|
From : t8sharif@hotmail.com
Sent : Sunday, June 26, 2005 4:59 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
كدنا و مصطفى نختنق
في رفح
د. طلال الشريف
عضو اللجنة التنسيقية في "المبادرة الوطنية الفلسطينية"
و نحن في طريقنا قبل أيام إلى رفح لزيارة البهداري قائد المبادرة الوطنية هناك
و الذي أجريت له عملية جراحية، و ما أن اجتزنا حاجز أبو هولي بدأت أتذكر ما حدث
في رفح أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية و التي لم أزرها منذ ذلك الحين، تذكرت
كيف أوصلتنا لجنة المبادرة الوطنية في رفح إلى مخيم قرب تل السلطان و هو حي بدر
الذي أطلقوا عليه اسم مخيم بدر ، حيث أقامت وكالة الغوث مجموعة من المنازل
لأصحاب البيوت التي هدمتها الجرافات الإسرائيلية في الشريط الحدودي لسكان بلوك
O في حي السلام ، و كان عددنا يقارب العشرين ، و ما أن بدأنا نمشي في شوارع
الحي حتى بدأت الأمطار تتساقط إلا أن جماهير هذا المخيم بمجرد رؤيتهم لمصطفى
البرغوثي ، الذي يعرفه بعضهم من زيارات سابقة و يعرفه كل الشعب الفلسطيني من
خلال شاشات التلفزيون و رغم هطول الأمطار ، فقد التفوا حوله مرحبين به و
الابتسامة على وجوههم يدعونه إلى بيوتهم و يظهرون تأييدهم له ، و أذكر هنا أن
سيدة أوقفت المسيرة أمام بقالتها لتنثر علينا الشوكولاته و الحلوى و أحضرت
زجاجة عصير و قدمتها لمصطفى البرغوثي في سعادة غامرة و هي تدعو له بالفوز و
تقول بأعلى صوتها " أنت أملنا في الخلاص و نحن ننتظرك في حي بدر عندما تصبح
رئيساً " .
اشتدت الأمطار، و بعد أن أكملنا دورتنا في هذا الحي الصامد توجهنا إلى تل
السلطان لبيت الشهيد مجدي الخطيب قائد كتائب شهداء الأقصى، و في الطريق إلى
هناك و أمام مركز صحي لمحت صديقي د. سامي أبو طه على باب المستوصف فنزلت لأسلم
عليه، فاكتشف الجمهور أن مصطفى في السيارة فأنزلوه منها و التفوا حوله و أدخلوه
إلى باحة المستوصف و تجمع الناس يتحدثون إليه و يشدون على يديه و يعبرون عن
تقديرهم له و هم فرحين.
واصلنا إلى بيت الشهيد فإذا بالحي مزدحم بالشباب و الفتيان يعانقون مرشح
الرئاسة القادم من رام الله و يحتضنونه، و بصعوبة استطعنا دخول منزل الشهيد
القائد لتستقبلنا سيدة فاضلة أذهلتنا في حديثها الذي ينم عن ثقافة و وعي
كبيرين، تتحدث عن المعاناة الفلسطينية و التاريخ بكل دقة أفضل من كل المحللين
السياسيين، كما تحدثت عن شجاعة و مناقب الشهيد، فهي أمه و معلمته و مربيته،
إنها والدة مجدي، أوصت مصطفى على أسر الشهداء و ركزت على قضية الأسرى بشكل خاص،
و كما دخلنا البيت بصعوبة ( لاكتظاظ الجماهير ) غادرناه بصعوبة أيضاً.
لننطلق إلى تل السلطان و هي الحي الصامد الذي رأينا فيه الكثير من علامات
الصمود و التصميم على إكمال المسيرة الوطنية حتى نيل الحرية و الاستقلال، و في
شارعه الكبير الذي تسكن فيه عائلة الشهيد رزق مصلح، هذا الفتى الذي قتله
الإسرائيليون بدم بارد أثناء الحملة الانتخابية و هو يعلق صور الدكتور مصطفى
البرغوثي في رفح، ما أن دخلنا بيت الشهيد الذي كان متواضعاً جداً و يدل على
الحالة الصعبة لهذه العائلة المناضلة و جلسنا مع والدة الشهيد الذي تأثر بها
مصطفى و تحدث عن استشهاده في سبيل فلسطين و الحرية، و كانت المفاجأة عندما
خرجنا من باب منزل الشهيد المطل على شارع عام عرضه حوالي 40 م و هو في نهايته
الشمالية المرتفعة إلى حد ما، لنرى الشارع الطويل العريض يعج بالناس على مدى
رؤية العين و لم نصدق أن هذا الكم من الناس قد تجمع بهذه السرعة لرؤية مصطفى
البرغوثي مرشح الرئاسة، كذلك وجدنا المراسلين و الصحافة و التلفزيون الأجنبي و
المحلي بغزارة و الكل يريد إجراء مقابلات مع د. مصطفى، و بعد دقائق فقط من
المقابلات السريعة و هو يطل من شباك السيارة بدأت جموع الجماهير تطلب من مصطفى
النزول للمشي في الشارع و لم نجد بداً من الاستجابة، فهدأهم مصطفى بكلماته
المعبرة و مشى معهم قليلاً.
و من ثم انطلقنا إلى حي رفح الغربية أو الصيامات كما يسمونها و وجدنا نفس
الحالة من حرارة الترحيب و الاستقبال من أهالي هذا الحي الكرام. و لارتباطنا
بموعد اللقاء الجماهيري في المركز التجاري في البلد توجهنا إلى هناك حيث قاعة
النسيم و نزلنا نسير في البلد إلى القاعة فإذا بالجماهير " الرفحية " تتجمع
حولنا من لحظة نزولنا من السيارة لتشكل مظاهرة كبيرة حاشدة، أثناء سيرنا علت
الهتافات ضد الاحتلال الإسرائيلي و هتافات التأييد و الترحيب بمرشح الرئاسة
مصطفى البرغوثي ، و هنا أدركنا أن تدافع الجماهير أصبح كبيراً جداً و لم نستطع
السير إلا بصعوبة ، الناس تريد الاقتراب من مصطفى ، كنت أنا و سامي و أبو مهادي
نحيط بمصطفى خوفاً من تدافع الجمهور الذي بدأ يخنقنا ، حيث سطعت الشمس في هذه
الأثناء و بدأ العرق يتصبب منا و أصبحنا حلقة حول مصطفى بعد أن كنا نسير بجانبه
كقادة ، أصبحنا نشكل حماية للرجل الذي بدا سعيداً ، لكنه لم يستطع التقدم بسبب
الازدحام حوله .
بصعوبة وصلنا إلى قاعة النسيم و دخلنا إلى هناك، كان الجمهور كبيراً لم تتسع له
القاعة، أما نحن فجلسنا على منصة في زاوية الصالة و خلفنا ستائر وردية اللون، و
بدأت جموع الشباب تندفع إلى القاعة التي لم يعد الأكسجين داخلها يكفي للتنفس و
بدأنا نحس بالاختناق رغم كبر الصالة، لكن العدد داخلها أصبح ثلاثة أضعاف حجمها،
بدأت الناس تندفع نحو الطاولة التي نجلس عليها، أخذت أصرخ في أبو مهادي و سامي
اللذان كانا يقفان خلفنا عندما حاولت إزاحة الستارة من على الجدار من خلفي لآخذ
نفس من هواء الشباك و كانت المفاجأة أننا جميعاً على بعد متر فقط من تلك
الستائر التي تغطي جداراً زجاجياً يطل على منور العمارة، حيث أن أي تدافع
للجمهور، و هو أكثر من متوقع في هذه اللحظة و يكاد يكون التماوج بدأ ينطلق
نحونا ليدفع الطاولة التي نجلس عليها، و قد يسقطنا في المنور جميعاً بما فينا
د. مصطفى من الطابق الثاني الشاهق الارتفاع بحكم وجود الصالة المرتفعة السقف،
همست لمصطفى أن يسرع في إنهاء الحديث لأننا في خطر السقوط في المنور و قد فعل
ذلك، و أذكر بعدها أننا حاولنا الخروج إلى الباب مرتين، لكننا فشلنا، و كدنا
نختنق هذه المرة حقيقة لأننا حاولنا المرور من بين المحتشدين، لكنهم أطبقوا
علينا وسط الصالة، و بالكاد فتح الشباب في المرة الثالثة مسافة صغير استطعنا
أنا و مصطفى من السير فيها بأقصى سرعة حتى خرجنا من باب خلفي و لا ندري ماذا
جرى لأبو مهادي و البهداري ، لنفاجأ و نحن نخرج من الباب الخلفي بأن في خارج
المبنى آلاف المحتشدين في منظر رهيب لم أره من قبل .
لم ألمح سيارتنا في هذه الأثناء، تدافع الناس حولنا فما كان مني إلا أن طلبت من
مصطفى أن ندخل سيارة إسعاف من بابها الخلفي و التي كانت متوقفة قريباً لتجنب
الازدحام الشديد و بذلك اعتقدنا أننا في أمان داخل سيارة الإسعاف، لكننا فوجئنا
أن سامي يدخل سيارة الإسعاف معنا، و هنا كانت المشكلة، حيث أنه لا يوجد نوافذ
في سيارة الإسعاف من الخلف و قد أطبق عليها الجمهور، و طلبنا من سائق الإسعاف
سرعة إخراجنا من المكان، لكن الجمهور منع السيارة من الحركة و تجمعوا حول
السيارة، كلُ يريد رؤية و مصافحة و الحديث مع مصطفى، و ما هي إلا للحظات حتى
عدنا لنشعر بالاختناق مجدداً، فإذا بي ألمح سياراتنا و بدأت أصرخ على سائقها
عبر باب الإسعاف الخلفي الذي فتحه الجمهور، فادفع سائقنا الشجاع بسيارته و
استطاع الاقتراب منا حتى تمكننا من الخروج من الإسعاف إلى سيارتنا و أخذ يسير
بنا بسرعة البرق حتى نتمكن من الخروج من هذا الفيضان البشري من جماهير رفح
الصمود.
كان ذلك يوماً رائعاً مشهوداً من جماهير رفح الصامدة الذين أحبوا مصطفى لدرجة
أن كادوا يخنقوننا من الحب ثلاث مرات، و عندما أخذنا ما يكفينا من الأكسجين و
بدأنا نتنفس بارتياح أرجعنا مصطفى ثانية إلى مخيم يبنا و حي السلام و ديوان آل
عرفات و عزاء الشهيد أبو عطايا و ديوان آل العطار و ديوان آل الطباسي، و يبدو
أن مصطفى قد أدمن الاختناق بحب الجماهير.
و غادرنا عند الثانية بعد الظهر لإكمال برنامجنا المزدحم في خان يونس و التي
لها قصة حب أخرى تختلف في نكهتها عن رفح، سنرويها لاحقاً. |