أبو مصعب الزرقاوي بين الحقيقة والخيال:
محمد تامالت
مداخلة بجمعية الجاحظية يوم الأربعاء 20 جويلية 2005
 


فوجئ العالم قبل غزو العراق بأسابيع برئيس دبلوماسية أكبر دولة في العالم يقف في مجلس كبار صانعي القرار الدولي, مجلس الأمن, ليرفع صورة لرجل وسيم ملتح لحية مشذبة, يرتدي عرّاقية سوداء ويوجه نظرات قاسية. كانت الصورة التي رفعها الجنرال كولن باول تشبه في تأثيرها صور التشي غيفارا أكبر عدو للإمبريالية في فترة ما؛ كانت اللحية هي اللحية مع الفوارق الإيديولوجية وكانت القبعتان, قبعة غيفارا وقبعة الزرقاوي, تحملان بلا شك دلالات إيديولوجية مشابهة. كان الأول عدوا للإمبريالية أما الثاني فكان عدوا للعولمة.

لا يٌعرف إلى اليوم هل كانت الصورة التي عرضها باول لأبي مصعب الزرقاوي مأخوذة له حقيقة أم كانت رسما أبدع فيه خيال مصممي الCIA عن قصد أو عن دون قصد, لقد بدا أن هدف الصورة كان إشعار المتلقي بمدى أهمية صاحبها وبالتالي بمدى خطره. لم يكن أبو مصعب مجرد إرهابي خطير بل إنه -إن صدقنا إدارة جورج بوش- كان إحدى حلقات الوصل بين نظام صدام حسين وبين قاعدة أسامة بن لادن. عرفنا بعد ذلك أن المخابرات الأمريكية اخترعت لقاء وهميا بين محمد عطا المصري وهو المتهم الأول في تفجيرات سبتمبر 2001 وبين ضابط مخابرات عراقي في أوروبا الشرقية واتضح في ما علمته من الزعيم السابق لأنصار الإسلام الملا كريكار أن الرجل الذي اتهمه باول أيضا بأنه حلقة الوصل الأخرى كان في الحقيقة قد التقى أسامة بن لادن منذ 17 سنة وكان عدوا رئيسيا لنظام البعث الذي حاول تصفيته

لا يملك أحد إلى الآن دليلا على أن الزرقاوي استفاد من دعم حكومي واضح في العراق, لكن ذلك لا يعني أنه لم يستفد من وجود تواطؤ أو فلنقل غض بصر عن نشاطاته قبيل احتلال العراق الذي قدم إليه من أفغانستان مرورا بإيران حيث تم سجنه لأشهر ثم إطلاق سراحه بعد أن أيقن الإيرانيون أن وجوده عندهم لن يفيد بل سيفتح أمامهم جبهة ليسوا بحاجة لفتحها, أيقن الإيرانيون أيضا أن خطر الزرقاوي الذي بدا مبالغا في حجمه آنذاك سيتحول إلى سبب لأرق الاحتلال حين تتوالد اليرقات في الجسم الأمريكي فتنخره من الداخل دون أن ينتبه؛ كان ذلك حلا جيدا في ما يبدو حتى أنه شغل الأمريكان عن مواصلة مشروعهم في تحرير المنطقة.

لعل الصورة التي شاءت جهات مستفيدة من إبراز خطر الزرقاوي أن تبالغ في حجمها, ما كانت لتكتمل إلا بمجموعة من الإشاعات التي تغذي الخوف من الزرقاوي الذي سيذبح العالم واحدا واحدا والذي هو أخطر من القنبلة الذرية والأسلحة الجرثومية. لوقت طويل انتشرت شائعة بأن الرجل كان أعرجا وأنه كان طويلا جبارا, نقلت صحف رصينة هذه الإشاعة وروجت لها ولم يبق إلا أن يقال إن الزرقاوي يتغذى بطفل ويتعشى بامرأة مثلما كانت أوروبا العصور الوسطى تشيع عن الأتراك العثمانيين. نعرف اليوم أن الزرقاوي ليس أعرجا ولا طويلا وأنه بلا شك ليس بتلك الوسامة الأسطورية التي ظهر بها في صورة كولن باول.

اتهمت الحكومة العراقية الزرقاوي باختراق وزارة الداخلية وتجنيد ضباط احدهم برتبة مقدم وأشاع الأردنيون أيضا أن للزرقاوي يدا في التحضير لهجوم على مبنى المخابرات باستخدام أسلحة كيماوية, كان رد المتهم في تسجيل له مقنعا حين قال إنه لو كان يملك هذه الأسلحة لضرب بها مقر الموساد الإسرائيلي بدل الموساد الأردني كما يحلو له أن يصفه. أصبح الزرقاوي أكثر من مجرد مبرر للحرب, أصبح هو الدليل الحي الذي تقدمه الكراهية الغربية على أن الإسلام ليس سوى دين متخلف عنيف لا حظ فيه للكلمة ولا نصيب والحظ كله للسيف. لقد نسي هؤلاء بل تناسوا أن القرآن وهو معجزة الإسلام كان كلمة من الله وأن محمدا رسول الإسلام ظل يدعو إلى دين الله 13 سنة من غير أن يكل أو يمل حتى ولو كان عدد من أسلم معه بعد كل هذه السنين بضعة وسبعون نفرا

وجود الزرقاوي كان ضروريا للأنظمة الفاسدة كي تبرر وجودها هي الأخرى, كان لا بد أن يقال إن العدل والحريات لا يمكن أن تواجه التطرف وإن أحسن طريقة لمواجهة هذا الأمر هو مزيد من القتل والتعذيب مع مزيد من الفساد الذي تبرره عملية شراء الولاءات. لا أحد يسأل اليوم هل حكومة برويز مشرف حكومة مدنية أم عسكرية ما دامت هذه الحكومة شريكا في الحرب على الإرهاب, لقد جعل هذا الوضع القبائل الباكستانية تحصل على ترخيص ضمني بممارسة تهريب كل السلع بما فيها المخدرات مقابل عدم مساعدة أسامة بن لادن والملا عمر العدوان الأولان للولايات المتحدة بعد أحداث البرجين. لا بد أن الوضع مشابه في صحراء المغرب العربي التي تخوض فيها أمريكا حربا وهمية تبرر وجودها ضد تنظيم القاعدة في بلاد افريقية مقابل غض البصر عن تجاوزات الحكومات والقبائل. هذا التنظيم لم يولد بعد ولكنه قد يولد قريبا ليبرر الحرب الوهمية

الزرقاوي نفسه أيقن أهمية هذه المبالغة فأصبح يتحدث عن خطط بينه وبين ابن لادن يتم تبادلها كما قال ذلك صراحة في تسجيل له, وصار من ديدنه إرسال السلام إلى قادة تنظيمات موازية له في العالم ذاكرا إياهم بالإسم كي يفهم إن هنالك علاقة تنظيمية بينه وبينهم كما في حال أبي مصعب عبد الودود (عبد المالك دردقال) زعيم الجماعة السلفية للدعوة والقتال الذي وصفه بالأخ الحبيب في تسجيل له. إنها الخدعة الكبرى التي جعلت الفرنسيين يزعمون أن أبا مصعب الجزائري وأبا مصعب الأردني ينسقان لخطف رهائن فرنسيين لمبادلتهم بقادة الجماعة في الجزائر رغم أن الأمر لم يكن يعدو اقتراحا لشخص مجهول على موقع انترنيت جهادي. انه جهاد الانترنيت الذي يفتح المجال للجاسوس والكذاب والمريض والأحمق للعمل؛ لقد ظللت إلى وقت قريب على اتصال صحفي أكاديمي بشخص يدعى أبا ميسرة العراقي وهو معروف بأنه الناطق الرسمي لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين, بالرغم من أنني وصلت إليه بطرق آمنة ذات مصداقية إلا أنني لا أستطيع أن أجزم حقا بأنه شخص واحد أو أنه حقا داخل العراق وهذا هو عالم الانترنيت

هذه الإشكالية مهمة في فهم الزرقاوي نفسه, إنه مثله مثل كثير من التنظيمات والشخصيات التي يتحدث الإعلام عنها موجود حقيقة ولكن الدور الموكل له مبالغ في حجمه لتبرير الصراع. إن ذلك لا يعني أن مقاومة الأمريكان مجرد وهم صنعه الأمريكان إنه يعني فقط أن ما يتم التركيز عليه لا يمثل حقيقة حجمه وأنه لا يخدم إلا عصبة تدير العالم لا يهمها حتى التضحية ببعض أبناء جلدتها للوصول إلى الهدف. منذ سنوات قال الإستئصاليون من العلمانيين والعسكر في الجزائر إنه لا مانع من فقدان عدد من الجزائر في سبيل الحفاظ على البقية وقال المتطرفون الإسلاميون إنه لا حرج في قتل جزء من الأمة للحفاظ على عقيدة البقية. أولم تبرر مادلين أولبرايت مقتل ضحايا القصف الأمريكي وكذلك الحصار في العراق وفي غيره بأن ذلك ثمن الديمقراطية, أولم يبرر الزرقاوي قتل المسلمين والكفار غير المحاربين بأن التوقف عن التفجيرات سيعطل الجهاد

أجاز في خطبة صوتية قتل أطفال الكفار وحتى المسلمين تبعا لا قصدا تحت قاعدة (القتل بما يعم) وقال إن مفسدة تعطيل الجهاد أكبر من مفسدة قتل من لا يجب قتله مستدلا ببحوث أصولي آخر يدعى أبا عبد الله المهاجر. قال بكل ميكيافلية إن أي وسيلة لقتال الكفار ستكون مشروعة مهما كانت. إنه وغيره يستدلون بفتوى تقول إن المقتول المسلم يبعث على نيته إن قتل تترسا أفتى ابن تيمية بذلك قائلا: (الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بالمسلمين وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا فإنه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار ولو لم نخف على المسلمين جاز رمي أولئك المسلمين أيضا في أحد قولي العلماء ومن قتل لأجل الجهاد الذي أمر الله به ورسوله وهو في الباطل مقتول كان شهيدا وبعث على نيته ولم يكن قتله أعظم فسادا من قتل من يقتل من المؤمنين المجاهدين). فسر الزرقاوي الرمي على أنه التفجير. أعلن أن المسلمين مطالبون باستخدام أكثر الأسلحة تنكيلا بالعدو حتى ولو تضاعف عدد قتلى بني جلدتهم أو قتلى الكفار غير المحاربين تنكيلا وإثخانا بالكفار بأسرع الطرق بما يوازن معادلة القوى بين الاحتلال ومجاهديه, أكد أبو مصعب أن فتوى ابن تيمية كانت في جهاد الطلب أي في ما يسمى بالفتوحات وأن تطبيقها هي في جهاد الدفع أولى

قال الزرقاوي: كم من عملية ألغيت لتوقع استهداف المسلمين, وأكد أن أسلوبه اليوم هو أسلوب المجاهدين كما يدعوهم في نيويورك وواشنطن وفي بالي والرياض والمعبد اليهودي في تونس وكينيا وتنزانيا ومومباسا. باختصار فإن من حرم التفجيرات عنده حرم الجهاد.


بعض تبريرات الزرقاوي مقنعة, فكثير ممن ينتقدونه اليوم كانوا يمارسون في الماضي ما يمارس ولكن هل يبرر ذلك فعله. حسب أبي مصعب فإن تنظيمفيلق بدر الشيعي أحد أكبر أعدائه اليوم كان يفعل بالضبط ما يفعله هو؛ قال الزرقاوي: (فجر انتحاري من فيلق الغدر -المسمى فيلق بدر - نفسه في مبنى الإذاعة والتلفزيون بالصادقية في 1981 كما فجر الفيلق سيارات في شوارع أبو نواس والسعدون والكرادة والزعفرانية خلال حرب إيران وألقى عناصر من الفيلق قنابل يدوية بين طلاب الجامعة المستنصرة في 4 افريل 1980 ثم في جنازة الطلاب كما فجر الفيلق أكثر من 80 سيارة بين 1910 وغزو العراق ونصبوا حواجز مزيفة لقتل المدنيين)

يرى أبومصعب الزرقاوي أن العمليات الاستشهادية كانت تهدف إلى إخراج العدو من المدن إلى أماكن يسهل اقتناصه فيها ويؤكد وجود حالة من النفاق السياسي يبرر بها أعماله, المسلمون يقتلون في كل مكان بالآلاف ولا يدين أحد ذلك بينما يقتل غيرهم أفرادا فتقوم الدنيا. لا بد وأن استمرار الوضع كذلك سيجعل منطق الزرقاوي الذي هو منطق أيمن الظواهري وابن لادن قبله سيزيد في تعميق المشكل وزيادة حجم التجنيد. لقد خلص تقرير أمني بريطاني أعد قبل الحرب على العراق إلى أنهذه الحرب سوف ستتسبب في زيادة عدد من يتم تجنيدهم وهو ما كان

يبرر الزرقاوي قتله للشيعة بأنهم هم السابقون. حول الشيعة حسبه 29 مسجدا في بغداد إلى حسينيات, ذك الزرقاوي أن محمد باقر الحكيم قال لوفد قصده بأن ذلك العدد كان قليلا ما دام للسنة 4000 مسجد. يتهم أبو مصعب عناصر الشرطة العراقية وأغلبهم من الشيعة بالمشاركة في اغتصاب سجينات أبو غريب وأنهفي سجن الكوت والحلة يشرف الشيعة ووراءهم المخابرات الإيرانية على اغتصاب منظم للسنيات وقطع أعضاء السجناء بالمنشار الكهربائي. يظهر قصوراستراتيجية الزرقاوي في عدم ادراكه ضرورة اشراك الشيعة في المقاومة اذا أريد لها النجاح. إنه كذلك لا يعرف حدودا حقيقية لجعل هذا مسلما أو كافرا. اذا كنت أشعري العقيدة منتميا إلى طريقة من الطرق الصوفية فإنك لست من السنة عنده وعند غيره, كما أنك إذا كنت شيعيا فإنك كافر حتى ولو كنت من عامة الناس وهو ما قاله صراحة في رده على اعتراضات شيخه أبي محمد المقدسي

تذبذب الزرقاوي في مواقفه وعدم وصوله إلى قاعدة فكرية يقف عليها يعود إلى عدم تمكنه من علوم الفقه, هذا التذبذب قد يؤكد ما يروج من أن الرجل كان يحرم العمليات الإستشهادية في فلسطين قبل أن يحلها اليوم. كان أحمد فضل الخلايلة في صغره منحرفا تأسلم وتم اختياره لإمارة السجناء في ألاردن لشجاعته واقدامه لا لعلمه وحفظه. لكن يبدو اليوم أن الرجل وصل إلى مرحلة قتل الأب وهو مصطلح في علم النفس قد يفسر ردوده القاسية على أبي محمد المقدسي أخيرا وقد يؤكد رغبة الرجل في الإستقلال أو يؤكد تغييره لرايته إلى اتجاه أيمن الظواهري المنظر الرئيسي للقاعدة. من المعروف كذلك أن الزرقاوي لم يكن من جماعة ابن لادن حين كان في هيرات لكن يبدو أنه اقتنع بأن العمل معه أفضل, لكنه مع ذلك يبحث عن الإستفادة من موقعه في القاعدة لتعزيز مركزه, لقد دعا أبناء جزيرة العرب إلى القدوم للجهاد في جماعته ورد عليه أبو عبد الله صالح بن محمد العوفي القائد السابق لتنظيم قاعدة بلاد الحرمين بأن أكد أنه لن يخذله واصفا إياه بالأسد الهصور وحاول التقرب إلى كل التنظيمات الموازية كما ذكرت ولا بد أن طموحه سيدفعه لاستثمار كل هذا. قد يكون تغييرا للراية يعقبه طلاق تام مع ابن لادن بعد المقدسي

لا بد أن الزرقاوي ليس تافها حتى ولو بولغ في حجمه ولا بد أن الكذبة الكبرى ستتحول إلى حقيقة لو استمرت وهوما يفسر صعوبة الوصول إليه اليوم بعد أن كان ذلك سهلا في الماضي؛ هل تحول الزرقاوي إلى أسطورة تكتب فيها القصائد,كتب شاعر في أبي مصعب الزرقاوي ما أنشده البدو وسارت به الركبان ونصه:


يا خاطري كل ضيقة مفروجة --- والله على جيش التحالف قاوي
لولا السنين الماحنات العوجة ---- ما كان ميزنا الملي والخاوي
والبيت الأبيض من علايا بروجه ---- ينهدّ فوق الغاوي بن الغاوي
يا هيه يا اللي راكب المسروجة ---- بالله وين من المنازل ناوي
بالله تنك رايح الفلوجة ---- سلم على بومصعب الزرقاوي