From : elmoghazy@gmx.de
Sent : Monday, July 4, 2005 5:47 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : هيكل ودوره في أحداث مايو 1971
 

أحداث مايو 1971
محمد حسنين هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
..
دراسة بقلــــــم : محمد فؤاد المغازي

 



مدخـــــل:

لقد أفردنا هذا الجزء في محاولة لدراسة دور الأستاذ محمد حسنين هيكل في مرحلة ما بعد رحيل جمال عبد الناصر، وذلك للعديد من الأسباب من بينها:

_ لقيمة المادة التاريخية التي أوردها محمد حسنين هيكل في مؤلفاته وتتعلق بمرحلة تاريخية لها سمات متميزة عما سبقها من مراحل تاريخية وما تبعها من متغيرات أساسية. فمؤلفات هيكل تغطي الفترات الزمنية ذات الصلة بهذه الدراسة:

المرحلة الأولى من وفاة ناصر في 28/9/1970 حتى إبعاده عن جريدة الأهرام يوم 31/1/1974.

المرحلة الثانية وتبدأ من خروجه من دائرة السلطة والصحافة إلى دائرة الكتابة حتى مقتل السادات في 6/10/1981، وظهور الحزب العربي الديمقراطي الناصري.

فكتابات هيكل هي أوسع الكتابات انتشارا وتوزيعا في العالم العربي. كذلك لم يكن دور هيكل محصورا في حدود مهنته كصحفي، وإنما كمشارك في أحداث تلك الحقبة التاريخية. لقد وصف الأستاذ هيكل دوره في تلك المرحلة التاريخية بقوله:" ذنبي أنني كنت شاهدا أتيح له أن يري ويسمع كل شئ، وكان في موقع يمكنه من هذا، والذين يخشون الحقيقة لابد لهم أن يتخلصوا من شهودها." ([1])


_ ففي فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر، لم يصدر عن هيكل كتابا واحدا، وبعد وفاة عبد الناصر صدر عنه عشرات الكتب، تحوى مادة تاريخية لاغني عنها لأي باحث يتناول دراسة الحقبة الناصرية وما بعدها، وذلك لقيمتها من ناحية الموضوع، ومن ناحية أخري لمكانة الكاتب.

_ والأهم من ذلك فإن الوثائق التي وردت في مؤلفات هيكل لم يتم تكذيبها _حتى الآن_ من قبل الأطراف أو القوي التي تناولتها إلا في النادر، مثل الاعترافات التي أوردها هيكل حول قضية مصطفي أمين والتجسس لحساب الولايات المتحدة الأمريكية، أو ما يخص السادات في علاقاته السرية بالآخرين، من هنا أصبح لمؤلفاته أهمية متميزة تفوق كل من كتب حول تلك الفترة التاريخية نفسها.

_ إضافة إلي كل هذا..أهمية ومحورية الدور الذي قام به محمد حسنين هيكل فيما جرى من أحداث مايو 1971..فدوره اتسم بالتميز عن بقية أدوار الآخرين الذين ساهموا بقدر ما في تثبيت السادات في منصبه.

ونتيجة لهذا الدور لقب محمد حسنين هيكل من قبل المحللين السياسيين والباحثين "بمهندس انقلاب 15 مايو 1971". هذا الدور الذي ساهم به هيكل في إسقاط القيادات الناصري وانفراد السادات بالسلطة، قد خلق عند السادات إحساسا بالحرج انعكس على علاقاته لاحقا بهيكل التي وصلت فيما بعد إلي حد القطيعة.

حول تلك العلاقة مع السادات كتب هيكل:"...كانت علاقتي بالسادات تختلف كثيرا عن علاقتي مع عبد الناصر لقد كنت طرفا في حوار مع عبد الناصر ولكن السادات الذي بدأ مرحبا بالحوار. قد انتهى بأن لم يعد طرفا في الحوار مع أحد لا معي ولا مع غيري. وربما كان يشعر بالفارق بين علاقتي به وعلاقتي بعبد الناصر، وربما كان إحساسه بأنني لعبت دورا في توليه السلطة لم يكن يعطيه سعادة. فالإنسان عادة لا يسعد بأن يكون مدينا لأحد." ([2])

_ وكنتيجة لكفاءة هيكل كصحفي، وعلاقته القريبة جدا بالرئيس جمال عبد الناصر، فقد ساهمت الكفاءة..والعلاقة في أن يصبح محمد حسنين هيكل واحدا من المشاركين في صناعة القرار السياسي سواء بصورة مباشرة أو بالحوار، أو بصياغة القرار، طوال فترة حكم الرئيس ناصر، ولأربعة أعوام من حكم الرئيس السادات.

وعلى الرغم من ترديد هيكل المتكرر بأن طموحه ظل مرتبطا ومحصورا في دائرة مهنته كصحفي، إلا أن هذا لا يلغي دوره السياسي في النظام الناصري. والدليل..ما ورد في شهادة الأستاذ أحمد بها الدين عن علاقة هيكل بالرئيس عبد الناصر، ودوره السياسي فيقول:" لم يكن هيكل أقرب الناس إلي عبد الناصر في أول الثورة، ولكنه صار بعد ذلك في تقديري أقرب الناس إليه على الإطلاق. وأبسط دليل أنه حين مرض عبد الناصر بأزمة قلبية عنيفة اقتضت منعه من العمل تماما، شكل لجنة تحكم البلاد باسمه كونها من شعراوي جمعة وزير الداخلية، وأمين هويدي وزير الحربية، وسامي شرف مدير مكتبه، ومحمد حسنين هيكل الذي كان لقبه الرسمي" رئيس تحرير الأهرام". ([3])

_ كذلك تفرد هيكل عن غيره من الوزراء الذين شاركوا في تلك المرحلة التاريخية..فهو الوحيد الذي نشرت استقالته من منصبه كوزير للإرشاد القومي المصري في جريدة الأهرام بتاريخ 19/10/1970، ونشر رد الرئيس السادات على طلب استقالة هيكل بتاريخ 19/10/1970، وتضمن رد الرئيس السادات عبارات التقدير لكفاءته ودوره:

" عزيزي الأستاذ محمد حسنين هيكل وزير الإرشاد القومي. تحية الإسلام مباركة طيبة وبعد: فلقد تلقيت كتابك وقرأته بكل عناية وتقدير، فليس أحب إلي في هذه الحياة من معني مثل معني الوفاء في كل صوره وألوانه من أجل ذلك فانه لا يسعني إلا أن أجيبك إلي طلبك أيها الصديق واثقا أن جهدك وقلمك سوف يظلان كما عودت زعيمنا الراحل أن يكونا في مكانهما من معركتنا المقدسة شاكرا ما بذلته من جهد خلال توليك الوزارة، داعيا لك المولي عز وجل أن يوفقك في مكانك الذي اخترته بإرادتك". ([4])

إضافة لتقدير السادات لدور هيكل..فإن التقدير في حد ذاته حمل معني صريح أن هيكل كان له حرية الاختيار، ومن جانب السادات معني الاستعداد بالاستجابة لمطلب هيكل!!!

_ إضافة إلي ما سبق، كان وما يزال هيكل يملك شبكة من العلاقات الواسعة بأهم الشخصيات (العربية والأجنبية) التي كان لها دورا بارزا في الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الثانية.

_ ثم يأتي تميز الأستاذ هيكل في التحليل والتعبير، فهيكل يعتمد أساسا على المنهج التاريخي في تحليل الأحداث، مستخدما أسلوبا سلسا يبتعد عن إقحام واستخدام المصطلحات المعقدة، والتي يكثر من استخدامها فئة المثقفين من الشيوعيين والنخب الدينية، وهو أسلوب يباعد بينهم وبين القارئ العادي. كما يتجنب هيكل الدخول مع الآخرين في خصومات شخصية، مبتعدا عن أسلوب التجريح للأفراد أو الأفكار، إلا في الحالات النادرة.

كل هذا وغيره، قد جعل من محمد حسنين هيكل وهو بعيد وخارج دائرة السلطة بشكلها المباشر أكثر تأثيرا وهو في بؤرتها، بحيث يمكن القول وبغير مبالغة أن آراء هيكل بالنسبة للقضايا السياسية المطروحة في المنطقة العربية ومصر، تفوق في أهميتها وتأثيرها أي مؤسسة رأى في العالم العربي.." قد تتفق أو تختلف مع هيكل السياسي، ولكنك لا بد أن تعجب بهيكل الصحافي. فهو آخر جيل من الصحافيين يعني بالشكل عنايته بالمضمون. وفي مصر اليوم حاكم و40 وزيرا…وهيكل واحد!." ([5])

في دراستنا قمنا بتجميع ما كتبه هيكل حول علاقاته بالقيادات الناصرية، ساعين بالبحث عن كشف أسباب الخلاف بين طرفين ينتميان بالإخلاص لعبد الناصر ودوره، وبالتمسك والدفاع عن المشروع الناصري، معتمدين على ما توفر لدينا من مصادر عن الطرفين سواء من خلال كتاباتهم أو الأحاديث الشخصية مع عدد من الشخصيات التي كانت قريبة أو مشاركة في الخلاف.

قضايا الخلاف بين هيكل والقيادات الناصرية..قبل أحداث مايو 1971:

لقد فرضت قدرات هيكل الذاتية وقربه من عبد الناصر دورا في السلطة، وبالتالي أصبح جزء من النظام، ومركزا من مراكز القوة وفقا للمصطلح الذي أطلقه عليه الرئيس السادات في حديث جرى بينه وبين الأستاذ أحمد بهاء الدين الذي كتب يقول:" بدأت أشعر بأن الرئيس يكره محمد حسنين هيكل أكثر مما تصورت أول الأمر.

لم يكن هذا في الانتقادات التي يوجهها إليه والتي لم تخرج عن أن هيكل تعود أن يكون شريكا في الحكم أيام عبد الناصر، يشكل الوزارات، يصنع القرارات، في حين أنه_أي السادات_لا يقبل ذلك.

وأنه على حرصه الشديد قبل الاستعانة بكفاءة هيكل إلا أنه حاول عبثا أن يجعل هيكل يعمل معه بشروطه، لا بشروط هيكل، ولكن هيكل تصور أنه صار مركز قوة من نوع آخر غير قابل للعزل…المشكلة بأنني بدأت أشعر بأن نقمة السادات على هيكل قد تعدت شخص هيكل إلي جريدة الأهرام ذاتها. كنت أشعر بأنه يكره جريدة الأهرام فعلا…كان يعتقد أن هيكل قد جعل من الأهرام مؤسسة خطيرة ذات أجهزة غريبة…أجهزة شيطانية أسس بها هيكل ليس جريدة ولكن حزبا سريا يستطيع أن يقوم بأدوار خطيرة…كالمركز الاستراتيجي الذي يقول عنه السادات بأنه كان يغذي هيكل بمادة مقالاته ويغذي عبد الناصر بالمعلومات التي تناسب هيكل…ولم يكن (السادات :الباحث) يقرأ دراسات المركز، فلم يكن قارئا بطبعه ولكنه كان يحس أنه من مخلفات وآثار هيكل وإذن فإن من فيه هيكليون وليسوا أكاديميين." ([6])

سنبدأ برصد المحطات الرئيسية التي أثرت على العلاقة بين هيكل والقيادات الناصرية في إطار تسلسلها التاريخي، بغرض معرفة الدوافع التي على أساسها أختار هيكل تأييد السادات في مواجهة القيادات الناصرية:

_ انفردت جريدة الأهرام بنشر خبرا مؤداه أن علي صبري رئيس الوفد المصري العائد من موسكو، قد جلب معه أمتعة شخصية لم يتم تسديد الضرائب المقررة عنها. كان لهذا الخبر صدى سيئ جدا داخل المجتمع المصري انعكس سلبا بالدرجة الأولي سمعة نائب رئيس الجمهورية علي صبري، ففي الوقت الذي يعيش فيه الشعب المصري حالة حرب، يقوم نائب رئيس الجمهورية بجلب أمتعة من الخارج، ويحاول التهرب من دفع الضرائب المستحقة عليها مستخدما مكانته ونفوذه.

وتبين فيما بعد أن الأمتعة التي جري الحديث عنها لم تكن تخص علي صبري، أو كان على علم بها، وإنما هي أمتعة تخص أحد أفراد الوفد، ونتيجة لذلك قدم علي صبري استقالته للرئيس ناصر الذي أمر بإجراء التحقيق وتابعه بنفسه.

وانتهى التحقيق إلى تبرئة ما هو منسوب إلي علي صبري وأصدرت رئاسة الجمهورية بيانا يبرئه، ويذكر على صبري" أن القائد المعلم رغم تبرئتي حملني شخصيا مسئولية الخطأ الذي أرتكبه أحد أفراد الوفد الذي أرأسه." ([7])

ولا بد أن تلقي هذه الواقعة بظلالها السلبية على علاقة علي صبري بهيكل، ومن غير المتصور أن ينشر مثل هذا الخبر بغير علم هيكل وموافقته.
_ عندما قدم ناصر استقالته عقب الهزيمة العسكرية في يونيو 1967، متضمنة ترشيحه لزكريا محي الدين خلفا له. وبعد وفاة ناصر مباشرة، نشرت صحيفة الأهرام نعيا لزكريا محي الدين في صدر صفحاتها الأولي، وبشكل ملفت للأنظار.

وأثناء تشييع جنازة ناصر ركزت عدسات التلفزيون المصري على شخصية زكريا محي الدين. حدث هذا في الوقت الذي كان فيه هيكل يتولى وزارة الإعلام والتي تخضع لها مؤسسة التلفزيون، إلي جانب بقاءه في منصب رئيس تحرير جريدة الأهرام، وقد فسرت تلك الأشرات من قبل القيادات الناصرية بأنها محاولة دعائية لصالح زكريا محي الدين ليكون خليفة لعبد الناصر.

ونتيجة لذلك فقد تم استدعاء محمد حسنين هيكل أمام اللجنة التنفيذية العليا.." وسئل في موضوع نشر النعي الذي كتبه زكريا محي الدين بالصورة التي نشر بها بغرض جذب الاهتمام من قبل الرأي العام لصالح زكريا محي الدين، كما سئل حول تركز عدسات التلفزيون على السيد زكريا..فأنكر هيكل انه أوصى بذلك أو أن له قصد فيما أثير من إشاعات، وقال أن رأيه الشخصي هو أن يكون السادات رئيسا للجمهورية، وأنتهي بذلك النقاش مع هيكل." ([8])

في أحد مؤلفات هيكل ذكر أنه في يوم 9 يونيو 1967 قضي مع جمال عبد الناصر عشر ساعات، وكان لقاءه بعبد الناصر لعرض مشروع خطاب التنحي على ناصر. وعندما علم هيكل بأن المرشح لخلافة عبد الناصر في السلطة هو شمس بدران وزير الحربية أعترض هيكل على أسم المرشح، وأقترح مرشحا آخر هو السيد/ زكريا محي الدين عضو مجلس قيادة الثورة مبررا ذلك بقوله:" أنت وعبد الحكيم فكرتما أمس داخل غرفة مغلقة وتحت ضغوط مخيفة تحيط بهذه الغرفة المغلقة. الأمور أكبر من ذلك بكثير. هذا هو الآن مصير بلد بجيشه وشعبه.

أنت قررت الاستقالة وهذا قرار سليم، وذلك قرار لا بديل له، والحل بعده، وهو منطق الأشياء ، أن تعود الأمور بالكامل للناس، فيكون هناك رئيس مؤقت يلم أجزاء الموقف وشظاياه. ثم يقرر الناس بعد ذلك ما يريدون في استفتاء عام على أساس جديد ودستور جديد...وقلت وهنا عدم اقتناعي باختيار شمس بدران. وأحسست أنه يريد أن يسمع عن بديل مقنع- قلت لماذا لا يكون بعدك زكريا محيى الدين؟

...قلت خطر لي أنه الأقدم بين الأعضاء الباقين من مجلس الثورة، وهذا نوع من استمرار الشرعية- هو أيضا رجل عاقل." ([9])

وبهذا يكون ظهور زكريا محي الدين على المسرح السياسي مرتبطا برحيل عبد الناصر عن السلطة، سواء كان هذا من خلال الاستقالة في 9 يونيو 1967، أو بالوفاة في 28 سبتمبر عام 1970، ومرتبطا أيضا بهيكل بشكل مباشر وغير مباشر. ففي الواقعة الأولي تم ترشيح زكريا محي الدين من قبل هيكل ليخلف ناصر في الحكم، وفي الواقعة الثانية جري وضع زكريا محي الدين تحت الأضواء ومن قبل أجهزة إعلامية هي جريدة الأهرام عندما نشرت النعي الذي بعث به زكريا محي الدين بشكل ملفت للأنظار، بعدها ركزت عدسات التلفزيون على زكريا محي الدين أثناء تشييع جنازة ناصر، وجريدة الأهرام ومؤسسة التلفزيون وهي مؤسسات إعلامية تخضع بصورة مباشرة لرئاسة هيكل أيضا.!!

هنا يصبح لشكوك القيادات الناصرية في شخص هيكل ودوره ما يبررها، وليست مجرد بحثا على خلاف مع هيكل. فهناك من القيادات الناصرية من كان يستأنس برأيه في كثير من الأمور كما جاء فيما بعد في شهادات القيادات الناصرية.

_ ثم استدعي هيكل مرة أخري أمام اللجنة التنفيذية العليا ليسأل عما ورد في مقال له تحت عنوان "عبد الناصر ليس أسطورة". كان طرف الخصومة مع هيكل هذه المرة هو الدكتور محمد لبيب شقير رئيس البرلمان المصري وعضو اللجنة التنفيذية العليا، والذي وجد في مقال هيكل ما " يسئ إلى عبد الناصر ومن ثم لتراثنا الوطني والثوري." ([10])

_ بعد وفاة ناصر أراد السادات تكوين لجنة لجمع تراث عبد الناصر وأقترح أن يترأسها هيكل، ورفض اقتراح السادات من قبل علي صبري. وبرر رفضه بأن تراث ثورة 23 يوليو وتراث ناصر " ليس قضية شخصية، وإنما قضية معلومات تملكها الدولة، وكل رجال الدولة..فمع احترامي لكل معلومات هيكل، فإن كل واحدا منا لديه معلومات كثيرة...إلا أن المسألة في جوهرها ليست معلومات، ولكنها مسألة سياسية تخص النظام ومؤسساته وحزبه." ([11])

_ لقد أشرنا إلي أن الخلاف بين هيكل والقيادات الناصرية حول توقيت البدء بالمعركة العسكرية ضد إسرائيل. وكان رأي هيكل _آنذاك_ أن القيادات الناصرية تتعجل الحرب بهدف حسم صراعات في داخل النظام، في وقت لم تتوفر فيه بعد الظروف الموضوعية للحرب. في حين اعتبرت القيادات الناصرية بأن كتابات هيكل في جريدة الأهرام تمثل موقفا متخاذلا وانهزاميا، وأن مقالاته تشيع روح اليأس في الشعب والجيش معا، خصوصا بعد المساجلات الصحفية التي دارت بين محمد حسنين هيكل وعبد الهادي ناصف حول الحرب ومخاطر عبور الجيش المصري إلي سيناء.

_ لم يكن هيكل والقيادات الناصرية على وفاق في تقييم الدور الأمريكي. فهيكل يري إمكانية تحييد الدور الأمريكي في الصراع العربي_الإسرائيلي، ويرفض" النغمة التي تقول أن الذي نواجهه أمامنا في ميدان القتال هو الولايات المتحدة وليس إسرائيل. والصحيح أن بيننا وبين الولايات المتحدة مواجهة سياسية، أو صراعا سياسيا، وهدف هذا الصراع هو الفصل بين إسرائيل والولايات المتحدة كحد أقصى، أو تحييد الموقف الأمريكي تجاه إسرائيل كحد أدنى، وذلك عن طريق توجيه ضغط دولي وعربي ومصري ضد الولايات المتحدة...هذا الضغط...يقنع الولايات المتحدة بأنها تواجه تقلصا مخيفا في هيبتها كقوة عظمى، والهيبة على رؤوس الدول العظمى كالتيجان على رؤوس القياصرة." ([12])

ويتعجب د. فؤاد زكريا من الانقلاب الذي حدث في موقف هيكل تجاه الدور الأمريكي. فهيكل أيام ناصر كان يربط بين موقف الولايات المتحدة وإسرائيل، وفى بدايات حكم السادات أخذ يروج بالتدريج للتقارب مع أمريكا قائلا:

" إذا كانت إسرائيل قد انتصرت على العرب في معارك بفعل التأييد الأمريكي فإن هذا التأييد الأمريكي ليس دائما، وإنما الدائم هو المصالح الأمريكية فقط..ومن هنا فأن التأييد الأمريكي ليس سلاحا أبديا في يد إسرائيل، وهذه هي عبرة الأيام." ([13])

وهنا يجب أن نشير إلي أن نقد د.فؤاد زكريا الموجه لهيكل ليس دفاعا عن الناصرية أو تحيزا للقيادات الناصرية. وإنما كان مدخلا استخدمه فؤاد زكريا في إطار نقد وهجوم أشمل على التجربة الناصرية، باعتبار أن أطراف الخلاف أو الصراع هم أركان أساسيين في النظام الناصري.

_ كان هيكل يعلم موقف القيادات السوفيتية الغير ودي منه شخصيا، وكان على علم بإلحاحهم الدائم بإبعاده عن رئاسة تحرير جريدة الأهرام، سواء في حياة ناصر، وأيضا عندما تولى السادات السلطة في مصر، وأن إمكانية إبعاده تصبح أكثر احتمالا عندما تكون للقيادات الناصرية السيطرة الكاملة على مؤسسات السلطة في مصر.

_ كذلك كشف موقف هيكل المؤيد للسادات في إقامة اتحاد الجمهوريات المتحدة، بأنه تأييد للانقلاب السلمي بهدف التخلص من القيادات الناصرية، ونعتقد أن هذا الموقف كان بمثابة فرز واختبارا واضحا لموقف هيكل وتوجهاته تجاه القيادات الناصرية.

_ يضاف إلي ما سبق..رؤية هيكل وتحليله لدور النخب والجماعات السياسية في العالم الثالث، الذي يسعى إلي تحقيق مصالح اجتماعية لتلك الجماعات مما خلق بينهم معارك ظاهرة وخفية. ومطامع ومؤامرات. ([14])

شكلت محصلة الخلافات المعلنة والغير معلنة، والتباين في الرؤية والتوجه، بين هيكل والناصريين مسافة من التباعد أثرت بدورها على اختياراته التي انتهت بالانضمام إلي معسكر السادات في مواجهة القيادات الناصرية.

في الوقت نفسه لم يكن هيكل بغافل أو غير مدرك بحاجة السادات إليه، وهذا يمثل رصيد إيجابي لصالحه، وهو يمثل بالنسبة له ضمانات أمن واستمرارا للمشاركة السياسية وتحقيقا لطموحاته المرتبطة بالصحافة وبمؤسسة الأهرام، كما أضفي إصرار هيكل على استقالته من منصبه كوزير للإعلام مصداقية بأنه لم يكن طرفا في السلطة، ولا رغب أن يكون طرفا فيها وبرر ذلك بقوله:"...في صراعات مع بعض الأعضاء البارزين في الاتحاد الاشتراكي وفى مجلس الأمة، ولن أكون في هذه الحالة إلا عائقا في طريق الرئيس الجديد، في حين أنى أستطيع من مكاني في تحرير الأهرام أن أكون سندا مفيدا له." ([15])

لكن هيكل لم يذكر _وحتى الآن_ الأسباب التي جعلته متأكدا إلى هذا الحد من حدوث صراعات مع الأعضاء البارزين في مجلس الأمة والاتحاد الاشتراكي؟ في وقت لم يبدأ فيه شيئا، ولم تحدث بادرة واحدة يمكن لهيكل أن يستخدمها سندا في بناء رأيه. أم أن الحذر بالمظنة أكثر ضمانا وأمنا؟

كما أننا لا نعتقد أن ترك هيكل لمنصبه الوزاري ينهي دوره في توجيه السياسية المصرية، ويحصر دوره في إطار جريدة الأهرام، لقد ظل هيكل واحدا من بين أفراد قلائل لعبوا أهم الأدوار في توجيه ورسم الخطوط العريضة والأساسية للعمل السياسي في مصر، في الفترة محل الدراسة.

تحول الخصومة في الرأي..إلي صراع على السلطة:

في وصف المشهد الأخير للذين تجمعوا حول جثمان عبد الناصر كتب هيكل:" كان السادات آخر الذين وصلوا إلى بيت عبد الناصر...لكنه كان من أوائل الذين دخلوا إلى الصالون الكبير الذي شهد اجتماع القلة التي أحاطت بفراش عبد الناصر في لحظاته الأخيرة. كان الجو شديد التوتر وكان يمكن لأي مراقب أن يجد على وجوه هؤلاء الرجال ملامح تنبئ بصراعات وانقسامات يمسك بها الحزن والمفاجأة في تلك اللحظة، ولكنها تشير وتنبئ بأمور وأمور يمكن أن تحدث بعدها." ([16])

وهكذا، تنبأ هيكل ومن خلال قراءة أولية وسريعة لوجوه من التفوا حول جثمان جمال عبد الناصر أن صراعا على السلطة قادم. وتحمل إشارة هيكل تحذيرات واضحة إلي من يهمهم الأمر أن يتنبهوا إلي ما هو متواري في نوايا القيادات الناصرية التي باغتها حادث وفاة ناصر فأصاب عصب التآمر لديها بالشلل المؤقت. وعندما أفاقوا وزال تأثير الصدمة، كان هيكل أول من استشعر الخطر، وأول من نبه السادات وحذره في لقاء معه:"…إنني المح من بعيد صراعات سلطة، فإن الكل بدأ يفيق من الصدمة. وفى الأهرام _الجريدة_ أستطيع أن أكون بعيدا عن الصراعات وأن أشارك في حوار الحوادث والتطورات طليق اليد متحررا." ([17])

توالت نصائح هيكل للسادات، فأشار عليه بعد أن استمع إلى شرائط صوتية مسجلة قيل فيما بعد أنها كانت أحاديث جرت بين القيادات الناصرية يستدل منها بأنهم يخططون لانقلاب ضد السادات أن يتأكد من ولاء كلا من:"…الفريق الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري، والفريق محمد أحمد صادق رئيس أركان القوات المسلحة." ([18])

كان الغرض من وراء نصيحة هيكل للسادات هو أن يضمن وقوف الحرس الجمهوري والجيش إلي جانبه، عن طريق ضم الفريق الليثي ناصف، والفريق محمد صادق، لمعسكر السادات.

كما يعود الفضل للأستاذ هيكل في ترويج مقولة " الصراع على السلطة ". فقد تبين لنا أن مصطلح " الصراع على السلطة " قد جرى تداوله _بعد ساعات من وفاة عبد الناصر_ في حديث دار بين هيكل وعدد من القيادات الناصرية هم شعراوي جمعة، أمين هويدي، سامي شرف.

وجاء استخدام هيكل لذلك المصطلح كتعليق على ما ذكره شعراوي جمعة حول تصرفات أنور السادات وحسين الشافعي وعلي صبري الذين يتصرفون وكأنهم يمثلون حكومة ثلاثية..على غرار كوسيجين وبودجورني وبرجنيف، بينما نحن الناصريين الحقيقيين، وأقرب الناس إلي عبد الناصر لم نفعل شيئا للتنسيق فيما بيننا، أو الاتفاق علي أسلوب مشترك للعمل. وهذا ما يجعلني أرى ضرورة بحث الموقف مع بعضنا مع البعض.

فكان رد هيكل عليهم:" لنكن واضحين بشأن موقف كل منا. هناك نقطة نظام أضعها..ونصيحة صغيرة أقدمها. أما نقطة النظام فهي: أنكم إذا كنتم تريدون التنسيق فيما بينكم بصفتكم وزراء فلا تفعلوا ذلك بحضوري، لأني قد استقر رأيي على الخروج، وترك الوزارة…" أما نصيحتي الصغيرة فهي أن من الخطأ بالنسبة إليهم أن يحاولوا العمل معا كناصريين…فإن فعلتم ذلك فإنكم ولا شك ستثيرون ردود فعل تؤدي في النهاية إلي صراع علي السلطة، وإذا حدث تصادم في الآراء، فإنني سأؤدي دوري فيه كصحافي، أما إذا نشب صراع على السلطة قائم على الأشخاص، فلن يكون لي شأن به، وستعاني البلاد كلها منه".

ويواصل هيكل حديثه فيصف ردود أفعال من حضروا هذا اللقاء بأنها كانت متشنجة خاصة عندما أخذ سامي شرف يصيح ويقول:أن"عبد الناصر لم يمت". فقلت له:" أسمع..لا بد لك أن تواجه حقائق الطبيعة. إن الرجل قد مات. وسيحكم علي كل منكم فقط، من الآن فصاعدا، بما يمكن أن يقدمه من أجل مصلحة البلد. إنها صفحة جديدة فتحت أمامكم جميعا." ([19])

بعد ذلك شاع استخدام مصطلح "الصراع على السلطة" إشارة إلي خروج القيادات الناصرية على السلطة الشرعية، محملا إياهم النتائج المترتبة على ذلك. بعدها كثر استخدام مصطلح"الصراع على السلطة" في مفردات الخطاب السياسي للسادات وفي مذكراته" البحث عن الذات"، وفي وسائل الدعاية والإعلام التابعة للنظام.

بعد خمس سنوات من نشر رواية هيكل أتيح لأحد الوزراء أمين هويدي* أن يدلي بشهادته في كتابه (مع عبد الناصر) الذي صدر في عام 1980، فنفي ما ذكره هيكل، وروي رواية مختلفة تماما عن رواية هيكل، فكتب:"...لم يلقي هيكل أبدا بكل هذه النصيحة عن الناصرية والسلطة والصراع..ولم يتحدث شعراوي جمعة أبدا عن السادات والشافعي وعلي صبري كما لم يتحدث عن "الترويكا" الروسية..ولم يصرخ سامي شرف أو يبكي ولا هو أنكر وفاة عبد الناصر.

أبدا لم يحدث شيء من هذا كما صوره هيكل في أسلوب غلبت عليه الإثارة الصحفية. ولكن كل ما ذكره شعراوي جمعة لهيكل هو أننا قررنا التخلي _أي الابتعاد عن السلطة_ عقب تشييع الجنازة وبعد انتقال السلطة بالطريقة الدستورية وسأله عن رأيه في ذلك.!!

رحب هيكل أيما ترحيب بالفكرة وذكر أيضا أنه سيترك المنصب الوزاري ليتفرغ لرئاسة تحرير الأهرام مضيفا أنه لكل زمن رجاله وعلي الجميع أن يعيدوا النظر في أفكارهم...كنا قد اجتمعنا مرارا وهذا أمر عادي وقررنا أن نتخلى عقب نقل السلطة بالطريقة الدستورية لنفسح المجال للسيد أنور السادات ليختار معاونيه، ولو أنني كنت مزمعا علي أن أتخلى في أقرب وقت ممكن. ورأي شعراوي أن يستشير هيكل في الأمر لأن من عادته أنه كان يستشير هيكل وسامي في كل أمر يقدم عليه." ([20])

نزولا على مقترحات هيكل، جري الاحتكام إلي نصوص الدستور المؤقت 1964بشأن اعتماد السادات رئيسا للجمهورية العربية المتحدة، ثم تولي بنفسه إعداد البيان الخاص بوفاة عبد الناصر، وأقترح أن يقرأ البيان أنور السادات، حتى تشعر الناس أن السلطة قد انتقلت بسلام، بعدها تولي هيكل إدارة الحملة الانتخابية للسادات.

وبعد أن أصبح السادات رئيسا للجمهورية أقترح هيكل على السادات أن يتولى الدكتور محمود فوزي رئاسة الوزارة وقبل السادات باقتراحه، وكلفه بالذهاب إلي د. محمود فوزي لإقناعه بقبول رئاسة الوزارة.

كل شيئ تقريبا يتم بمشورة هيكل ويجري تطبيقه بغير أدني اعتراض من قبل القيادات الناصرية، مما يجعل القبول بمقولة الصراع على السلطة بين القيادات الناصرية والسادات هو إقحام متعسف من قبل الأستاذ هيكل لا يملك الدليل للأخذ به.

ونعتقد أن هيكل قد تنبه إلي التناقض الواضح في روايته، خاصة وأن القيادات لم تبدي ما يمكن أن يمثل دليل مادي على نيتها بالإطاحة بالسادات، وأن جانب الرضا من قبل الناصريين واضح، فلجأ إلي تفسير هذا القبول من قبل القيادات الناصرية بالأخذ بكامل مقترحاته بغير اعتراض أو شبهة اعتراض، بأنه لا يشكل دليلا على صفاء نية الناصريين، وإنما كانت الظروف غير مهيئة لهم للتخلص من السادات، وأن:"...معنى الأخذ بما اقترحته ووافق عليه الآخرون لأن أحدا لم تكن لديه خطة بديلة مقبولة، أو لأن أحدا لم يجد متسعا من الوقت ليخطط من جديد _أن السادات هو الذي سيصبح رئيسا للجمهورية بالنيابة...كانت للكثيرين من حضور هذا الاجتماع تحفظات مختلفة على أنور السادات، لكن ضرورات الاستمرار غلبت فيما أعتقد أي اعتبار غيرها في ذلك الموقف الحرج." ([21])

تناقض آخر تكشف من خلال النصائح التي وزعها هيكل على أطراف الصراع، فلقد ثبت لنا أن تحذير هيكل للقيادات الناصرية من السادات كان أسبق على تحذيراته للسادات من قبل القيادات الناصرية.

فبعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر مباشرة لم يتردد هيكل من النصيحة والتحذير إلي القيادات الناصرية _ بشكل مباشر_ منبها إياهم بعدم الاستهانة بالسادات والن&