الاحتجاج بالديمقراطية وضعف التنظيم السياسي.. سبيلا للهجوم على التجربة الناصرية
الحلقة الثالثة
دراسة أعدها : محمد فؤاد المغازي
07/23/2005



اليوم هو عيد الثورة .. يوم يمثل فاصل تاريخي بين شروق عصر الحرية الذي حقق الكرامة والعزة، عصر يمثل بداية تاريخ لفرص العيش الكريم حيث العدل الاجتماعي، وإطلالة على مستقبل يبني أركانه جهد الإنسان.

نبذة تاريخية عن الحياة السياسية والبرلمانية..قبل قيام ثورة يوليو عام 1952:

يستحيل على الباحث نقد الجانب الديمقراطي للتجربة الناصرية، دون التعرض إلى الحياة السياسية والبرلمانية السابقة على قيام ثورة يوليو 1952، وتأثيرها في تشكيل وعي الجيل الذي قاد ثورة 23 يوليو 1952.

فثورة 23 يوليو تمثل نقلة نوعية في تاريخ مصر من حيث تداول السلطة:"لقد كانت الأهمية الكبرى لثورة 1952 أن الشعب المصري بعد ألفين وخمسمائة سنة كان هو الذي غير حكامه، ولأول مرة كان الحاكم مصريا…فطوال ألفين وخمسمائة سنة قبل الثورة المصرية سنة 1952 ومنذ انهيار عصر الأسرة الفرعونية، كان الموقع المصري محتلا باستمرار ولم يكن يطرد الدولة القديمة من الموقع إلا غاز جديد يتحداها فيه.

كان الإغريق هم الذين أخرجوا الفرس، وكان الرومان هم الذين أخرجوا الإغريق، وكان العرب هم الذين أخرجوا البيزنطيين (ورثة الرومان)، وذلك تكرر على نحو أو آخر حتى جاء العثمانيون فأخرجوا المماليك، ثم جاء الفرنسيون وحالوا إخراج العثمانيين وبقايا المماليك، ثم جاء الإنجليز وأخرجوا العثمانيين." ([1])

حول التغير النوعي الذي شمل نمط الحكم في مصر، كتب أنتوني ناتنج "في الثالث والعشرين من شهر يوليو عام 1952 تولي السلطة في مصر مجموعة من ضباط الجيش الشبان، وبعد ثلاث أيام تنازل الملك فاروق عن عرشه وأعلنت أقدم مملكة في العالم أحدث جمهورية في غضون أحد عشر شهرا.

وأصبح البكباشى جمال عبد الناصر أول مصري يحكم مصر منذ أن استولى عليها الفرس قبل ذلك بألفي وخمسمائة عام. وهكذا شرعت أول دولة مدونة في تاريخ البشرية، بزغ فجرها نحو3000 سنة قبل الميلاد بل قبل أن يبني الأهرام بخمسمائة سنة، تستعيد شخصيتها القومية الأصيلة وحلت محل أسرة محمد علي التركية التي حكمت مصر ابتداء من القرن التاسع عشر تحت الوصاية التركية والبريطانية…ظل شعب مصر خلالها يتلقى الأوامر من قناصل الفرس واليونان والرومان والبيزنطيين والعرب والأكراد والأتراك والفرنسيين والبريطانيين على التوالي، أخذ هذا الشعب يسترد حكمه الوطني. ([2])

حول تسرب الأفكار الليبرالية إلي مصر..فإن أغلب المؤرخون يقولون بأنها جاءت إلي مصر مع الحملة الفرنسية لمصر عام 1798. وبوصول الفرنسيون انتقلت السلطة من يد الأتراك إلى قبضة الفرنسيين وكان الجديد، هو أن نابليون أصدر قرارا بتشكيل "مجلس استشاري" لم يتعدى دوره النطاق الإداري، وبغير صلاحيات تشريعية.

وفى عام 1805 تجدد انتقال السلطة من يد الفرنسيين إلى قبضة محمد على الضابط في الجيش التركي. فشكل هو الآخر مجلس استشاري على غرار ما فعله بونابرت ويقوم بنفس الدور. ثم جاء إسماعيل باشا حفيد محمد علي فأصدر ولأول مرة تشكيل مجلس سمي "مجلس شورى القوانين" عام 1866، والذي يستدل من أسمه أن له دورا تشريعيا، ولم يكن هذا صحيحا.

وعندما وقعت مصر في قبضة الاحتلال البريطاني، انتقلت السلطة _كالعادة_ إلى الإنجليز. وكان تصور المحتل الجديد لشكل الحياة السياسية في مصر، قد حدده تقرير اللورد "دوفرين" وهو أن يكون الشكل الدستوري في مصر مشابها لما يجري في الهند، حيث تتولى لجنة الأحكام التشريعية، إصدار القوانين دون تنفيذها على غرار ما هو قائم في الهند. ([3])

وهكذا، كان انتقال السلطة في مصر يتم بين قوي الاحتلال الأجنبية، وأنحصر دور الشعب المصري والقوى السياسية الوطنية الفاعلة فيه بين دور المشاهد على مأساتهم. إلا أن هذا لا يعني توقف أو استسلام المصريين للمحتلين، فقد ظل التمرد والمقاومة الشعبية في مواجهة الاحتلال الأجنبي مستمرة، الأمر الذي اضطر معه المحتلين لإفساح هامش ضيق من المشاركة السياسية لشريحة محدودة من الأغنياء المصريين، فسمح لهؤلاء بإبداء المشورة دون الالتزام بتنفيذها.

وظل الجانب الإيجابي لهذه الفترة التاريخية محصورا عند حدود ترويج فكرة الحكم النيابي، وأن الأمة مصدر السلطات، والتي أصبحت فيما بعد أهم الشعارات والمطالب لرواد الحرية من المصريين أمثال رافع رفاعة الطهطاوى، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الله النديم..ومن بعدهم أستمر الزعماء السياسيين أمثال أحمد عرابي، ومصطفى كامل، وسعد زغلول يرفعون نفس الشعار"...وسنجد في عام 1910 أعضاء مجلس شورى القوانين يطالبون أن يكون لهم صلاحيات حقيقية ودورا تشريعيا بوصفهم ممثلين عن الأمة المصرية، وبالفعل مارسوا هذا الدور مرة واحدة عندما رفضوا مشروع بطرس باشا غالى الذي كان يطالب فيه بامتيازات لشركة قناة السويس. ([4])

ومع بداية القرن العشرين كانت اللعبة السياسية والسلطة تمسك بخيوطها ثلاث قوى سياسية تصارعت فيما بينها.

_ بريطانيا العظمى: انفردت بالدور والقرار السياسي بالنسبة للمصريين، بعد أن قلت المشاركة والتدخل من جانب العديد من الدول الأوربية في إدارة شؤون مصر.

_ الملك: أستند وجوده على أساس أوتوقراطي وراثي لأسرة محمد علي، وبصدور أول دستور مصري في عام 1923، تحولت مصر من ولاية كانت تتبع الإمبراطورية العثمانية _شكلا_ إلى دولة ذات نظام ملكي.

الحركة الوطنية المصرية: كانت أضعف القوى الثلاثة، بالرغم من تزايد حركة المقاومة ضد الاحتلال البريطاني التي انتهت بقيام ثورة شعبية عام 1919. ([5])

صاحب هذه المرحلة تشكيل أحزاب سياسية فوصل عدد الأحزاب فيما بين بداية القرن العشرين والحرب العالمية الأولى ستة أحزاب..فتأسس حزب الأمة، حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية، الحزب الوطني الحر، حزب مصر المستقلة (مسيحي)، حزب النبلاء، حزب مصر الفتاة، يضاف إليهم الحزب الوطني الذي سبق تأسيسه في مرحلة تاريخية سابقة على يد الزعيم المصري أحمد عرابي.

ثم تولى قيادته فيما بعد الزعيم المصري مصطفى كامل ثم محمد فريد. كان ظهور هذه الأحزاب مصطنعا، وتنفيذا لقرارات صادرة عن السفارة البريطانية، أو القصر الملكي بهدف تفتيت الالتفاف الجماهيري حول الحزب الوطني المتشدد في موقفه بشأن القضية الوطنية.

إلى جانب القوى السياسية الثلاثة، جاءت الصحافة لتلعب دورا أساسيا ومغايرا لقواعد العمل السياسي، فالمفترض أن ظهور الجريدة يأتي في المرحلة التالية على نشأة الحزب. ما حدث في مصر كان العكس، فتأسيس الجرائد وظهورها قد سبق تأسيس الأحزاب نفسها، أو كان مرافقا لعملية التأسيس، فجريدة اللواء التي كان يشرف عليها مصطفى كامل قد لعبت دورا أساسيا في إعادة بناء الحزب الوطني برئاسته.

كذلك كان دور جريدة "الجريدة" في تأسيس حزب الأمة، ولعبت نفس الدور جريدة المقطم في تأسيس الحزب الوطني الحر، كما رافق بيان تأسيس حزب الأحرار الدستوريين بيان تأسيس جريدة الزمان. ([6])

أما نشأة حزب الوفد فقد كانت مغايرة لنشأة جميع الأحزاب السابقة، فجاء مولده في أحضان ثورة شعبية اندلعت عام 1919. ثم أضافت شخصية سعد زغلول وزعامته المستمدة من تأييد شعبي في تقوية حزب الوفد، وأصبح سعد زغلول أول رئيس وزراء لوزارة برلمانية في عام 1924.

غير أن النهج الذي مارسه سعد زغلول في مواجهة البريطانيين في مصر كان ضعيفا إذا ما قورنت مواقفه تجاه سلوك الملك أحمد فؤاد . كتب د.عبد الخالق لاشين.." تخلي سعد زغلول عن الحكم في مواجهة الصلف البريطاني والتدخل السافر الذي مارسه اللنبي نتيجة لاغتيال السردار. ولم يرغب سعد في أن يستخدم ضده نفس الأساليب التي سبق له استخدامها بنجاح في صراعه مع الملك، ونعني بها تحريك الجماهير المصرية.

ومنذ هذا التاريخ نعتقد أن الوفد التزم السياسة الخطرة _التي استنها زعيمه_ حينما أصبحت الجماهير في تقديره سلاحا يستخدمه في معاركه الداخلية سواء ضد القصر أو ضد أحزاب المعارضة، ولم يحاول استخدامها _على الأقل بفعالية_ ضد خصمه الحقيقي، أي الاستعمار البريطاني، الذي كان من وراء قيامه وظهوره إلي حيز الوجود بغرض النضال ضده للحصول لمصر علي استقلالها وسيادتها من بين براثنه.

ومن هنا تردي الوفد...فنظر إلي المعركة الأساسية باعتبارها عملا يقتصر عليه وحده، وليس للجماهير أن تشاركه خوضها أو حتى إبداء الرأي في الأسلوب الذي ينتهجه والنتائج التي قد توصل إليها." ([7])

وبالرغم من النشأة القوية لحزب الوفد ورصيده الشعبي الجارف، ظل التمتع بممارسة حق التعبير السياسي حكرا على عدد قليل من الأسر الإقطاعية المسيطرة، فظل أبنائها يتولون المناصب الوزارية في الفترة الممتدة من 1924_1950. حتى أن فئة المثقفين الغير منتمية لطبقة كبار ملاك الأراضي _أمثال أحمد لطفي السيد وسعد زغلول نفسه_ استطاعت طبقة كبار ملاك الأراضي الزراعيين من احتوائها وتوظيفها في خدمتها. ([8])

تواجد كبار الملاك الأراضي الزراعيين في السلطة التشريعية وفي السلطة التنفيذية في عهد كل الوزارات التي حكمت خلال هذه الفترة، وبغض النظر عن أسم الحزب، حتى وصل الحال ببعض الأسر الكبيرة أن قامت بتوزيع أبنائها على عدد من الأحزاب السياسية كضمانة للبقاء في السلطة دوما.

كما أفرغت الفوارق الاجتماعية الواسعة بين الأقلية المتخمة _من كبار الملاك الزراعيين والرأسماليين المصريين، والغالبية المسحوقة والبائسة من الشعب المصري_ الدعوة إلى الاستقلال عن بريطانيا من محتواها السياسي والاجتماعي والإنساني.

فلم يحدث أن قامت خلافات جادة حول برامج سياسية بين هذه الأحزاب، نتيجة لوحدتهم الطبقية، فاختلفوا فقط حول نسب الأعضاء في البرلمان أو الوزارة، حتى حزب الوفد ذو الرصيد الشعبي، لم تختلف مواقفه ورؤيته عن الأحزاب الأخرى، فلم يهتم بالقضية الاجتماعية للأغلبية المؤيدة له وغالبيتهم من الفلاحين الفقراء. لذا لم تهتم تلك الأحزاب بإنجاز أي شكل من أشكال الوحدة سواء فيما يختص بوحدة الحركة الوطنية، أو حتى الحفاظ على وحدة حزب الوفد ذاته.

وفي 3/4/1926 ارتكبت الأحزاب المصرية خطأها التاريخي، عندما دعت إلي عقد اجتماع للأحزاب المصرية لتقسيم الدوائر الانتخابية فيما بينها قبل بدء الدعوة لإجراء انتخابات برلمانية. فحصل حزب الوفد على مائة وستين دائرة (وقع بالنيابة عنه سعد زغلول) وأختص حزب الأحرار الدستوريين بخمس وأربعين دائرة (وقع بالنيابة عنه محمد محمود).

وأختص الحزب الوطني بتسع دوائر (وقع بالنيابة عنه محمد حافظ سليمان) وهكذا عينت الأحزاب السياسية نواب الشعب وبغير مشاركة منه..لتضرب الخطوات الأولي للعملية الديمقراطية في مقتل، عندما استبدلت الاحتكام إلي صناديق الاقتراع، بقرار فوقي لنخبة من الأثرياء المستغلين، فحرموا الشعب في بدء تجربته الديمقراطية من أن يختار نوابه، ومنذ عام 1926، تكررت اللعبة الانتخابية عشرات المرات. ([9])

أضيف إلي ضعف الحركة الوطنية في جانبها السياسي، ضعفا آخر على الجانب الفكري والثقافي بين رموز هذه المرحلة، فأصبح ظهور كتابا جديدا كافيا لإثارة المشاحنات والجدل بين النخبة، فكم استنفذ كتاب "الخلافة وأصول الحكم في الإسلام" للشيخ على عبد الرازق من مشاحنات…بالرغم أن ما جاء في كتابه كان موجها بالدرجة الأولى للملك أحمد فؤاد ليقطع عليه الطريق من تنصيب نفسه خليفة للمسلمين، وبالتالي تقليص دوره ونفوذه. ([10])

ولم يكن حظ كتاب "الشعر الجاهلي" لطه حسين أقل إثارة للجدل والتراشق بالتهم، ثم جاءت كتابات قاسم أمين حول تحرير المرأة ليضيف هو الآخر مزيدا من الانقسام. ولعبت الروابط (الرابطة المصرية، الرابطة الإسلامية، الرابطة العربية) بدورها توسيع رقعة الخلاف وتعميق الانقسام بين المصريين.

فكانت كل رابطة تدعى لنفسها بأنها وحدها القادرة على عملية التغيير والنهوض بالمجتمع المصري، فدعاة الرابطة الإسلامية، لا يرون حلا لمشاكل المجتمع المصري إلا بالعودة إلى الدين الإسلامي. على النقيض كانت رؤية دعاة الجامعة المصرية، فرأوا الخلاص بالعودة إلي الهوية الفرعونية، وساند هذه الدعوة رواد التحديث أمثال سلامة موسى، ومحمد حسين هيكل باشا في بدء حياتهم السياسية. وترتفع نداءات سلامة موسى بالالتحاق بأوروبا، ورفض الشرق العربي والإسلامي معا، وإقامة رابطة مع "السويسريين والإنجليز...هؤلاء الناس النظاف الأذكياء." ([11])

ويطالب عبد العزيز فهمي أحد قيادات الوفد في عام 1943:" أن تكتب اللغة العربية بأحرف لاتينية." ([12])

في هذا المناخ السياسي، وفى ظل هذه المشاحنات الفكرية وتعدد المذاهب والحلول، استحال على المصريين أن يحققوا أي تقدم على صعيد القضية الوطنية. وكان من الطبيعي والمصريون على هذه الحالة، أن تحول السفير البريطاني من عدو لمصر ليصبح حكما في الخصومات التي تنشأ بين القيادات المصرية.

ولم يكن نصيب الملك فاروق المعروف باستهتاره بكل القيم الوطنية أو الدينية، بأقل من نصيب السفير البريطاني فأستخف هو الآخر بقيادة الحركة الوطنية. الكارثة أن الزعامات الوطنية والأدبية التي كان الملك يتخوف منها، تتقرب إليه في مهانة ومذلة، فهذا هو النحاس باشا زعيم الوفد يتملق الملك فاروق عندما يتحدث عن دستور 1923 فيقول:"…إلى (الفاروق) ملكنا المحبوب، ترجع كل الفضائل".([13])

ويتملق عميد الأدب العربي د. طه حسين أسرة محمد علي فيعلن في خطابه (ديسمبر 1950) بوصفه وزير المعارف فيقول:" ذكر هيرودوت المؤرخ الإغريقي القديم، أن مصر هبة النيل، لكنني بهذه المناسبة، أقول _على خلاف ما قاله هيرودوت_ أن مصر إنما هي هبة أسرة محمد علي." ([14])

في ظل هذه البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية المتفسخة والمتناحرة..ولد جيل ثورة 23 يوليو عام 1952.

التجارب التنظيمية والسياسية التي شهدتها المرحلة الثورية 1952_1970:

مـــــــــدخل:

لقد شهد المجتمع المصري في مراحل ما قبل ثورة يوليو 1952 تراكما تاريخيا للمعوقات والعقبات التي حالت دون تقدم إيجابي وجاد لحل المشكل الديمقراطي (الهدف السادس). وكانت تلك المشكلات والعقبات في مجملها نتاج للمتغيرات الخاصة بالواقع المصري وارتباطاته بالقوي الخارجية وعلى وجه التحديد قوي الاحتلال..ومن جهة أخري متطلبات التغيير التي واجهت الثورة.

فعلى المستوى المحلي، وبعد قيام ثورة يوليو فرضت معارك التحرير وقضايا التغيير قيودا ومشاكل إضافية، على حركة الثورة. وتحولت دوافع حماية الثورة وأمنها، نتيجة للعداء والتربص المستمر بها في الداخل والخارج مدخلا لتضخم ظاهرة أمن الثورة، ومبررا لفرض قيودا على الحريات السياسية، الأمر الذي أوصل بدوره إلي تزايد سلطة أجهزة الأمن ودور المؤسسة العسكرية.

فإذا أضفنا إلي ذلك النقص الذي تحدث عنه عبد الناصر..بأن الثورة قامت من غير بوصلة عقائدية (نظرية)، ومن غير تنظيم سياسي.."…وبأن هذا الشعب البطل بدأ زحفه الثوري من غير تنظيم سياسي يواجه مشاكل المعركة." ([15])

لأدركنا أن عبئا إضافيا القي على عاتق الثورة وقيادتها يطالبها بإيجاد حلولا لذلك النقص المتعلق بالنظرية الأيديولوجية، والتنظيم السياسي..وبما يترتب على ذلك من استهلاك جزءا من جهودها لإيجاد حلولا لتلك الإشكاليات.

ثم تأتي المتغيرات المصاحبة لقيام الثورة وانعكاساتها في المنطقة العربية، فتفرض بدورها هي الأخرى على الثورة وقيادتها أن توجه جهدا يتناسب مع دور مصر..الذي غيب لفترات تاريخية طويلة عن أداء دوره الطبيعي في قيادة المنطقة العربية، يضاف إلي ذلك مكانة جمال عبد الناصر الذي اختير من قبل الشارع العربي وبغير استفتاء تقليدي ليكون زعيم العرب بغير منافس.

كانت المحصلة لتلك المتغيرات المحلية والإقليمية تفرض على مصر أن تدفع تكاليف الدور والقيادة، وكان هذا يأتي على حساب حل إشكاليات أخري من بينها حل المشكل الديمقراطي.

حول الدور الجديد لمصر، وزعامة ناصر للشعب العربي كتب أحمد بهاء الدين يقول أن الدور المصري أصبح أساسيا وعنصرا مهما يدخل في حسابات القوي السياسية الإقليمية والدولية الفاعلة في المنطقة العربية، فقد فرض دور مصر وزعامتها على كل الأطراف التي تتعامل مع العرب، قبل اتخاذها أي إجراء أن تسأل نفسها ماذا عن رد فعل عبد الناصر.

ثم جاءت المتغيرات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية وما شاب العالم من انقسام إلى كتلتين متنافرتين، تسعى كلاهما إلي فرض هيمنتها على أكبر عددا من دول العالم الثالث، والذي يمثل للقوي العظمي الجائزة الكبرى المتصارع عليها، ساعين بذلك أن يحصروا اختيارات دول العالم الثالث بين المشروع الشيوعي أو المشروع الإمبريالي.

ورغم أن أسلوب الاختيار كان في جوهره بعيدا عن روح الموضوع "إشكالية الحل الديمقراطي" فإن قليلون من قادة العالم الثالث يأتي ناصر في المقدمة منهم تصدوا لفرض الهيمنة من قبل واشنطن وموسكو، بالرغم من العلاقات الجيدة والمتميزة بين نظامه والاتحاد السوفيتي، الذي لم يكن مرتاحا لتوجهات ناصر القومية وعلى مسرح دول عدم الانحياز ودورها في إفريقيا.

المحاولة الأولى..تنظيم الضباط الأحرار:

يرفض الكاتب والباحث محمد عبد الحكم دياب النقد الموجه إلي الجانب التنظيمي للتجربة الناصرية، باعتباره الجانب الأضعف في التجربة، والتي عجزت الناصرية عن إيجاد حلولا له.

ويستند دياب في رؤيته على ما حققه تنظيم الضباط الأحرار من نجاح لم تتوقعه كل القوي السياسية الداخلية وقوي الاحتلال البريطاني. فعلى الرغم من تواجد 80,000 ألف جندي بريطاني في مصر، يدعمهم أجهزة أمنية بريطانية ومصرية نجح تنظيم الضباط الأحرار فيما عجزت عنه الأحزاب السياسية المصرية والتي كانت تمتلك أدوات تنظيمية.

ويشير دياب إلي أن تنظيم الضباط الأحرار قام على أسس هيكلية تنظيمية، خضع لها نشاط تنظيم الضباط الأحرار، فتولت في توجيهه إدارات منها:

إدارة التشكيلات ومهمتها تجنيد العناصر الصالحة.

إدارة الدعاية..والتي تهتم بالاتصال بالأعلام والمنظمات والأحزاب.

إدارة تتولى مهمات قياس الرأي العام المصري.

إدارة تتولى مهمة مواجهة الأعداء الحقيقيين للتنظيم.

إدارة الأمن ومهمتها حماية التنظيم من أجهزة الأمن والمندسين .

وكانت جميع هذه الإدارات تخضع لإدارة وتوجيه شخص واحد هو جمال عبد الناصر.

وعندما استولى تنظيم الضباط الأحرار على السلطة كان هناك وعيا، أن تنظيم الضباط الأحرار هو تنظيم شبه مغلق لاقتصاره على العسكريين، وليس وعاء لحركة جماهيرية، وقد بدأت الثورة تبحث عن حزب من بين الأحزاب السياسية الموجودة يصلح أن يكون وعاءها الجماهيري، لكنها اصطدمت برفض قاطع من قيادات الأحزاب القديمة وخاصة قيادة حزب الوفد بسبب التصادم الذي نشئ عن الصدام القائم على أرضية التوجه الاجتماعي للضباط الأحرار، والوفد الذي رفض مبدأ تحديد الملكية الزراعية.

وبعد أن خاضت الثورة تجربتها مع الأحزاب والجماعات السياسية لتصل في نهاية مشوارها التفاوضي إلي رفض وصاية تلك الأحزاب والجماعات أو الانخراط فيها، ووجدت نفسها أمام نفس الخطر، خطر التشتت الذي أصاب الحركة الوطنية المصرية في السابق، وبسبب استحالت التزاوج بين برنامج وأهداف ثورة يوليو، وبين المصالح الطبقية لقيادة الأحزاب المصرية القديمة.

ونتيجة لهذا، فقد كان من الطبيعي أن تسعى الثورة في البحث عن بديل يستجيب لمطالب المرحلة الجديدة التي لم تعد في حاجة إلي تنظيم عسكري الذي انتهت مهمته بقيام الثورة، وأن يكون هذا البديل التنظيمي له مقدرة ودور الحزب السياسي للبدء في عملية التغيير الشاملة فظهرت فكرة هيئة التحرير. ([16])

وبالرغم من أن تنظيم الضباط الأحرار كان تنظيميا يحمل سمة المرحلة..أو مهمة التغيير الثوري، بإزاحة السلطة القديمة، وإحلال بديل جديد لا يتناقض مع المبادئ الستة الشهيرة. أي أن يكون بمثابة أداة شعبية للتغيير الثوري كما أكد على ذلك الميثاق الوطني:"إن أعظم ما في ثورة 23 يوليو عام 1952أن القوات التي خرجت من الجيش لتنفيذها لم تكن هي صانعة الثورة، وإنما كانت أداة شعبية لها. لقد كانت المهمة الكبرى للطلائع الثورية التي تحركت في الجيش...واختارت له المكان الذي لا مكان له غيره، وهو جانب النضال الشعبي.

إنها قامت بعملية تصحيح للأوضاع...التي أرادت عزل الجيش عن النضال الشعبي...إن الجيش في تلك الليلة أعلن ولاءه للنضال الشعبي...إن انضمام الجيش إلي النضال الشعبي صنع أثرين هائلين: لقد سلب قوي الاستغلال الداخلي أداتها التي كانت تهدد بها الشعب.

كذلك فإنه سلح النضال الشعبي في مواجهة قوي السيطرة الأجنبية المحتلة بدرع من الصلب قادر أن يصد عنه ضربات الخيانة والغدر." ([17])

المحاولة الثانية..هيئة التحرير:

أقدمت الثورة في 16 يناير عام 1953 على حل الأحزاب السياسية في مصر، باستثناء جماعة الأخوان المسلمين. وجاء هذا القرار بعد أن أصبح واضحا أنه من المستحيل التوفيق بين عقليتين متناقضتين ومتصادمتين في الفكر والأهداف والمصالح، فالقيادات السياسية القديمة تحاول أن تحقق في آخر محاولاتها الاحتفاظ بالإمتيازات الطبقية التي استولت عليها، ولكنها أغفلت جانبا مهما، هو أنها وهى تتفاوض مع الضباط الأحرار لم تعد تملك من عناصر القوة ما يمكنها من فرض شروطها أو ممارسة أي قدر من الضغوط لتحقق مطالبها..ولعلها قد أخطأت في تقييمها

لحاجة الضباط الأحرار إلى حزب سياسي يساهم في تغطية متطلبات المرحلة المقبلة بأكثر مما ينبغي، وكانت النتيجة هي عزلها بالكامل..وبالتالي تجميد أي دور لها في حياة مصر الجديدة.

في 23 يناير 1953 أعلن عن قيام تنظيم سياسي يحمل اسم "هيئة التحرير"، فكانت هذه هي أولى محاولات الثورة في مجال تأسيس تنظيم سياسي ذو طابع جماهيري وشعبي، يضم كل الشعب بجميع فئاته وطبقاته المختلفة.

وقد بدأ عبد الناصر ورفاقه الضباط الأحرار يجوبون مصر ليشرحوا للمصريين ماذا تعني هيئة التحرير بالنسبة لمصر وللثورة، ودورها في بناء المجتمع المصري الجديد فمن بين ما قاله عبد الناصر"...أن هيئة التحرير ليست حزبا سياسيا يجر المغانم على الأعضاء أو يستهدف شهوة الحكم والسلطان وإنما هي أداة لتنظيم قوى الشعب وإعادة بناء مجتمعه على أسس جديدة صالحة ، أساسها الفرد، فنحن نؤمن بأن أي نهضة لا يمكن أن تقوم إلا إذا آمن الفرد ببلده وقدرته.

وأن إعادة بناء الوطن لن تتم إلا إذا قام كل فرد بواجبه، فلن نستطيع وحدنا أن نقيم هذا البناء، وأن الفساد الذي عم جميع مرافق البلاد طوال عشرات السنين ليحتم علينا أن نعمل...واعلموا أن الطريق طويل وشاق. فعلينا أن نتذرع بالصبر، فالإرادة التي لا تعرف اليأس لا يقف أمامها عائق." ([18])

كانت العضوية للانضمام إلي هيئة التحرير مفتوحة للجميع لم تقترن بشروط محددة. وهكذا، تم التغاضي عن الواقع الطبقي المتناقض بين الفئات الاجتماعية المكونة للتنظيم الوليد بفعل اعتقاد قائم على التمني بأن الوحدة الوطنية في مواجهة المستعمر الأجنبي قادرة على أن توحد المصريين أو على الأقل تؤجل عمل قوانين الصراع الطبقي حتى يتم الانتهاء والتخلص من الاحتلال البريطاني.

ولم يكن هذا صحيحا، فليس بمقدور الأماني أن تعطل قوانين العمل الاجتماعي، وإنما شكل هذا الاعتقاد والخلط بين الوهم والحقيقة فرصة أمام القوى الرجعية كي تتسلل إلي تنظيم الثورة، وتتولى هي بذاتها توجيهه التجربة وإفشالها.

أخفقت هيئة التحرير في نظر نقادها في أن تصبح أداة لحل المشكل الديمقراطي. لكن د. عصمت سيف الدولة له رأي آخر، فهو يرى أن هيئة التحرير قد حققت العديد من الجوانب الإيجابية التي شهدها المجتمع المصري لأول مرة، رغم التناقض بين الأداة التنظيمية والهدف الديمقراطي، فالذين كانوا يتوقعون من هيئة التحرير أن تكون هي ذاتها منظمة ديمقراطية قد خاب أملهم فيما توقعوا منها.

أما الذين كانوا يقفون من مشكلة الديمقراطية موقف الشعب يقدرون ما أسهم به المشروع الديمقراطي الأول للثورة وهو إشراك الجماهير العريضة الغير منظمة في منظمة جماهيرية..كان إشراكا شكليا، نعم. ولكن تلك الجماهير لم تكن من قبل تشترك في أية منظمة ولم تكن أية منظمة تعنى بإشراكها.

حركت الجماهير بالإغراء أو بالقسر، نعم. ولكن تلك الجماهير كانت اعتادت على عدم الحركة. جمعت تلك الجماهير في سرادقات لتسمع الخطب السياسية التي لا تفهم منها أشياء كثيرة، نعم. ولكن تلك الجماهير لم تكن لتجتمع إلا في الجنائز ولم تكن تسمع ولا تهتم بأن تسمع خطبا سياسية ولم يكن أحد يهتم بأن يسمعها خطبا سياسية.

باختصار أن الثورة في تجربتها الأولى لم تنجح في حل مشكلة الديمقراطية ولم تحقق شيئا يهم الليبراليين، ولكنها في مصر الشعب اقتحمت كل المواقع وأيقظت النيام وحملتهم حملا على أن يفتحوا عيونهم على القضايا العامة وأن يستمعوا ألي أحاديث وأناشيد الحرية.

وكان ذلك إنجازا ديمقراطيا كبيرا بصرف النظر عمى بقى يقظا ومن عاد فنام، وظهر أثر هذه المحاولة في يقظة الشعب أثناء العدوان الثلاثي. أيا كان الأمر فقد كانت مرحلة هيئة التحرير دليلا لاشك في صحته على إصرار الثورة على حل مشكلة الديمقراطية على مستواها الأكثر حدة وهو المستوى الشعبي. ([19])

وهكذا، تراوح النقد والتقييم لهيئة التحرير بأنها حققت المهمة التي من أجلها وجدت، وهي مهمة تثبيت الثورة ودعمها شعبيا في المراحل الأولي للثورة. وهناك من قيم هيئة التحرير بأنها كانت تنظيم أقرب للتنظيم الإداري منه إلي التنظيم السياسي.

المحاولة الثالثة..الاتحاد القومي:

حل الاتحاد القومي محل هيئة التحرير، ورافق عملية التغيير مقولتين تبرران الأسباب التي دعت إلي التغيير، المقولة الأولي تقول أن التغيير قد تم بفعل الفشل المحدود، أو النجاح المحدود لهيئة التحرير في أن تصبح أداة لحل المشكل الديمقراطي، وأداة تنظيمية جماهيرية.

أما المقولة الثانية فتستند إلي أن التغيير جاء استجابة للمتغيرات الوطنية والإقليمية، فبعد فشل العدوان الثلاثي على مصر، وما رافق ذلك من تحولات شملت المجتمع المصري، خاصة مع البداية الجادة للثورة على طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

واستجابة مع دور مصر في قيادة حركة التحرر العربي، والذي أعطي انطباعا حقيقيا في إمكانية قيام الدولة العربية الواحدة، خاصة بعد أن تحققت أول وحدة عربية اندماجية في 22 فبراير من عام 1958 بين مصر وسوريا تحت أسم الجمهورية العربية المتحدة، وأنتخب جمال عبد الناصر رئيسا لها.

في الوقت نفسه كان قيام الاتحاد القومي بغرض تصحيح الأخطاء التي رافقت قيام هيئة التحرير وفرصة في سد الثغرات التي تسللت منها قوى الثورة المضادة لتنظيم هيئة التحرير، ومنعهم من التسلل إلي تنظيم الاتحاد القومي الجديد. وعندما سأل ناصر: هل الاتحاد القومي حزب؟

أجاب ناصر بأن "الاتحاد ا&