|
From : p_programming@yahoo.com
Sent : Sunday, July 10, 2005 7:29 PM
To :
arabtimesnewspaper@hotmail.com
تفجيرات لندن
الثنائية القطبية الجديدة : الإرهاب و العولمة
أحمد سالم أعمر حداد
باحث في العلاقات الدولية
جامعة محمد الخامس-أكدال-الرباط
عند تبني التعريف الذي قدمه الأستاذ برايارد Braillard لمفهوم النظـام الدولي ،
على أساس أنه : مجموعة عناصر متفاعلة ، يؤلف كلا واحدا ، ويظهـر تنظيما معينا .
و بعد ممارسة نوع من التجاوز المفاهيمي ، و افتراض أن الإرهاب قد يفيد : أي عمل
يتصف بالعنـف المنظم و الموجـه ضد جماعة من الأبريــاء أو ممتلكاتهم العامة ،
من شأنه أن يثير روح الهلع و الخوف و الرعب في المجتمع أو لدى فئة من الناس منه
بغية الوصول إلى أغراض معينة يسعى الإرهابيون إلـى تحقيقها. وبعد تفجيرات لندن
الإجرامية الأخيرة ، وبعيدا عن مخاطر التوظيفــات المختلفة للمعطى الديني أو
المذهبي ، يمكن إبداء الملاحظات التالية :
-1 لا يزال الإرهـاب قادرا علـى التـأثير و إحداث الدمـار ، و النيل مــن مفهوم
السيادة على اعتبار أنها : سلطة الأمر و الإكـراه ، دون أن تكـون مأمورة أو
مكرهة من أي كـان على الأرض. كما ذهب إلـى ذلك منظر كتـاب الأميـر ميكيافيللي
1469-1527 و هو يقترح تعريفا للسيادة . بيد أن الدولــة القوميــة Nation State
، تكاد تسلب ميزة السيادة ، نظرا لكونها أصبحت عاجزة تماما عن إشباع الحاجة
التي أنشئت من أجلها أصلا ، و هي وظيفة الحراسة و توفير الأمـن للأفـراد الذين
أنهكتهم حالة الطبيعة Nature State ، عندما كان كل إنسان مجبرا في حياته على
الخصام مع الآخرين ، من أجل الدفاع و الأمن و المنفعة الشخصيـة بسبب غياب
السلطـة المنظمة . كمـا أشار إلـى ذلك منظرو العقـد الاجتماعـي كتوماس هوبز ،
جون جاك روسو ، و جون لوك.
-2 أدت قوة الإرهاب المتنامية ، وضرباته الموجعة و المباغتـة ، إلـى التشكيك في
مرتكزات الجغرافية السياسية ، ومن بينها مفاهيم : القـوة ، الحـدود البريــة ،
الحدود البحرية.ومن جهة أخرى تأزم بعض مفــاهيم القانـون الدستوري مـن قبيل
أهمية الحكومة السياسيـة ، أهمية المشاركة السياسية ، دور جماعات الضغط و دمغها
بالعبثية ، بسبب فقدان الأمن الفردي ، و الجماعي على حد السواء .
ويعقد من الأمر أن الإرهاب ينشط بشكل هلامي ، بدون جسم ، أو جغرافية معينة ،
غير محدد المعالم أو نمطي الأفعال . هذا فضلا عن كونـه لا ينتمي لأيـة دولة
معينة كما تحاول الإدارة الأمريكية تصنيف الدول ، وليس تنظيما سياسيا أو حزبـا
شرعيا، فهو كما يبدو أوليا تنظيم دقيق تحت الدولةUnder State ولا يرقى إلـى
مستوى الدولة ، ويستفيد بذكاء من الإمكانات القانونية ، التنظيمية ، و
التكنولوجيـة التي توفرها هذه الأخيرة ، و أثبت القدرة علـى إحداث تأثيرات كبرى
كانت حكرا على الدول قديما .
3 – على اعتبـار أن الإرهـاب يتغذى بشكل أساسي علـى عورات العولمـة و أهمها
الفجوة الأمنية ، بسبب التغييرات الكبرى التي يحدثهـا غياب الضوابط الأخلاقية و
الأمنية لثورة الانفوميديا Info-Media Age ، و تجارة السلاح .
هل يمكن الزعم أن الإرهاب يملك استراتيجية ، وآلية للفعل
تقارب مفهوم السياسة الخارجية ، و بالتالي يمكن الاصطلاح : السياسـة الخارجيـة
للإرهاب ، تعمـل بتناظر و تواز حقيقي مع مخرجات السياسة الخارجية للدول الأكثر
عولمـة ذلك أن المبررات الرئيسة التي يقدمه الفاعل الإرهابي لتبرير الأعمال
الإجراميـة هي ذاتها مخرجات السياسات الخارجية لهذه الدول و من بينها :
مركزة القوة و الثروات العالمية لدى القليل من دول العالم ، الاستمرار في
إفقـار الدول النامية والأقل تصنيعا ، التوسع السياسي جغرافيا و اقتصاديا
للإمبراطورية الأمريكية ، و بعض مواقفها من القضـايا اللصيقـة بمصالح العرب و
المسلمين و على رأسها القضية الفلسطينية ، احتلال العراق ، والتدخل في الشؤون
الداخلية لدول المنطقة كسوريا ، لبنان ، إيران .
- 4رغم تظاهر الإرهاب بتبني قضايا الشعوب ، والذود عن مصالحها الرئيسـة إلا أنه
فعل يحمل في طيا ته فجوة كبيرة تناظر فجوة العولمة الأمنية و هـي : أن الإرهاب
لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يربح الرأي العام العالمي ، أو المحلي أو
الجهوي ، ومهما استخدم من المرتكزات الدينية ، السياسية ، الاقتصادية لأنـه و
ببساطة اختار أن يكون الأفراد ضحيته ، كسلاح غير مسبوق لخدمـة أهدافـه سواء
باستعمالهم في التفجيرات الانتحارية ، أو كونهم ضحايا هذه الأخيرة .
و يبقى الفرد الخاسر الأوحد في هذه العملية الصراعيـة ، بين تهميش العولمـة و
ضربات الارهاب القاتلة . و بالتالي يسهل القول بفرضية أن الإرهاب ينشط بدون
انصار.
-5 بناءا على واقع السيطرة المفردة للولايات المتحدة على منظمة الأمم المتحـدة
و المخلفات السلبية التي يصبغها الإرهاب على السلم و الأمـن الدوليين ، أصبح
جليا حجم الانكماش على مستوى دور المنظمة ، و تقهقره إلى تقمص دور منظمة إدانة
و صراخ ، وآلية تلبس حروب العولمة لبوس الشرعيـة ، و دائرة صحيـة عالمية توزع
الأدوية على الضحايا . ويزيد من تأزم دور الأمم المتحدة أنها لم تعد الوحيدة ،
التي تتبنى الدفاع عن القضايا ذات الاعتبار و القمينة بمتابعـة الـرأي العام
الدولي ، بعد ما أثبتته هيئات المجتمع المدني العالمي الناشطة فـي مختلف
المجالات الحيوية من مهنية ، و ما خلفته من بصمات إيجابية.
- 6 من جهة أخرى تؤشر تفجيرات لندن الأخيرة ، إلى أن الفعل الإرهابي ، لا يمكن
وصفه بالنمطية ، و بالتالـي يصعب تعقبـه ، نظرا لصعوبة التكهن بطبيعة الضربات
القادمة ، أو تحديدها مكانيا ، أو ضبطها على مستوى خط الزمن . كمـا أنه اصبح
واضحا أن الإرهاب يأتي بنتائج لا تقل مأساويـة أو قذارة عـن مخرجات حروب
العولمة ، و هو بالتالي مثله مثل العولمة ، بدون ضوابط أخلاقية يوم يسقط
الأطفال والأبرياء ويدمر العمران ، فالقتل واحد ، ومن لم يمت جوعا بفعل جشع
العولمة ، مات بمتفجرات إرهابية مجنونة .
- 7 الإرهاب يأتي بنتائج عكسية ، ولن ينجح في ردع العولمة ، يضر بالشعوب و تؤدي
ضرباته إلى تقوية حكومات الدول قائدة مسار العولمة ، ويمدها بمبررات متينة لشن
المزيد من الحروب ، و يضمن لها الاستمرار في قولبـة الرأي العام و تحنيطه بدعوى
الخطر الخارجي ، و المزيد من هذه الضربـات ، يجذب المزيد من التعاطف الشعبي ، و
ثقة الجماهير و هي بمثابة نقط إيجابية في صف سياسات العولمة . هذا فضلا عن مدها
بالمزيد من القوة الاقتصادية ، عـن طريق الترويج المجنون للأسلحـة المتطورة و
المتفجرات ووسائط الاتصال باهضـة الثمـن و صفقات تحديث البنى التحتية الناتجة
عن مخلفات دمار الإرهاب ، بينمـا يتقوى القطاع الصحي و يتم تطويره ، و في نفس
اليوم الذي يسقط فيه ضحـايا أبريـاء يولد أناس أخر ، و بالتالي تأثر
الديموغرافيا طفيف جدا .
استطاع الإرهـاب أن ينتزع بالتفجيرات والخطف صفة الفاعل الدولـي الهلامي ، و ان
يدمغ بالدم النظام الدولي بسمة الفوضى ، ويغتصب الأفراد أمنهم. من هنا تلح
الضرورة الى اعادة الاعتبار للرأي العـام العالمي ، و الالتفاف حول المكونات
الناظمة لعمل المجتمع المدني الدولــي والمحلي على السواء ، و دعم المنظمات غير
الحكومية الناشطة في ميادين : البيئة ، امتصاص الفقر ، العدالـة الاقتصادية و
السياسية وضمـان احترام حقوق الإنســان ، و حريـات التعبير و الصحافة ، بث روح
الجدة و التغيير في دور الأمم المتحدة حرصا على إيجاد سلطة عليا آمرة فوق الدول
، و التوزيع العادل للقوة بين جميع الدول بما في ذلك التأثير السياسي والفرص
الاقتصادية ، احترام السيادة ، كنوع من الرهان الجديد لحماية الأفراد ، و
التأثير الإيجابي على الرأي العام العالمي ، و التخطيط لتأطيره بدل استغلالــه
المزدوج وترك الجمل بما حمل ، للفاعل الارهابــي المجنون و إنعاش حالــة
الطبيعـة من جديـد في ظل الثنائية القطبية الجديدة : الارهاب و العولمة بعد أن
انتهى زمن السلام النووي . |