عن محطة الجزيرة القطرية
مقالان
داود البصري
dasu@online.no
 


ثمة توجهات مقلقة قد باتت تسير الأداء الإعلامي لقناة الجزيرة القطرية التي يبدو أن بعض الأطراف ومراكز القوى فيها يحاول إستثمار الضجة الدولية والإقليمية المثارة حولها ليتسلل من خلاله لأجندة طائفية ولأهداف ملغومة تحاول بعض الأطراف تحريك تيارات معينة وإثارة عوامل ومسببات فتنة طائفية خطيرة قد نعلم كيف تبدأ ولكن لا نعرف ولا أحد يعرف كيف ستنتهي!! ، وإذا كانت عوامل وأسباب وموجبات التحريض السياسي ضد أنظمة معينة يمكن تبريرها بألف سبب وسبب وأهم الأسباب الحرية المعلوماتية وحالة الشفافية والمصارحة وكسر قيود الأفواه المكتومة ! إلا أنه لا يمكن أبدا ووفق أي منطق ديمقراطي تبرير جلب وتهيئة وإعداد العناصر لحملات الشتم والبذاءة والتعدي على معتقدات الآخرين الدينية والفكرية والروحية وهو أمر تمنعه قوانين الدول المتقدمة في مجال الحريات الفردية ! وشتم دين وعقيدة شخص ما تعتبر من الجرائم التي تصدر ضد مرتكبيها أحكام قاسية وشديدة في المجتمعات الحرة ، لأن العقيدة والدين والمذهب شأن خاص ومن صميم الحرية الفردية! إلا أنه ووفقا لكل الحسابات يبدو أن لأهل الجزيرة رأي آخر ومختلف يعتمد إثارة العواصف الترابية ورمي القنابل الدخانية معتمدين على ضعف الذاكرة العربية وعلى فكرة جوهرية تعشعش في الخلايا والتجاويف العصبية لأهل التخطيط في الجزيرة من أنه : { كله عند العرب صابون }!! وفي الإصرار على ركوب ذلك المرتقى الصعب قدر كبير من المغامرة الخطرة والتي قد تكلف الكثير على مستوى الأمن القومي في منطقة الخليج العربي الهشة ستراتيجيا والنائمة على جبال من التوتر التاريخي من النواحي الفكرية والسياسية والدينية والطائفية!! ، وهو الجانب الأخطر في كل الموضوع ، فالهجمة البذيئة والشرسة وغير المبررة التي تعرضت لها المرجعية الشيعية في العراق ممثلة بشخص السيد علي السيستاني والتي لها إمتدادات روحية كبيرة في دول الخليج العربي ومنها دولة قطر بالذات قد تثير كوامنا وعواملا مقلقة لتناحرات طائفية ستزيد الموقف الإقليمي المشحون أصلا توترا لا يمكن التكهن بمدياته ، فمن حق الجميع إنتقاد السيد السيستاني ومناقشة مواقفه وتوجهاته فهو غير معصوم من الخطأ وهو بشر عادي أولا وأخيرا ، ولكن القضية أكبر من السيد السيستاني لأنها تمتد أفقيا وعموديا لتتطاول على عقائد وقيم وأفكار كانت موجودة وحية منذ قرون طويلة ، كما كانت متعايشة سلميا مع الآراء والقيم والمذاهب والأفكار الأخرى ، وما حصل في الجزيرة في ليلة الشتم الساخنة تلك هي من العوامل الداعمة لأهل الفكر التكفيري الذين لا يحتاجون أصلا لا للجزيرة ولا لغيرها لبث أراجيفهم ، ولكن نوعية وأسلوب مثل تلك البرامج الخارجة عن سياق الأدب والإحترام والمنطق السوي السليم تخدم في المحصلة أهل تلك الأفكار الظلامية ، وإذا كانت ثمة مواقف سلبية ضد ممارسات وأفكار الأحزاب والجماعات الشيعية في العراق فإن تلكم الأحزاب لا يمثلها السيد السيستاني ولا علاقة له بها أبدا ، فصراع المجلس الأعلى مع حزب الدعوة المنقسم على نفسه هو من إفراز مرحلة الوجود الإيراني والمرجعية الروحية بعيدة كل البعد عن تلك الصراعات السياسية والشخصية، ثم أنها أعلنت أكثر من مرة وعلى رؤوس الأشهاد من أنها لا تؤيد طرفا بعينه وهي بالتالي لا تتحمل مسؤولية أن يقوم البعض بإدعاء الإنضواء تحت مظلتها!!، فالمرجعية كما نعلم كعراقيين سنة وشيعة لا تمثل حزبا سياسيا ، ولا تسعى لإقتناص المناصب ، أو لإقامة ولاية فقيه عراقية فذلك أبعد ما يكون عن التفسير والتحليل والفهم المنطقي لواقع الحال في العراق ! وإذا كانت الجموع الشعبية العراقية تهتف بإسمها وترفع رايتها فما ذلك إلا بسبب فقدان الزعامة السياسية الحقيقية في العراق وحالة الفراغ القيادية المرعبة على المستوى الشعبي لبلد جامح وصعب الحكم وهي الملاحظة الأولى والمهمة التي أدركها ملك العراق الأول ومؤسس الكيان العراقي المستقل المرحوم ( فيصل الأول بن الحسين ) 1921/ 1933 والذي وضع الأسس الأولى لمنهجية قيام الدولة العراقية وفي ظل مباركة المرجعية الشيعية في تلك الأيام وهي التي شاركت في إختيار أحد أبناء شريف مكة السابق ملكا على العراق ولم تحاول مطلقا أن تفرض زعيما شيعيا أو أي شخص من أصول غير عراقية نظرا لكثرة المرشحين والمتطلعين لحكم العراق آنذاك ! ولو تحركت المرجعية سياسيا حينذاك وتفاهمت مع البريطانيين لتغير شكل ووجه العراق بالكامل ؟ ولكنها لم تفعل أبدا ولن تفعل مستقبلا لأنها تعي جيدا أنها عنصر من عناصر الوحدة الوطنية العراقية وهي بالتالي ليست مشروعا تقسيميا ولا شأن لها بممارسات الأحزاب والتيارات الأخرى التي ترفع الشعارات الدينية والمذهبية ، و السيستاني كما أسلفنا ليس شخصا مقدسا ولكنه أيضا ليس ( المهدي المنتظر )!! كما قال فاضل الربيعي ولم يناقشه فيصل القاسم أو يوقف سيل بذاءاته على الأقل لأنه مدير الحوار وكان ينبغي عليه أن لا يدع حبه للإثارة والزعيق ينطلق على مداه ليلامس حافات صاعقة وخطرة تعود بنتائجها المزعجة على الأمن القومي في دول الخليج العربي ؟ لو شتم أيا منا أي حاكم عربي أو حتى ملكة بريطانيا أو ملك السويد أو النرويج أو ملكة الدانمارك وهولندا فسيحال فورا للقضاء لأنه مس رموز السيادة الوطنية رغم أن أولئك الأشخاص لا يتمتعون بالقدسية الدينية ولكنهم يتمتعون بالمهابة والحصانة القانونية من تجاوزات الغوغاء والجهلة ؟ فهل أن الحرية والشفافية تتيح لنا شتم الإمام الأكبر ( شيخ الأزهر ) ووصفه بكل تلك الأوصاف المخجلة والمعيبة التي قيلت بحق السيد السيستاني بحجة أنه من مؤيدي معاهدة السلام مع إسرائيل ؟... قطعا لا .. ولن نسمح بذلك.. والأمور السياسية المعقدة والمتداخلة في عالمنا المعقد لا تقاس بمثل تلك الخفة الرهيبة .. ولا أدري ماذا سيكون جواب السيد فيصل القاسم لو أن أحدهم تطاول على مقام ( شيخ عقل الطائفة الدرزية ) التي نحترمها بحجة أنه سكت عن تجنيد الدروز في جيش الدفاع الإسرائيلي ؟؟ إنها ملفات مرهقة ومتداخلة ومعقدة لا يصح أن تترك على قارعة الطريق ، وخطأ الجزيرة القاتل الأخير أنها قد تركت العنان لمن يخلط بين متبنيات الصراع السياسي وبين الوضعية الطائفية السائدة في العراق اليوم أن يأخذ راحته في التعبير عن فشله ومنطلقاته من خلال إثارة النعرات الطائفية والتهجم على الرموز الدينية كما فعل مندوب ما يسمى ب ( التحالف الوطني العراقي ) الذي يضم القدماء من محاربي البعث السوري والشيوعي العراقي وبعض الأحزاب والدكاكين الصغيرة الأخرى والباحثة عن دور وفي زمن حقق فيه الإنسان العراقي النصر على ذاته من خلال المشاركة الجماهيرية الواسعة في العملية الإنتخابية وفي إنجاح التجربة الديمقراطية الوليدة ، ففي الديمقراطية وحدها يمكن إصلاح مناطق الخلل والقصور ، مع ملاحظة أن ما قاله السيد فاضل الربيعي من شتائم في ( الإتجاه المعاكس ) ليس هو المرة الأولى بل سبقه لذلك أحد العراقيين الآخرين من قادة أحد التنظيمات الوهمية في عالم ( الإنترنت ) والذي أدلى ومن على نفس البرنامج بشتائم من العيار الثقيل لم يلتفت أحد إليها وقتها لكون الوقت حينها لم يكن وقت إنتخابات لذلك مرت تلك الشتائم وتناساها القوم ، ولكن المعضلة والورطة الحقيقيةالأخيرة للجزيرة لا تتمثل في العداء للحالة الجديدة في العراق فقط ؟ بل أنها دخلت في مواجهة مفتوحة مع ( أهل الشيعة ) في العالم وفي الخليج العربي بشكل خاص!! ، وهي معضلة لا ندري كيف ستتم مواجهتها!!.. وقديما قيل : { غلطة الشاطر بألف }! ، ولكننا نقول بأن : { غلطة الجزيرة .. بمليون غلطة }!! .. فهل يتعظ القوم ؟ أم أن حروب الفتنة الكبرى ما تزال مستمرة ؟

المقال الثاني



بعد أن ملأت ( قناة الجزيرة ) دنيا الفضاء الإعلامي العربي والدولي ضجيجا وصخبا ، وبعد أن شبعت تلك القناة من حملات ( اللطم ) والندب والعويل حول ما قيل عن تعرضها لمخطط أميركي يهدد بقصف مكاتبها وإغتيالها ماديا ومعنويا ، وعبأت لذلك المقالات والندوات والمؤتمرات الجماهيرية و ما تبعها من حملات التضامن من نقابات ( بوركينا فاسو )! والأحزاب التقدمية في ( السنغال )!، والمؤتمر القومي العربي في ( ساحل العاج )!

عادت اليوم ومن جديد لتتصدر أخبارها ومشاكساتها ومتاعبها التي لا تنتهي الفضاء الإعلامي من جديد بسبب القنابل الدخانية المدوية في أحد برامجها الأخيرة عبر التهجم العلني والقذف الواضح والسب والشتم الموثق ضد أكبر مرجعية للمسلمين الشيعة في العالم ممثلة بمرجعية السيد ( علي السيستاني ) في العراق، وحيث تعرض شخصيا هو والمؤسسة الدينية والفقهية الشيعية لأشنع هجوم لم يكن مصدره من الجماعات السلفية المعروفة ولا من مؤسساتها المعروفة في العالم ! بل من خلال عنصر ( الضد النوعي )! أي من خلال أحد العراقيين الشيعة الذين يمارسون العمل السياسي والإعلامي المضاد للإتجاه السائد في العراق اليوم!

وهو هجوم تجاوز كل الحدود ، وتخطى كل الموانع ، وتعدى على كل القيم ، وداس على كل الحريات التي تكفلها الدساتير الوضعية أو السماوية! لأنه وجه خصيصا ( لتحقير) المؤسسة الدينية الشيعية وإتهامها بالعمالة والجاسوسية والخنوع!!!

وهو أمر غير مسبوق في العالم العربي في أن يتم التعدي على الثوابت والرموز والمقدسات الدينية والطائفية بذلك الشكل الفج، وبذلك التوقيت الحرج ، وحيث يعيش العراق واحدة من أبرز إستحقاقاته التاريخية والتي ستشكل نتائجها بطبيعة الحال شكل العراق المستقبلي وهي الإنتخابات العامة ، إضافة لذلك كله فإن الجزيرة قد لعبت بتيارات صاعقة في المنطقة والإقليم الخليجي عبر إستثارتها للنعرات الطائفية ، وتصعيد العداوات والحساسيات الكامنة ، ومحاولة تحريك الخيوط نحو نهايات غير محمودة العواقب !

وقد يعترض قائل ويقول بأن الجزيرة لا ذنب لها في كلمات الشتم العلني التي تفوه بها ذلك العراقي..؟ وهو إعتراض قد يكون مقبولا من الناحية الوجاهية لو كان ما قيل قد صدر هفوة أو عن طريق شطحات الكلام وهفواته!!

ولكننا نعلم كما أن ( الرفاق ) في الجزيرة يعلمون مليا بأنه لاشيء يسير بالصدفة في برامج تلك القناة؟ فكل شيء متفق عليه قبل دخول ( البلاتوه )!! وكل المحاور الكلامية متفق عليها ؟ وكل الحركات والسيناريوهات تخضع قبل التنفيذ لإجراءات الصيانة!! نقولها عن تجربة وخبرة ومتابعة ، فإختيار الضيوف والمشاركين يخضع لظروف معينة ويتم بعد دراسة وثيقة ، ويتم الإختيار النهائي للضيوف بعد التأكد من بعض المعطيات الحيوية

وما تفوه به السيد ( فاضل الربيعي ) وهو أحد عناصر ما يسمى بتنظيم ( التحالف الوطني العراقي ) والمتورط رئيسه بتنفيذ العمليات الإرهابية التخريبية ضد منشآت النفط العراقية وهو السيد ( عبد الجبار الكبيسي ) البعثي السوري السابق والذي أسس تنظيمه قبل شهور قليلة من سقوط نظام صدام ثم ذهب لبغداد ليتفاوض مع النظام خلال ساعات العد التنازلي النهائية لنظام البعث العراقي ، أقول ما تفوه به السيد المذكور آنفا لم يكن خطأ مطبعي!! بل كان يصدر عن قناعة وتأكيد ومع سبق الإصرار والترصد وبموافقة ضمنية من أهل الجزيرة الباحثين على الدوام عن فرقعات إعلامية وإن أدت لنتائج إنتحارية ولصدمات طائفية خطيرة وغير مرغوب بها أصلا

والواقع أن المتابع والراصد الموضوعي لبرامج الجزيرة الحوارية يلاحظ في الفترة الأخيرة إستماتة الجزيرة الدائمة في إستضافة عناصر معينة مشخصة بعدوانيتها وتجنيها ومعلوماتها الزائفة ، ومحدوديتها السياسية وكونها من العناصر السابقة في بعض الأحزاب والتيارات السائدة في العراق ! ، كما يلاحظ المتابع أيضا حشدا غير عادي لدعم مسوغات ودعايات جماعات التطرف السياسي والديني وتسليط الأضواء عليها وتكبير حجمها عبر تكرار تسليط الأضواء ؟

وبرنامج ( الإتجاه المعاكس ) بالذات وهو الذي أثار المشكلة الأخيرة والخطيرة مع شيعة العراق قد أصبح حكرا على وجوه معينة ثلاثة أو أربعة لا تتبدل بل تتبادل الأدوار! وغالبيتها عناصر محسوبة طائفيا على الشيعة وسياسيا على التيار اليساري والعلماني!! ولكن طروحاتها تمثل مزيجا غريبا من الطائفية المريضة والحقد السياسي والتطلعات الدموية المريضة والحاقدة، ولا داعي لذكر الأسماء فالأمور معروفة وواضحة ، وأحسب أن التظاهرات الأخيرة في العراق وحملة الإستقالات داخل مكتب الجزيرة في العراق تضاف لمواقف سابقة وقفتها تيارات شعبية عراقية عديدة من القناة منذ الأيام الأولى لسقوط النظام البائد ؟

وإذا كانت الجزيرة قد تميزت في السابق بصراعاتها ضد دول عربية معينة وتهجم بعض ضيوفها على انظمة وعروش وعوائل حاكمة كما حصل مع الأردن ومع دولة الكويت ومع المغرب والجزائر ، فإنها هذه المرة قد لعبت بالنار لأنها بشتم الرموز الدينية قد فتحت المجال واسعا في المنطقة الخليجية لفتنة طائفية لا يستفيد منها إلا أعداء العرب والمسلمين سنة وشيعة..

فملف الجزيرة متورم بالعديد من المواقف التي لا يمكن تبريرها أو الدفاع عنها، وحرية الرأي والرأي الآخر لا تعني أبدا شتم الآخرين وتخوينهم وإتهامهم بالعمالة والجاسوسية دون دليل ووفق آلية إثارة إعلامية منفلتة لا تراعي الحساسيات ولا المشاعر ، فالقضية أساسا ليست مجرد خلاف في الرأي والمواقف بل أنها دعوة علنية واضحة لفتنة طائفية لن تبقي أو تذر لا سامح الله ، وهي فوق هذا وذاك تدخل في صميم معادلة الأمن القومي الخليجية وحتى العربية...

لقد تمكنت ( قناة الجزيرة) في الأزمات السابقة من تجاوز كل المواقف والخلافات المحرجة مع بعض الأنظمة الخليجية ولكن في أزمتها الأخيرة مع المرجعية الشيعية في العراق فإن الجزيرة قد وقعت للأسف تحت سطوة وإرادة تيارات التخريب والتطرف من الأحزاب والجماعات التي تستضيفها على الدوام ، وقد تم إستغلال منبر الجزيرة لمآرب وأهداف خاصة لبعض القوى السياسية والحزبية!! وهو تطور نوعي خطير ينم عن آفاق مستقبلية مجهولة ..

ويبدو أن ( غرام ) الجزيرة بالوضع العراقي الملتهب قد تحول ( لإنتقام ) إعلامي شرس تداخلت معه رياح الطائفية و الإرهاب وتضارب الرؤى!! لتقع الجزيرة في واحدة من أخطر الشراك الخادعة!! وهو ما يؤكد على هشاشة وخفة العقل الإعلامي العربي... الأزمة ستكون لها تفاعلاتها بكل تأكيد... فمن إستل سيف البغي قتل به... وربنا يستر