|
القانون
الأوربي في تنامي ظاهرة الإرهاب
أحمد أبو مطر
07/09/2005
إنشغلت المحاكم في عدة عواصم غربية وإسكندينافية في الشهور القليلة الماضية ،
بعدة قضايا ذات علاقة بالإرهاب الموجه نحو أهداف مدنية ، وفي الوقت ذاته إنشغل
الإعلام الأوربي بمرونة أو رخاوة القوانين الأوربية التي لا تسمح بمواجهة حاسمة
مع الأفراد والخلايا التي تعيش في العديد من الدول الأوربية ، مستغلة قوانين
الإثباتات الصارمة وقوانين الحقوق المدنية إلى جانب الخلل في تركيبة القوانين
الخاصة بمكافحة الإرهاب ، مما أفشل العديد من القضايا القانونية ضد مقيمين عرب
ومسلمين ، كافة الأدلة المقدمة ضدهم تدينهم بشكل واضح ، إلا أن صرامة التطبيق
الميداني لقوانين الإدانة حال دون الحكم عليهم ، وهذا ما حدى ببعض المحللين إلى
القول عن السويد مثلا ( أنها اصبحت جنة للقضايا الموجهة ضد من يزعم أنهم
إرهابيون مسلمون ) ، وذلك على هامش المداولات في المجكمة الخاصة بمواطنين
عراقيين ( علي برزنجي و فرمان عبدالله ) في أبريل الماضي ، بتهمة التغطية
المالية لمجموعات إرهابية في العراق من خلال عملية ( الحوالة البنكية غير
القانونية ) ، وكانت تلك التغطية المالية السبب في التهيئة والإعداد والقيام
بعملية إرهابية في شمال العراق في فبراير الماضي ، أدت إلى قتل مايزيد عن مائة
مواطن عادي أثناء ذهابهم لأعمالهم أو تجوالهم في الأسواق لقضاء شؤون حياتهم
اليومية ، وأثناء المداولات أعرب المدعون العامون السويديون عن أمل ضئيل بالحكم
عليهم نتيجة صرامة قوانين الإدانة الأوربية ، التي تسمح للعديد من المدانين
فعلا بالإفلات من الحكم عليهم ، ليعودوا لإرتكاب نفس الأعمال الإرهابية مرة
ثانية وثالثة ، في حين أن الغالبية من هؤلاء جاءوا إلى تلك الدول الأوربية
هروبا من القمع والإستبداد في أوطانهم ، حيث يسجن الشخص بدون أية أدلة ولمجرد
الوشاية ، وبالتالي فإن إستغلالهم لسماحة وتراخي القوانين الأوربية ، واضح
ومقصود ، كما حصل أيضا في بداية أبريل الماضي ، حيث أظطرت محكمة في برلين
لتبرئة التونسي ( إحسان غرنوي ) الذي كان متهما بمحاولة تشكيل مجموعة إرهابية
في ألمانيا ، بهدف القيام بعمليات ضد اهداف أمريكية وإسرائيلية هناك ، وفي
الوقت ذاته الذي فشل فيه الإدعاء الألماني في تثبيت التهم ضد ( إحسان غرنوي ) ،
قررت محكمة هولندية في روتردام تبرئة ( سمير عزوز ) ، الهولندي من أصل مغربي ،
والبالغ من العمر ثمانية عشر عاما ، والذي كان متهما بالتخطيط لهجمات ضد مكاتب
للحكومة الهولندية وضد مفاعل نووي و مطار هولندي .
وفي كلا القضيتين الألمانية والهولندية ، كان الإدعاء العام يملك دلائل قوية
على نية إستخدام العنف لدى المتهمين ، خاصة أن الشرطة الهولندية كانت قد وجدت
خرائط تفصيلية لمبان محلية مع ملاحظات حول الإجراءات الأمنية لنلك المباني ،
كذلك وجدوا مواد لصنع المتفجرات و خراطيش بنادق في منزل سمير عزوز . أما تفتيش
منزل غرناوي ، فقد كشف عن وجود توصيفات لصنع القنابل وآلات التفجير عن بعد ،
كما أثبتت الحكومة الألمانية أن غرناوي ، قد قام بإستخدام جوازات سفر برتغالية
مزورة ، وأنه كان قد سافر إلى أفغانستان للتدريب هناك عام 2001 . ورغم كل هذه
الإثباتات المدينة ، إلا أن القاضي (فرانك ميكائيل ليبيرا ) ، وجد الإثباتات ضد
غرناوي غير قوية ، رغم قوله أنه متأكد ( من أنّ المتهم لم يكن قد فكّر أفكارا
شيطانية فقط ، بل نوى أن ينفذ أفكاره أيضا ) ، ورغم ذلك لم يصدر حكم إدانة بحقه
، لأن الأدلة غير كافية . وفي كلا القضيتين ضعفت قضية الإدعاء ، لأنها تذبذبت
بين ( النية على إرتكاب جريمة ) و ( إرتكاب فعلي للجريمة ) ، وقد كان تعقيب (
كلاود موني كويت ) ، العضو في مركز الأستخبارات الإستراتيجية والأمن الأوربي في
بروكسل ( أنه في وضع القوانين الحالي في دول أوربا الغربية ، لا يمكن إدانة
المتهمين في قضايا الإرهاب ، إلا في حالة أن الجريمة قد بدأت فعلا في التنفيذ
).
لقد أثبتت سلطات تنفيذ وتقوية القوانين في أوربا ، مقدرتها المتصاعدة غلى كشف
وإعاقة تنفيذ خطط إرهابية جديدة ، خاصة بعد كشف خلية هامبورج التي أنتجت منفذي
عملية الحادي عشر من سبتمبر ، لكنه يثبت أن الإكتشاف المبكر أو المسبق للعمليات
الإرهابية هو في حد ذاته السبب المباشر لعدم تمكن السلطات القضائية الأوربية من
إدانة المتهمين ، وهذا في حد ذاته مدعاة للسخرية ، فالنية والإستعداد والقرار
للقيام بالعملية الإرهابية موجود ، ولكن كونها لم تدخل حيز التنفيذ فهذا يضعف
إمكانية إدانة المتهم ، وقد عقّب القانوني الهولندي ( مكسيم فير هاجين ) على
قرار تبرئة ( عزوز ) قائلا : ( لو أن الذين نفذّوا هجمات الحادي عشر من سبتمبر
الإرهابية ، كانوا قد أعتقلوا في هولندا قبل التنفيذ ، هل كانوا سيدانون أم لا
؟؟؟. ) .
إزاء ذلك يقوم القانوني ( مكسيم هاجين ) وهو من الحزب الديمقراطي المسيحي
الهولندي بالنظر في تعديل وتوسيع قوانين مكافحة الإرهاب في هولندا ، ويؤيده في
ذلك حزب ( في في دي ) ، وفي ألمانيا يحاول بعض المختصين القانونيين تجريم
الإنتماء إلى أية محموعة راديكالية إسلامية ، سواء كانت المجموعة نشطة في
التخطيط لعمليات إرهابية أم لا !!. و يجادل ( كاي هيرشك ماون ) المتخصص في شؤون
مكافحة الإرهاب بأنه ( من الضروري أن نتمكن من إدانة أشخاص لمجرد إنتمائهم
وإعتقادهم بأيدولوجية الجهاد ، لأنهم يتحولوا أوتوماتيكيا لممارسة العنف ) ،
ويعتمد في ذلك على قوانين ألمانية موجودة ، تسهّل سنّ مثل هذا القانون ، إذ أن
القانون الألماني منذ عدة عقود يعتبر الإنتماء إلى أي تنظيم نازي جريمة يعاقب
عليها القانون . وضمن السياق المدين للتفكير بالإرهاب ، بالنسبة للسلطات
الأمنية في قضيتي ( غرناوي و عزوز ) ، أعتبر عدم الإفراج عنهما أمرا إيجابيا ،
فرغم أن الإتهامات الأخطر سقطت عنهما ، إلا أنه حكم عليهما بالسجن لقضايا أقل
أهمية ، فقد تمت إدانة ( غرناوي ) بحيازة غير قانونية للسلاح والتهرب من
الضرائب ، وحكم عليه بالسجن أربع سنوات ، أمّا ( عزوز ) فقد حكم بالسجن ثلاثة
شهور لحيازته غير القانونية للسلاح .
إزاء ذلك ، نستطيع القول أن العديد من العرب والمسلمين ، الذين لجأوا إلى أوربا
هربا من قمع وطغيان سلطات بلادهم ، إستغلوا الحرية والأمن اللذين توفرا لهم في
الأقطار الأوربية ، للإساءة لهذه المجتمعات وتهديد أمنها وترويع مواطنيها ، وفي
الوقت ذاته الإساءة إلى الدين الإسلامي العظيم الذي ينتمون إليه ، ولم يعد يفيد
أن نستنكر عقب كل عملية من هؤلاء ، ونقول : إن الإسلام لا يجيز فعلهم الإرهابي
...صحيح أن الإسلام لا يجيز ذلك ، ولكن تكرار هذه العمليات الإرهابية التي
تتجاوز قوانين هذه البلاد من عرب و مسلمين ، من شأنه تشويه صورة الإسلام ، خاصة
في ظل فئة ضالة تدعو للعنف في بلدان أوربا على إعتبار أنها بلدان كفر و كفار ،
ويغلب صوت هذه الفئة الضالة على صوت الأئمة العقلاء الذين يقولون بضرورة إحترام
المسلم للقوانين والعهود التي على أساسها دخل هذه البلاد ، وأقام فيها متوفرا
له الأمن والأمان والرعاية الإجتماعية والصحية ، وهو أساسا هارب من قمع سلطات
بلاده وجورها وعنفها وتجويعها وتجهيلها للملايين من شعوبها ... وضمن نفس سياق
الخوف والرعب من هؤلاء لدى السلطات الأمنية الأوربية ، وقعّت في السابع
والعشرين من مايو الماضي ، سبعة دول أوربية في إجتماع عقد في ألمانيا على إتفاق
شنغين الذي يقضي بتعزيز التعاون بينها في مجال مكافحة الإرهاب ، من خلال تبادل
المعلومات المتعلقة بالبصمات الرقمية والوراثية ، كما إتفقت الدول المذكورة (
فرنسا ، ألمانيا ، بلجيكا ، هولندا ، النمسا ، أسبانيا ، و لوكسمبورج ) على
مكافحة الهجرة غير الشرعية والجرائم المرتكبة عبر الحدود ، وإعتبر (دومينيك دو
فيلبان ) وزير الداخلية الفرنسية ، هذه الإتفاقية بمثابة وثبة تكنولوجية من
شأنها الكشف عن أصحاب السوابق الذين يخفون هوياتهم الحقيقية ، وإعتبرها وزير
الداخلية الألماني خطوة مهمة تسمح بتبادل المعلومات عن الخلايا الإرهابية التي
تدربت للقيام بعمليات في ألمانيا مع إقتراب دورة كأس العالم لكرة القدم عام
2006 التي تستضيفها بلاده .
ولاحقا لقضية المواطنين العراقيين من حملة الجنسية السويدية ، أصدرت المحكمة
السويدية المختصة في ستوكهولم ، في الإسبوع الثاني من شهر مايو الماضي ، حكما
بإدانتهما بتهمة تمويل منظمات إرهابية ، حيث حكم عليهما بالسجن سبع سنوات ،
وتجريدهما من الجنسية السويدية وطردهما من السويد ، بعد إنتهاء فترة
سجنهما...وهكذا فإن هذه المجموعات والأفراد الإرهابيين ، سيفرضوا مزيدا من
التشدد في القوانين الأوربية ، ومزيدا من التشدد في قوانين الهجرة واللجوء ،
وهم بذلك تماما كما لعن المثل العربي ( الذي بصق في الصحن الذي شرب واكل منه )
، وهذا يطرح مجددا ذلك التساؤل : كيف يمارس العرب والمسلمون وجودهم وحياتهم في
الأقطار الغربية ؟؟؟. |