|
From : samiroff@hotmail.com
Sent : Sunday, July 10, 2005 6:44 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject :
تحليل لقضية مقتل
السفير المصري في العراق
بقلم: سمير عبيد
قبل البدء بتحليل مسألة مقتل السفير المصري المرحوم ( إيهاب الشريف) في العراق
يجب أن نشير ودون مجاملة إن المٌسبب الأول لمقتله هي الحكومة المصرية والإدارة
الأميركية وقواتها المحتلة في العراق، حيث جاء مقتل الشريف فرصة للنظام في مصر
كي تفلت رقبته من أصابع الجماهير المصرية الثائرة عبر المسيرات والمظاهرات
والمؤتمرات التي تنادي بالإصلاح وتعديل الدستور ورفع حالة الطوارىء، لأن الشارع
المصري والدهاليز السياسية في مصر أصبحت مشغولة بهذا الحدث الجلل، وبنفس الوقت
جاء مقتل الشريف فرصة على طبق من فضة إلى بعض الحكومات العربية التي تتعرض
للضغط الأميركي الشديد من أجل إرسال بعثاتها الدبلوماسية نحو العراق، حيث أصبحت
حجتها الخوف من الاختطاف والقتل، وخصوصا الحكومات التي لازال فيها نفسا عروبيا
وقوميا.
ومن الجهة الأخرى ذهب الشريف ضحية تنافس داخل العراق بين دولة إقليمية مجاورة
للعراق تريد هيمنتها على العراق وشؤون العراق وبين مصر التي تريد فرض هيمنتها
على الملف العراقي من خلال قيادتها لخطة (طريق) بإيعاز وضغط أميركي، وباتفاق مع
بعض الأطراف السياسية العراقية، ومنها الطرف العلماني المنفتح والمتبقي من
بقايا حزب البعث بقيادة الدكتور علاوي، و الذي ذهب مجبرا نحو مصر كون خارطة
الطريق كانت من حصة الأردن وقيادة الملك عبد الله الثاني، ولكن الولايات
المتحدة على ما يبدو أبعدت الأردن عن خطة الطريق العراقية لتكون مصر على رأس
هذه الخطة كونها الدولة العربية الكبرى، والتي أصبحت لها خبرة في بسط خرائط
الطريق حيث هي التي تشرف على خطة الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين ومنذ مدة
طويلة، وتمتلك مصر قوات عسكرية ضخمة، وإمكانيات إستخبارية هائلة، إضافة إنها لا
تمتلك علاقات دبلوماسية قوية مع الدولة الإقليمية التي غزت العراق من تحت عباءة
الولايات المتحدة الأميركية والتي أصبحت أقوى من الأخيرة داخل العراق، وكذلك
غير قريبة كالأردن والتي بإمكان تلك الدولة الإقليمية تغيير الأوضاع في الأردن
بغضون أسابيع لقربها من العراق، لهذا أرادت الولايات المتحدة إبعاد الأردن عن
شر تلك الدولة الإقليمية التي تشعر بالزهو هذه الأيام، خصوصا بعد التغيرات
السياسية الأخيرة والتي حدثت في تركيبتها السياسية العليا.
لهذا تم التحرك لإحياء فكرة إرسال القوات العربية والإسلامية والتي طفت على
السطح في أواخر أيام (مجلس الحكم) سيء الصيت وبداية الحكومة المؤقتة بقيادة
الدكتور علاوي، والتي من أجلها قام الأخير بجولة عربية وإسلامية، وحصل على
أثرها تبرعا بقيمة ( مليار دولار) من الحكومة السعودية، وأسلحة بقيمة ( مليار
دولار) تقريبا من الأمارات العربية، وحصل على تحلحل في الموقف المصري حينها،
والذي كان يميل إلى القبول، وكذلك دولة الباكستان، ولكن خطف الدبلوماسي المصري
آنذاك السيد (محمد قطب) من قبل مجموعة كانت تطلق على نفسها ( جماعة أسد اللة)
والتي كانت تطالب بموقف رسمي من مصر تعلن فيه إلغاء فكرة إرسالها قوات مصرية
إلى العراق، وبالفعل صرح وزير الخارجية المصري ( أبو الغيط) في حينها وقال ( لن
نرسل قوات مصرية إلى العراق) وتم إطلاق سراح السيد قطب قبل عام من هذا التاريخ
تقريبا.
وتميعت الفكرة ونٌسيت تقريبا خصوصا بعد المعارك الدامية التي قامت بها قوات
الاحتلال ضد بعض المدن ومنها النجف والفلوجة وغيرهما، وشاركتها فيها الحكومة
المؤقتة بقيادة علاوي، والتي سببت زيادة العنف في العراق، مثلما سببت الجفاء
الكبير بين الشعب العراقي وحكومة علاوي وكثير من السياسيين العراقيين، حتى جاءت
الانتخابات العراقية التي أمر بها الرئيس الأميركي جورج بوش في 30/1/2005 والتي
تم إجراءها على الطريقة الإسرائيلية ( حسب نظام القائمة الواحدة) والتي
اُستخدمت فيها الحيّل الدينية والسياسية، ووسائل الترهيب والترغيب، حينها تمكنت
مجموعة السيستاني ( الائتلاف) من الفوز وتشكيل الحكومة حسب مبدأ التقسيط مشاركة
مع الأكراد، وبعد شد وجذب ومماطلات فضيعة تم اختيار الإسلامي الدكتور إبراهيم
الجعفري رئيسا لها.
ولكن العنف أصبح أضعاف ما كان عليه في فترة حكومة علاوي من جانب، وأصبح التعذيب
في السجون العلنية والسرية حديث العالم والصحافة الأجنبية، وملاحقة الخصوم
السياسيين، وزيادة وتيرة الاغتيالات بحق الكفاءات العراقية والخصوم السياسيين
ناهيك عن التناحر الطائفي أصبح سمة المرحلة ولا زال الوضع ينتقل من سيء إلى
أسوأ من الجانب الآخر، وفي هذه الفترة تم رصد زيادة كبيرة في العمليات العسكرية
والتفجيرات الموجعة و التي قامت و تقوم بها المقاومة العراقية ضد قوات ومقرات
الاحتلال، مما سببت خسائر كبيرة في صفوف القوات الأميركية، وجاء التزامن مع
التحرك السياسي الضاغط على الرئيس الأميركية بقيادة (128) نائبا من نواب
الكونغرس الأميركي يطالبون من خلالها بجدولة انسحاب القوات الأميركية من
العراق، وحيث أصبحت نسبة الأميركيين الرافضين لبقاء القوات وغير الراضين على
سياسات الرئيس الأميركي ولأول مرة 56%، كما هناك استطلاع أخير وهو الذي يُعتبر
من أخطر الاستطلاعات والذي تحدثت عنه صحيفة ( لواشنطن بوست) بتاريخ 6/7/2005
وقالت ( إن أكثر من 4 من كل 10 أميركيين يرون أن على الكونغرس أن يدرس توبيخ
الرئيس جورج بوش، إذا لم يقل الحقيقة في شأن الأسباب التي حدت به إلى الذهاب
للحرب على العراق)، وطبقا لنتيجة الاستطلاع الذي أجري في نهاية يونيو/ حزيران
وبداية يوليو/ تموز 2005 فأن 42% من الأميركيين قالوا ( إنهم يفضلون أن يحاكم
الكونغرس جورج بوش إذا ثبت إنه ضلل الشعب الأميركي في شأن مبرراته لغزو العراق،
كل هذه التداعيات جعلت الولايات المتحدة تتخبط في العراق تارة تريد التفاوض مع
المقاومة، وتارة تضغط على العرب لمساعدتها في العراق، وتارة تريد إحراق العراق
ولن تنسحب، مما ولد وضعا مشحونا ومخيفا ،جاء قربانه الأول المرحوم السفير
المصري إيهاب الشريف!.
لهذا لم يبق أمام الولايات المتحدة إلا التفكير بالإنسجاب من العراق، ولكن لا
تريد الولايات المتحدة أن تسلّم الأمور إلى الأمم المتحدة في العراق أو إلى
الإتحاد الأوربي، بل تريد أن تبقى هي المهيمنة على الوضع العراقي من خلال (
خارطة الطريق.. التي تضمن لواشنطن الإبقاء على 6 قواعد أميركية في العراق) هي
ترسمها للخروج من العراق، وذلك من خلال استقدام قوات عربية وإسلامية، خصوصا
عندما تم اكتشاف كذبة حوار الولايات المتحدة مع المقاومة العراقية، ولهذا ضغطت
الولايات المتحدة على مصر وبشدة مستغلة ترنح النظام المصري أمام الشعب، خصوصا
والنظام في مصر بحاجة إلى ( الأوكسجين) بعد أن أحس بالاختناق من قبل الجماهير
الثائرة في الشوارع والجامعات والمساجد، لهذا اعتبرها النظام في مصر فرصة قادمة
من السماء، فقرر إرسال المرحوم ( إيهاب الشريف) ليكون على رأس البعثة المصرية
بمرتبة سفير، وهو التمثيل العربي والمصري الأول والذي جاء ( بهذا الحجم) ومنذ
سقوط النظام في العراق، وفعلا وصل المغدور السيد ( أيهاب صلاح الدين الشريف)
إلى بغداد وحصل على هويته من دائرة المراسيم التابعة لوزارة الخارجية العراقية
تحت الرقم 240 في 6/6/2005 ، والذي تصاحب مع بيانات وأقوال للمسئولين المصرين
والذي قالوا من خلالها ( مصر عازمة على رفع درجة تمثيلها الدبلوماسي في العراق)
وذلك يبدو بضغط أميركي واضح، والغرض منه للاستهلاك العالمي والعربي،و كي يبادر
العرب بإرسال بعثاتهم نحو العراق، وللدعاية التي يستفيد منها الرئيس الأميركي
أمام الشعب الأميركي والعالم، ولكن الموت كان باستقبال الشريف حيث أحست بعض
القوى السياسية العراقية بالخطر على مستقبلها السياسي والنفعي، وكذلك الطرف
الإقليمي الذي أشرنا له في بداية المقال، والذي يمتلك جيشا سريا ومخابرات
منتشرة في العراق، ناهيك إن له في العراق أطرافا مهمة في المعادلة السياسية
العراقية، لهذا ربما باشرت المجموعات الموالية لتلك الدولة وبأوامرها بتصفية
السفير الشريف، والذي من خلاله تم قطع الطريق على التدخل المصري المُراد منه أن
يكون ضد ذلك التغلغل التابع لتلك الدولة الإقليمية، والتي تريد إخراج العراق من
محيطه العربي والقومي، فكيف تسمح لمصر أن تأخذ العراق منها لتبقيه في المحيط
العربي والقومي، فراح (الشريف) ضحية صراع بين تلك الدولة ومصر، خصوصا وتلك
الدولة شبعت توسلا بمصر ولسنوات من أجل أعادة العلاقات الدبلوماسية على مستوى
السفراء، ولكن مصر لم توافق على الرغم من التنازلات التي قدمتها تلك الدولة
لمصر، ومنها إزالة أسم أحد الإسلاميين من شوارعها وتنازلات أخرى، لهذا ربما جاء
الثأر وبتوقيت عصيب.
أما مسألة بيانات (الإنترنيت) الإسلامية فهذه لعبة من ألاعيب القوى الدولية
ودوائر المخابرات الإقليمية والعالمية ولا يصدقها عاقل، فكيف بالأجهزة
الأميركية والأوربية التي تمسك شخصا في أوربا أو في آسيا أو في أفريقيا لمجرد
مكالمة هاتفية، أو لمجرد إرسال ( أس أم أس)، فكيف لا تعرف موقع ومكان وأسم
الشركة التي تم تسجيل تلك المواقع بها والتي تنشر البيانات والصور والسيوف
والحِراب، فهل يُعقل هذا، وهل يقبلها عاقل!!؟...
وحتى لو نظرنا إلى اختيار السفيرين أو الدبلوماسيين الآخرين، واللذين تعرضا إلى
الاعتداء، وهما (البحريني والباكستاني) فجاءت بطريقة تمويه الغرض منها ( سني
وشيعي) كي لا يتم تحديد الجهة التي قامت بخطف الشريف وقتله، وحتى عملية القتل
تدخل في خانة المزايدات السياسية أيضا، وبين الطرف الإقليمي الذي أشرنا له
والذي دفع بأطراف الحكومة العراقية الحالية ومن أعلى المستويات باتهام (الشريف)
كان على علاقة مع المتمردين أو الإرهابيين على حد قولهم وبين الطرف المصري.
وهذا يعطينا إشارة لو صدقت الحكومة العراقية أن الشريف كان مكلفا برسم خارطة
الطريق التي تريدها الولايات المتحدة، والتي أشرنا لها وتحدثت عنها بعض المراكز
الإستراتيجية الأوربية، والتي تمهد لقدوم قوات عربية، وهذا لا تريده إطلاقا بعض
القوى السياسية العراقية التي تطارد كل ما هو عربي في العراق، والذي لا تريده
أيضا تلك الدولة الإقليمية التي لم تصدق أنها وصلت إلى ما وصلت إليه داخل
العراق، فكيف تتنازل عنه بسهولة ولأجل الشريف أو مبارك أو بوش أو رايس.
فالقضية أعقد مما نتصور، فلو لاحقنا الخبر الذي خرج عن قيادات قوات الاحتلال في
العراق والذي قالوا من خلاله ( إنهم سيباشرون بحماية البعثات الدبلوماسية) جاء
رد الحكومة العراقية بعد 24 ساعة من إعلان القوات الأميركية وعلى لسان رئيس
الوزراء الجعفري بأن الحكومة العراقية هي المسئولة عن حماية البعثات
الدبلوماسية، وسوف تباشر في ذلك، و هذا دليل إن هناك مزايدات سياسية بين
الولايات المتحدة والحكومة العراقية التي بين أعضائها من ( المتنفذين) والذين
يأخذون أوامرهم من تلك الدولة الإقليمية، أي هي مزايدات بين أميركا وتلك الدولة
الإقليمية داخل العراق، ومن هنا جاء القلق الإسرائيلي والذي نشرت عنه صحيفة (
أيديعوت إحرونوت) أخيرا، حيث هناك قلق كبير في جهاز الأمن الإسرائيلي (
الشاباك) بأن السفير المغدور ( الشريف) ربما أوصل معلومات إلى خاطفيه من خلال
التحقيق معه قبل تنفيذ جريمة القتل، وذلك حول أسرار وخرائط بعض الدوائر
الإسرائيلية والتي زارها عندما كان قائما بالأعمال في إسرائيل.
لهذا فمقتل السفير المصري في العراق أصبح حجة لبعض الدول بأنها لن ترسل بعثاتها
إلى العراق، وقسما منها قرر نقل بعثاته الدبلوماسية من بغداد إلى عمان نتيجة
الانهيار الأمني هناك، وهنا نستطيع القول إن مقررات مؤتمر ( بروكسل) الأخير
أصبحت في مهب الريح خصوصا وإن في هذا المؤتمر تعرضت الدول العربية إلى انتقادات
شديدة من قبل الولايات المتحدة، كون رؤساء تلك الدول لم يرسلوا السفراء إلى
بغداد، ولم يتحركوا حول فكرة إرسال قوات عربية وإسلامية إلى العراق، ونستطيع
القول إن العربية السعودية التي تبرعت بمليار دولار آخر في مؤتمر بروكسل ذهب
إلى جيوب المافيات العراقية والأميركية في بغداد في حالة إن هذا المبلغ تم صرفه
في الحال.
في الختام نكاد نجزم إن المقاومة العراقية بريئة من مقتل السفير المصري كونها
تحرص على العلاقات العربية وبالتحديد المصرية، وأنها ليست بصدد قتل أحد بل
هدفها قوات الاحتلال فقط، ومن يقوم بتفجير المدارس والمؤسسات وقتل الأبرياء هي
الخلايا التي شكلتها قوات الاحتلال والسفارة الأميركية في بغداد وبعض المخابرات
العربية والإقليمية، وكذلك نكاد نجزم إن هناك أطرافا في الحكومة العراقية تعرف
الجهة التي نفذت الخطف وربما القتل أو البيع إلى جهات متشددة ووافدة إلى العراق
كي تقوم بعملية القتل البشعة والمرفوضة أخلاقيا ودينيا، ويبقى احتمال قيام تلك
الدولة الإقليمية بالمهمة بطريقة مباشرة أو عن طريق خلاياها داخل العراق، وربما
دون علم الحكومة العراقية.
رحم الله القتيل...وساعد اللة ذويه...!
كاتب ومحلل سياسي عراقي |