.

· احرصوا على رضا شعبكم لا رضا أطراف خارجية تهتم بمصالحها قبل كل شيء، وبمقياس المصلحة فإن شعبكم هو حاضنتكم ودفيئتكم ومنه تستمدون الأوكسجين الذي تتنفسون منه،ولا تظنوا أنكم تستطيعون أن تحملوا بطيختين بيد واحدة،فليس ممكنا إرضاء العدو وإرضاء الشعب الفلسطيني في آن معا،فاختاروا بصوت جلي،وقد أفلح من أوتي الحكمة.

أما بعد،،،

اعلموا أن إسرائيل تشكل مشروعا يختلف عن كل أشكال الاستعمار والاحتلال المعروفة، إسرائيل مشروع استيطاني إحلالي،فهي في المحصلة النهائية لا تريد فتحاويا ولا حمساويا ولا يساريا ولا مستقلا على هذه الأرض،بل لا تريد حتى من باع نفسه وغدا جاسوسا لمخابراتها وجيشها ،هذه حقيقة نعلمها ولكن قد تغيب عن أذهان البعض في غمرة الصخب.

وسعي إسرائيل للفتنة بين أبناء الشعب الفلسطيني نعلمه جميعا ونتحدث به ليلا ونهارا، ولكننا لم نتخذ ما يكفي من التدابير للوقاية التامة من هذه المؤامرة العلنية، إن إسرائيل تريد من قوات الأمن الفلسطينية أن تكون حارسا لها، أنا أعرف الكثير من أبناء الأجهزة الأمنية وهم يؤكدون ويصرون أنهم ليسوا مثل البشمرغة الكردية ولا الحرس الوطني الذي اقتحم الفلوجة ولا مثل فيلق بدر ولا مغاوير الشرطة العراقية، وأعلم أن مئات الشهداء من أجهزة الأمن الفلسطينية استشهدوا وهناك الكثير في السجون الإسرائيلية، ولكن أحداث غزة الأخيرة تقرع ناقوس الخطر ولا بد من الحذر من شماتة الأعداء بنا.

لن أدخل في تفاصيل تلك الأحداث بقدر ما سأشدد على ضرورة منع تكرارها، وهنا أؤكد ما جاء في عنوان رسالتي وهو أن المفتاح بيدكم ،نعم بيدكم يا فتحاويين،عند المواجهة مع العدو تتوحدون مع حماس والجهاد والشعبية وتكونون على قلب رجل واحد،ولكن السلطة تفرقكم،هذا ليس غريبا فحتى الصحابة رضوان الله عليهم اقتتلوا بعدما تجمعت لهم أسباب الغنى والثراء والجاه،ولكن حالنا لا يشبهه أي حال لأن هناك من لا يريد أيا منا مهما كان انتماؤه ويريد أن ننهمك في قتال بعضنا كي يسهل عليه كنس الباقين منا،رغم أن رسالتي لكم يا فتحاويين ولكن أقول لكم وللحمساويين ليتعلم كل طرف أن يتقبل الآخر وأن تنافسكم لا يكون بالحسم لأنه ليس هناك حسم ،لن أقول لكم أحبوا بعضكم فالحب يتجلى وقت الأزمات لتحل محله البغضاء وقت الرخاء رغم أنه لا رخاء لدينا،ولكن اجعلوا الناموس العام الذي يحكم علاقة كل منكم بالآخر هو ناموس التنافس الشريف لا الإقصاء أو الاحتواء أو التجاهل أو التهميش،لأنه لن ينجح أي منكما في إقصاء أو تهميش الآخر ،ولا تنازعوا على مستقبل الله وحده يعلمه،وليكن معلوما لدى الجميع أن الشعب الفلسطيني اليوم أوعى مما كان عليه بسبب تراكم التجربة وبسبب ثورة المعلومات والاتصالات،يا فتحاويين أنتم تمثلون جزءا من الفلسطينيين وحماس تمثل جزءا آخر والجهاد كذلك وو ،حماس وفتح هما الأغلبية وبناء عليه لتتحمل الأغلبية المسؤولية.

يا فتحاويين:لقد قامت جهات من فتح بأعمال ضد مقرات السلطة وشخصياتها لأسباب عدة، كمواطن عادي قد أتساءل لماذا الحدة مع التنظيم المنافس؟أنا شخصيا أعرف الإجابة ولكن شعبنا ليس لديه ترف التحليل، أنتم من بيده المفتاح وثبت من تجارب عدة قدرتكم مع منافسيكم على التوافق وضبط البوصلة نحو ما يريحكم ويريحهم ويريح عامة الناس.

أنا هنا لن أتحدث عن التهدئة وضرورة الالتزام بها من وجهة نظر وحق الرد على الخروقات الإسرائيلية من وجهة نظر أخرى، ووحدانية السلطة وسلاحها وشرعية المقاومة وسلاحها في ذات السياق النظري أو التنظيري، ولكن أريد أن أؤكد على أن الوعود والتمنيات بتحقيقها شيء وواقع الحال والسياسة المجردة من أخلاق الفرسان و"كلمات الشرف" شيء آخر؛ وعدونا بدولة هذا العام(2005م) ولم يلبوا وعدهم،وأي دولة تلك التي يتلوى داخلها جدار كالأفعى ولا تواصل بين أجزائها،وعدونا بتحسين ظروف حياتنا وإطلاق سراح عدد من الأسرى والمعتقلين فأزالوا بعض الحواجز الثابتة واستبدلوها بأضعافها حواجز فجائية،وأطلقوا سراح مئات الأسرى واعتقلوا أكثر منهم ،وكان الحديث يدور عن خريطة الطريق فاختزلت المسألة بخطة شارون التي يصورونها على أنها فتح كبير وأن شارون –بها- يجب أن نراه كأب حان رحيم!تعلمون ولستم بحاجة لي كي أعلمكم فأنا هنا بدور المذكّر لمن كان ناسيا وبدور المحاجج بحقائق نتفق عليها.

السلطة مشروع فتحاوي وأتفهم دوافعكم النفسية والاجتماعية والمادية وأخيرا السياسية تجاه وحول هذا المشروع ولكن انتبهوا أننا نتحدث عن "مشروع" وطبيعة المشاريع هي الربح أو الخسارة أو التساوي بينهما،إن السلطة الوطنية الفلسطينية هي رسميا "السلطة الفلسطينية" وبطاقات هوياتنا تشهد بذلك فحتى كلمة "الوطنية" منعنا منها إلا في مراسلاتنا ومعاملاتنا ويافطاتنا الداخلية،والسلطة مشروع لا زال متعلقا بإدارة شئون السكان دون أرضهم ومياههم وأجوائهم أي أنها لم تخرج عن إطار الحكم الذاتي،ومنذ ثلاث سنوات احتل شارون مناطق A في الضفة الغربية وبات المشروع مهددا ونعيش أغرب احتلال ربما في تاريخ الإنسانية حيث المحتل للأرض ليس مسئولا عن أمور الشعب المحتل ولطالما علق شارون وطاقمه السياسي والعسكري مشاكلهم الأمنية على شماعة السلطة وأجهزتها،أنا لا أزهّدكم أو أنفركم من مشروع تنظرون إليه كنواة لدولة فلسطينية مستقلة نعيش جميعا في ظلالها ،عدا عن كون هذا المشروع بالنسبة لشريحة منكم مغنما وكنز يدر الدولارات الامتيازات،ولكن جيش الاحتلال لم يترك للسلطة ولا لشعبها بمعارضيه ومؤيديه شيئا،وبصريح العبارة مطلوب منكم كحركة تشكل عامود السلطة الفقري وتشكل السلطة بالنسبة لكم "مشروعا" بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وبكل ما تحمله من التزامات تجاه الشعب وتجاه الحركة أن تكون لكم خطة بديلة وبرنامجا موازيا ،لأن انهيار السلطة لا يجب أن يتبعه انهيار للحركة والتنظيم،أعلم أن السيد فاروق قدومي لم يدخل مناطق السلطة وبقي خارجا كنوع من الاحتياط أو كبرنامج بديل ،لكنكم كجسم تنظيمي سحبتكم السلطة وليس العكس وهناك مؤشرات كثيرة تدل على ذلك،وليس في البرنامج البديل مثلبة لكم بل عدم توفره هو أم المثالب وأيضا مشكلة لها تداعيات لا تحمد عقباها عليكم كحركة لا تزال تقول أنها حركة تحرر وطني وليست سلطة وزراء ووكلاء ومدراء عامين وضباط،الشعب بحاجة إلى سلطة هذا أمر أكيد ولا مجال للتشكيك فيه ولكن حركة فتح بحاجة إلى مشروع احتياطي في حال فشل مشروع السلطة.

انظروا إلى العدو؛ قرأنا مؤخرا عن ولاية في الهند يهاجر لها الإسرائيليون الذين ينهون الخدمة العسكرية، وكثيرا ما سمعنا عن مشاريعهم الاستيطانية في أمريكا اللاتينية وأستراليا وإفريقية، هذا على الرغم من أن مشروعهم الحالي المسمى "إسرائيل" يحظى بدعم كل الدول العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة وقبل به جميع أعدائه بل يتسابق بعض قادة العرب لإرضاء شارون ومصافحته وليس ثمة خطر وشيك على هذا المشروع من قوة عسكرية أو اقتصادية عربية وما ينغص عليهم هم فقط الفلسطينيون وهؤلاء قبلوا كخيار استراتيجي أو كتكتيك مرحلي وجود "دولة إسرائيل" على 78% من أرض فلسطين، ورغم هذا التفوق فإن دهاقنة الحركة الصهيونية يضعون في حساباتهم أسوأ السيناريوهات ويخططون لمشروع بديل؛فما بالكم وأنتم أصحاب مشروع مهدد ويتعرض للابتزاز لا برنامج بديل أو مشروع احتياطي واضح لديكم،طبعا لن أنتظر أن يقال لي أن المشروع موجود في أدراج المكاتب وأنه يحظى بالسرية التامة ،فهذا كلام بات خارج السياق والتاريخ،الوقت لم يفت والخطأ يمكنكم تداركه.

وفي الحديث عن السلطة لن أغفل مخاوف بعضكم من استيلاء حركة حماس عليها، وتصور بعضكم لحجم ما ستأخذه حماس من "الكعكة"، وأنا أعجب كثيرا عندما أدرك أن هذا النمط من التفكير ليس فقط في إطار الحملات والمناكفات الإعلامية بل هو اعتقاد مترسخ؛لأنه وبمنتهى الوضوح ليس ثمة كعكة بل هناك لوح من الصبار المليء بالشوك وربما هي كعكة ولكنها ليست حلوة المذاق بل مرة كالعلقم بعكس الكعك الذي نعرفه،وقبل الحديث عن حماس لنتحدث عن حركة الإخوان المسلمين الحركة الأم لحماس وعن حزب الله اللبناني.

عبد المنعم أبو الفتوح من قيادات الإخوان في مصر صرح بوضوح أن الإخوان يرون أن تسلمهم السلطة الآن مضر بمصر،الإخوان رغم أنهم الحركة الأكبر على الساحة المصرية ولو أجريت انتخابات حرة ونزيهة لفازوا بلا شك يدركون أن مصر لها وضع خاص وأن مجرد وصولهم للسلطة له تداعيات هم في غنى عنها وستوقعهم والبلاد بأسرها في مشاكل،فهم لا يريدون الحكم الآن ولكنهم يريدون التغيير الحقيقي وهذا مطلب جماهيري.

حزب الله كان يضع على أعلامه عبارة "الثورة الإسلامية في لبنان" ومؤخرا حلت محلها عبارة "المقاومة الإسلامية في لبنان" ،ولقد تابعت مرة لقاء تلفزيونيا مع السيد محمد حسين فضل الله ووجه له سؤال عن فكرة الثورة الإسلامية فأوضح أنه كمفكر مقتنع بالفكرة ولكنه كمواطن يرى تميز لبنان في تنوعه،وكلنا رأى حزب الله يخوض الانتخابات البرلمانية والبلدية ويحافظ على علاقة موزونة ومدروسة بالسلطة وسوريا والمعارضة.

ما أريد الوصول إليه هو أن الحركات الإسلامية القديمة نسبيا نضجت فكريا وسياسيا وتقرأ الواقع بدقة لا ينكرها منصف، وحركة حماس ليست بعيدة عن هذا،والأجدر الاعتراف أن قبولها المشاركة في الانتخابات البرلمانية مؤشر جيد على هذا النضوج والوعي،ولكن بعضكم يقول أن حزب الله واع وناضج أما حماس فلم تصل بعد لتلك المرتبة،مم الخوف؟حماس لا يمكن أن تستولي على السلطة سواء بشكل ديموقراطي أو غير ذلك؛لأن حماس لو استولت على السلطة بانقلاب عسكري-رغم صعوبة ذلك- لانقلب العالم كله ضدها وهي لن تغامر أو تقامر بكل ما حققته من تأييد وتعاطف لنزوة أو كعكة لها طعم العلقم،ولو وصلت حماس للسلطة عبر صندوق الاقتراع فإنها ستكون أمام استحقاقات سياسية خطرة على برنامجها وفكرها ،حماس تريد نوعا من الشراكة تضمن من خلاله شرعية وتثبيتا لما أنجزته من نضالات وتضحيات ولا أخالها غبية لتحل محلكم في لعبة التفاوض التي ستحرجها حتى أمام نفسها،ثم إن حماس لم تخض انتخابات الرئاسة وليس للمجلس التشريعي سلطة كبيرة على رئيس السلطة في مسألة التفاوض مع إسرائيل ،بمعنى أدق:لو حصدت حماس جميع مقاعد التشريعي-وهذا مستحيل- فإنها لن تكون بهذا قد استولت على مقاليد السلطة،فلا داعي للخوف اللامبرر والذي تغذيه بعض وسائل الإعلام المرتبطة بالأعداء فكريا أو ماديا.

وأعود لأحذر أن حركة حماس هي أفضل لكم ممن لا يؤمن لا بعملية ديموقراطية ولا انتخابات برلمانية ولا يرى إلا القوة والتفجير والنحر كأسلوب للتعامل، ستقولون أن لديكم رجالا كثيرا وسلاحا وفيرا للتصدي لهؤلاء،أنا أؤكد أن هؤلاء عادة ما يكونون قلة، لكنها قلة جارفة مدمرة ،وحينئذ عندما أنتقد أنا أو غيري تصرفاتهم أو حتى نرجوهم بمقال هنا أو هناك أن يتركوا أساليبهم سيردون علينا بأسماء حركية عبر مواقع الإنترنت إياها مشنعين علينا ومتهمين إيانا هذا على أقل تقدير‍! اعلموا أن تجميد الأوضاع وركود المياه هو ما سينمي هذا الاتجاه مما يجعلكم وأنا في حالة ترحم على المنافسة والمناكفة مع حماس والجهاد الإسلامي فالله الله في عقلائكم وحكمائكم ومن يتمتعون بالحدس في صفوفكم، أسرعوا ولا ترهبوا وضعوا الهواجس والوساوس جانبا،فليس ثمة ما تتقاتلون أنتم وحماس عليه ،وإذا كان لديكم شك فأنصتوا ستسمعون صوت "الزنانة" أو الأباتشي وفكروا وتذكروا إخوانكم من مختلف الأطياف في النقب ومجدو وهداريم.

وعن مسألة الكتابة لا بد لي من الوقوف على موضوع تجميد عضوية الأستاذ عدلي صادق من عضوية الحركة بسبب مقالة حول بيان اللجنة المركزية للحركة،هذا أمر قد ترونه مسألة داخلية،ولكن عدلي صادق هو كاتب فلسطيني بغض النظر عن كونه فتحاويا ولو افترضنا أنه كان قاسيا فيما كتب فليس هكذا يرد على المقال،والأمر يوحي أن المطلوب هو إما الصمت أو التعبير بأسلوب:"ألستم خير من ركب المطايا؟‍!"، وأتمنى على السيد أبو اللطف إعادة النظر في قراره، والغريب أيضا هو القرار الوزاري باتخاذ إجراءات تأديبية ضد الموظف في القطاع الحكومي الذي يكتب وينشر مقالا يسيء للسلطة؛هذا يتناقض مع مسائل ومفاهيم كثيرة؛ما مفهوم الإساءة ومن الذي يحدده؟وماذا عن القانون الأساسي الذي يعتبر أن من حق المواطن أن يعبر عن رأيه كتابة أو رسما أو غير ذلك؟وهل بات الموظف الحكومي (وأنا من هذه الشريحة) كيانا منعزلا عن قضاياه وهموم شعبه وطموحاته وآماله وآلامه؟وهل يتلاءم هذا المنطق مع روح عصرنا الذي تميزه الثورة الكومبيوترية وتنصب شباكها فيه الشبكة العنكبوتية؟هل تريدون من الكاتب التستر وراء الأسماء المستعارة ليعبر عن رأيه؟ولو فعل ذلك أليس لديكم خوف من استغلال أطراف متربصة لهكذا ظاهرة؟

يا فتحاويين:اربأوا بأنفسكم أن تكونوا مثل القومجيين وأجهزة أمنهم ،العصر تغير والظروف تبدلت ولا يكفي الحديث عن الحرية والديموقراطية فيما يراد كسر أقلام الكتاب وريش الرسامين إلا إذا سُبح بحمد المسئول وتليت في مآثر النظام مدائح الأعشى،والله كنت أظنهم أذكى بحيث يقولون للجميع:"انظروا إلى موظفي وزاراتنا يكتبون وينتقدون ونحن نرحب بذلك" ،لكن يبدو أن هناك من يعيش خارج الزمان وهذه والله طامة كبرى.

أما بعد،،،
فقد شعرت بالرعب بعدما قرأت تحليلا يصف ما حدث في غزة بأنه اختبار كل طرف للآخر،يا إلهي!نحن شعب لا نحتمل وكل طرف لديه من المؤيدين ما هو كاف إما لرفعنا والرقي بنا أو رمينا إلى مجاهل الفتنة والشر أعاذنا الله منها،ولا مجال لمثل هذه الاختبارات وشد الحبال لا اليوم ولا غدا.

المفتاح بيدكم ،أكرر هذا،غيروا وسيلة تنظيركم بما يتلاءم مع العصر ويتماشى مع الظروف،أنتم بحاجة إلى تغيير في الثقافة السائدة ،عليكم أن تزرعوا ثقافة جديدة تحوي مفردات قد تبدو صعبة ولكنها ضرورية ومفيدة وبها سيغير الخصم ويتغير صدقوني،مفردات تقول أن هناك شراكة سياسية واحتمالات خسارة بأسلوب ديموقراطي،وأن السلطة مرحلة وليست آخر المحطات ولعل هذه أصعب وأعقد المفردات ولكنها أهمها،وتذكروا القدس والأقصى وعهد الشهداء الذين ستصلهم رسالتي لأنهم أحياء والأسرى والضفة الغربية،ولا تثقوا بالوعود،ونافسوا ولكن دون مغامرات نحن في غنى عنها أو بمعنى أدق نحن نخاف من تبعاتها ،المفتاح بيدكم ،وضّحوا موقفكم بصوت واحد،فالكل يقرأ بيانات متضاربة وتصريحات متناقضة ومواقف يلغي حاضرها ما سبقه بساعات أو دقائق.

هذه هي رسالتي لكم وأنا أثق بأن منكم من يوافقني على كل ما جئت به ومنكم دون ذلك بقليل أو كثير،ولكن ليس هذا المهم فالوقت وقت الفعل لا وقت الكلام،ربما أنا عاجز عن الفعل فلجأت إلى الكلام ولكن بالنسبة لي فإن التاريخ لن يلاحقني والشعب لن يسألني وليس لي أتباع أنا ملزم بشيء أمامهم،أنتم أصحاب المفاتيح فأحسنوا استعمالها.

وليس آخرا،،،

كلامي كما قلت لكم &