عند الاختبار.........تحدث الصحوة !!!
د. طلال الشريف
عضو اللجنة التنسيقية في "المبادرة الوطنية الفلسطينية"
03/24/2009




وأنا اقلب الصفحات الكثيرة التي جمعتها من الانترنت, ومن التحليلات الصحفية لمدة شهرين بخصوص خطة "شارون- غزة" أي بمعني أننا أمام خطة ليست من النمط المعتاد عليه في السنوات السابقة, حيث أغلب الخطط والتفاهمات كانت تطلق بأسماء الأشخاص المتفقين أو الموقعين عليها, وأحياناً باسم مكان الاجتماع السري أو العلني الذي جرت فيه, وما أكثرها في العقد الماضي. ولذلك فالحدث, غزاوي- فلسطيني وشاروني إسرائيلي. وقصة شارون وغزة لها مدلولات تاريخية وتحديات القوة والصمود دائماً. يهزمنا مرة ونهزمه مرات.

وعلي رأي حماس هذه المرة إذا جاز الاقتباس فهو ينسحب تحت وطأة المقاومة, يجرجر أذيال الهزيمة, ولذلك مطلوب من حماس الحذر في هذه الحالة من نفسية المهزوم شارون للحفاظ علي هذا النصر, ومطلوب التصرف داخلياً بمسئولية المنتصر, مادامت تركت نصرها للسلطة للتعامل مع الحال, ولم ترد المشاركة في حكومة وحدة وطنية وفضلت دور المراقب.

وعلي رأي وذمة المحللين الإسرائيليين, و بعض الحكماء, والمثقفين, والسياسيين الفلسطينيين, أن هذا ليس نصراً, بل هو في سياق مخطط الاستيلاء علي الضفة الغربية, والتخلص من الكم البشري المشاغب في دولة غزة الحمساوية.

وعلي ذمة المحللين الأمريكان والأوربيين ومعهم أمنيات العرب المهتمين أو المجبرين علي الاهتمام بفلسطين, أن هذا ليس نصراً ولا هزيمة, بل هو خطوة يمكن دمجها في خريطة الطريق, إذا أثبت الفلسطينيون حسن سيرهم وسلوكهم, وحافظوا علي أمن إسرائيل في فترة اختبار غير محددة المعالم.

وعلي ذمة المحللين السلطويين, أنهم لا يعرفون إن كان هذا نصر أو هزيمة. وهم لا يعرفون تفاصيل, وليس لديهم معلومات, وهم غير متأكدين, إن كان هذا جزء من خارطة الطريق, أم ضمن مخطط إنهاء الصراع بدولة غزة. وهم منشغلين ومهمومين فيما يعم من فلتان يوحي بالفوضى الكبرى. وفيما قد تؤول إليه الأمور بعد الانسحاب, وهل سينجحون في إدارة البلاد فتزداد أسهمهم في الشارع الفلسطيني, ويستعيدوا التفوق علي حماس, أم ستدب الفوضى بفعل حماس, أو غير حماس, فتكون الضربة القاضية التي تنتصر فيها حماس الجاهزة والموحدة لتسلم السلطة في هذه الأثناء كما يحدث في أفريقيا, وأوروبا الشرقية إما بحكم الواقع, أو حتى بصندوق الانتخابات, ولا فرق بينهما في منطق الربح والخسارة الحزبية, في تسلم مقاليد السلطة عندما تتوفر الظروف.

وفي هذا المنعطف وهذه الاختلافات في قراءة الحدث القادم, يحار المرء في كيفية عبور هذا الجسر, وكيف وضع شارون علي الأقل أهل غزة علي هذا المحك المصيري, الذي طالما تمناه وخطط له منذ السبعينات عندما دمر نصف بيوت مخيمات غزة, وحاول قصم ظهر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي كانت تحكم غزة بالنهار ويحكمها شارون بالليل, لكنه لم يستطع استأصالها.

نعم المطلوب التعاطي مع الحدث والإعداد له أياً كانت الظروف, أو أن نجلس جميعاً وننتظر وهذا مرفوض وغير منطقي, لكن العمل بمنطق الصالح العام, وليس المنطق الفئوي, إذا أردنا أن ننجح ونهزم شارون من جديد. لا أن تخرج علينا السلطة باقتراحات لصالح أزمتها وتضعنا في كل مرة أمام الأمر الواقع, وسوء الظروف, وسيف الوقت, لماذا تضيع الوقت الطويل دون إجراء انتخابات وإصلاحات ومشاركة حقيقية للآخرين وتنفرد وتهيمن. ثم تأتي باقتراحات غير منطقية وفي أوقات وظروف غير منطقية. كان الأجدر أن تكون قيادة وحدة وطنية منذ سنوات وتوافقت عليها كل الأحزاب والفصائل. ولماذا تطلب من حماس, وحماس ترفض المشاركة في حكومة وحدة وطنية وكأنها سيارة الإسعاف لإنقاذ الوضع, ولماذا التركيز علي حماس, وترك الكم الوطني الكبير دون اعتبار, وكأنه ملحق بمعادلة القوة والتسلح, وكان الأجدر أن تستجيب السلطة وحزبها للتوافق الوطني في قيادة الوحدة الوطنية التي طرحتها المبادرة الوطنية.

وكان الأجدر أن يطرح الرئيس أبو مازن قيادة الوحدة الوطنية. أما وقد جاء الطرح من رئيس الوزراء فكان من الأجدر أن يطرح برنامج سياسي وطني, واجتماعي يتمسك بالثوابت الوطنية ويجدول الإصلاح واستقلال القضاء, وتوفير الأمن والأمان للمواطنين, وإسناد صمود الناس. هذا أولاً وثانياً أن يعرض هذا البرنامج بشكل رسمي علي القوي والأحزاب, لا أن تعرض ذلك علي حماس, وتترك الآخرين بنفس العقلية التي أنتجت كل الإشكاليات التي يخشونها الآن.

إن ما يعزي المرء في هذه الأثناء من التخبط, والفلتان أمام شارون أن شعبنا يصحصح جيداً عند الاختبار ويعرف طريقه بطريقة فطرية إلي جانب الخبرة, والتاريخ النضالي الطويل له, ويتصرف في الاتجاه الصحيح أفضل مما يرسم قادته دائما,ً ويتقدم عليهم برؤيته للواقع والتعامل معه, وهو فجأةً سينضبط ليلة الانسحاب, ولن يحدث الاقتتال والفوضى, ولن يدخل أحداً إلي مكان ليس ملكه, ولن يسرق باباً أو شباكا, ولن تصوره عدسات التلفزيون التي تحسبون لها كثيراً أيها الساسة, وأنا أراهن علي شعبنا.

وعند الانسحاب سيكون المواطنون الغزاويون شعباً واحداً, ولن يكونوا أفراداً أو عصابات كما يحلوا للجميع الحديث عن ذلك. وهذا الخوف والتهويل هو تغطية علي سوء الإدارة, والإرباك الحاصل لدي أصحاب المنافع, والمصالح الخائفين علي مصالحهم عند أي تغيير, وما علي المسئولين إلا فعل ما هو مطلوب منهم, وسيجدون هذا الشعب أكبر بكثير مما هم يتصورون.

وفي الختام أقول إن معركة غزة مع شارون لها مدلولات أكبر مما يفكر فيه السياسيون, ولن يسمح الغزاويون لشارون أن ينتصر عليهم بالفوضى, كما لم يسمحوا له من قبل, فنحن نعرف شعب غزة, لأننا نحن الجالسون في غزة منذ خمسين عاماً, وبتواصل لم ينقطع, وغزة هذه صخرة ملساء, وعلي الجميع الحذر وهو يتسلقها كما أطلق عليها شاعرنا الكبير محمود درويش أطال الله في عمره.