عن الاخوان المسلمين وسن الرشد والبلطجية واغتيال تويني
 كتب د. عمرو اسماعيل
17 ديسمبر 2005


كتبت مقالا سابقا تساءلت فيه متي ستبلغ مجتمعاتنا سن الرشد .. ومضطر أن أكرر معظم ما فيه فقد أثبتت الاحداث الاخيره في مصر (انتخابات كان البطل الاول فيها هم البلطجية ) ولبنان (قتل جبران تويني ) وما يحدث في العراق يوميا ..

المجتمعات التي تصل إلي سن الرشد هي مثل الطفل تماما عندما يصل إلي سن البلوغ حينما يبدأ هذا الإنسان البحث عن المجهول والمختلف و تعلم المتعة في ذلك و تعلم الأختيار بين بدائل و تحمل تبعات هذا الأختيار .. اي ببساطة يبدأ الأنسان في النضج و أهم علامات هذا النضج هو اكتشاف ان هناك آخر مختلف يجب التعايش معه ومحاولة الحصول علي الثقة والمنفعة المتبادلة ..
وهذا التطور في الشخصية سواء الفردية أو الجمعية هو التطور السوي وتؤثر فيه عوامل كثيرة مثل الأسرة و البيئة المحيطة و الثقافة الغالبة فيها ..
و لكن للأسف الثقافة الغالبة في مجتمعاتنا تمنع هذا التطور الطبيعي والصحي ..
فالمتابع لأهم سمات مجتمعاتنا يجد ان اهم ما تتصف به هو التمسك بدفء المألوف من العادات و الأفكار واعتبار ان كل من يخرج في تفكيره او تصرفاته عن هذا المألوف هو ضال او شارد يجب رده الي الصواب كما تعتقده هذه المجتمعات في اي مرحلة زمنيه واذا لم يمكن ذلك فالأفضل تصفيته معنويا أو حتي جسديا اذا كان صوته عالي اكثر مما يجب مثلما حدث مع الكثير من مثقفينا من طه حسين إلي نجيب محفوظ مرورا بيوسف إدريس وفرج فودة ونصر حامد أبو زيد وأخيرا الدكتور احمد صبحي منصور .. وللأسف يحدث معي ايضا علي صفحات هذه الجريدة وغيرها ومع كل من يتخذ موقفا فكريا يختلف ولو قليلا عن المألوف والمتعارف عليه .. دينيا أو ثقافيا ..
وتتضح هذه السمة اكثر مما تتضح في امثالنا الشعبية ...اللي تعرفه احسن من اللي ماتعرفوش... .. انا واخويا علي ابن عمي وانا وابن عمي علي الغريب ... كما تتضح هذه الصفة في اتهامات التكفير والعمالة التي نطلقها جزافا وبسهولة شديدة علي كل من يفكر بطريقة مختلفة ...

وتستغل جماعة الاخوان هذا المجتمع الذي يحتمي بدفء المألوف لاقناعه أن كل من يختلف معهم هو ضد الاسلام والدين .. مما أدي الي نجاحهم ضد خصومهم مهما كانت قيمتهم الوطنية والفكرية .. هل يستطيع مجتمع لم يبلغ سن الرشد غير أن يقتنع أن الاسلام هو الحل !!! دون أن يسأل اي حل بالضبط .. فالحلول داخل الاسلام كثيرة وكل حل منهم له فقهاؤه ومنظروه ..
اما اهم صفات المجتمعات التي لاتريد أن تبلغ سن الرشد قدرتها علي الصراخ دون الفعل لتحصل علي ماتريد تماما مثل الأطفال ..
فنحن نصرخ لنحصل علي حقوقنا دون ان نحاول العمل و الأنتاج لنصل إلي القوة اللازمة التي ستضمن لنا في النهاية هذه الحقوق .. ونلقي اللوم علي الآخرين لنبرر لأنفسنا الفشل او الخطأ مثلما يفعل الطفل تماما ..
فالشعوب تلوم حكامها علي ماهم فيه من تخلف وقهر والحكام يلومون الشعوب انهم غير مستعدين لأخطار الديمقراطية او ان سبب تخلفهم الأقتصادي هو تكاثرهم غير الواعي وزيادة نسلهم وكأنما يريدون ان تتوقف الشعوب عن ممارسة الجنس ليصبح حكرا علي الحكام .. انظر الي اي خطبة لرئيسنا المبجل الذي اختصر كل مشاكلنا في زيادة عدد السكان وكأنما الصين مثلا تعيش علي كوكب آخر..
والجميع شعوبا و حكومات يصرخون لوما للآخرين علي كل بلاوينا من الأمبريالية العالمية الي امريكا التي اسميناها اللقيطة الي الصهيونية العالمية وكأنما نحن ضحايا يتآمر علينا الجميع حتي نظل متخلفين اقتصاديا و حضاريا .. نظل نصرخ ليل نهار اننا خير أمة أخرجت للناس دون أن نقدم اي دليل علي ذلك .. لقد اصبح الاسم المختصر لكل شعوب الأرض الأخري هو الكفار ثم نستغرب لماذا لا يحبوننا .. بالله عليكم كيف تتوقعون من الذي نعتبره كافرا ان يقف بجانبنا ويؤيد حصولنا علي حقوقنا.
اما الأنانية التي تجدها صفة من صفات الطفولة البريئة فحدث و لا حرج .. فنحن نعتبر ان الله قد سخر لنا الشعوب الخري لتعمل وتكتشف وتنتج لنستمتع نحن علي الجاهز ..
نركب سيارات لا ننتجها ونستعمل تكنولوجيا الغرب ثم نلعن هذا الغرب الكافر ونأكل مما يزرعه الغير ثم نفجره بسيارة مفخخه ونظهر علي الفضائيات مستمتعين بحماية القانون في المجتمعات الغربية التي يعيش فيها بعضنا هربا من سجن بني وطنه ..ثم نجدهم يتهمون هذه المجتمعات بالكفر ويحللون قتلهم ونسف رجالهم و اطفالهم و نساءهم ثم يصرخون عندما تقرر هذه المجتمعات ترحيلهم إلي بلادهم ونقول لهم أين الديمقراطية التي تنادون بها .. أي عهر سياسي ثقافي أكثر من لك .

اما وضع المرأة في مجتمعاتنا فهي اكبر مثال علي توقف تطور شخصيتنا عند مرحلة معينة فنحن نعايرها ليل نهار باننا ضمنا لها حقوقا لا تجدها في اي مجتمع آخر بصرف النظر عن رأيها الذي هو بالنسبة لنا شيئا ثانويا المهم أن تكون مستعدة دائما لإرضاء أعضائنا التناسلية التي تعرفنا عليها بغرائزنا وليس بعقولنا كما يؤكد علي ذلك فرويد في نظريته عن تطور الشخصية ...

ولننظر الي ما يحدث في العراق ولبنان ومصر .. فالجميع يستمتعون بالتردي الي بدائية الأنسان الأولي من قتل و تعذيب ونسف وبلطجة انتخابية وتزوير .. واستخدام التكنولوجيا الحديثة في ذلك فصور مؤخرات الرجال اصبحت تبث في وسائل العلام والإعدام بفصل الراس عن الجسد امام الكاميرات والتمثيل بالجثث وقصف البيوت بالطائرات ونسف الامنين بالسيارات المفخخة أصبح من الأشياء المألوفة التي لا تهتز لها ضمائرنا .. الجميع وعلي رأسهم جنود قوات الأحتلال يستمتعون بممارسة العنف والقتل والتعذيب باسم الديمقراطية والمقاومة والدين والحقيقة ان الجميع في منطقتنا المنكوبة من العالم ارتد الي بدائية الإنسان وهمجيته .. والجميع يبدو مستمتعا بذلك..

لا يا سادة المجتمعات التي بلغت سن الرشد .. من حق الإنسان فيها الإختيار .. إختيار الدين الذي يتعبد به إلي الله ولا يفرض اختياره هذا علي الآخرين ويرفض في نفس الوقت أن يفرض عليه الآخرون دينا معينا .. هذه المجتمعات الدين فيها لله والوطن للجميع ..
من حقه اختيار الكتاب الذي يقرأه ولا تصادر فيه الكتب مهما كان محتواها .. طالما لا تحتوي تحريضا علي العنف ..
في المجتمعات التي بلغت سن الرشد يختار فيها المواطنون الحاكم وممثليهم في المجالس الشعبية بحرية وبطريقة سلمية ويغيرونهم أيضا بطريقة سلمية .. بناء علي دستور وقانون مدني واضح لا يحتمل الـتأويل ولا يحتمي في الله والدين ..
في المجتمعات التي بلغت سن الرشد لا يدعي أحد فيها أن الدين قد نظم لنا كل شيء من دخول الحمام إلي اختيار الحاكم .. رغم أن من يدعون ذلك لم يجدوا وسيلة لتغيير هذا الحاكم إلا عزرائيل ..
في المجتمعات التي بلغت سن الرشد الدين فيها هو دعوة واختيار فردي والسياسة فيها هي دعوة و إقناع وليست فرضا ..
حتي الدول التي لا تستطيع فرض اي شيء علي مواطنيها ونظم الحكم فيها تستجدي البقاء من شعبها .. جاءت إلينا لتحاول فرض مفهومها للحكم علينا بقوة السلاح ,, لأنها تعرف أننا مجتمعات لم تبلغ سن الرشد وتعودت أن يفرض عليها كل شيء ..

حينما تبلغ مجتمعاتنا سن الرشد لن يستطيع أحد أن يفرض علينا شيئا .. لن يسطيع حاكم أن يفرض علينا استبداده .. ولن يستطيع شيخا أن يفرض علينا مفهومه الإستبدادي للدين .. ولن تستطيع قوة خارجية أن تفرض علينا مفهومها للديمقراطية ..

ولن تبلغ مجتمعاتنا سن الرشد إلا إن تطور المواطن فيها أولا إلي مرحلة البلوغ الفكري والثقافي والسياسي .. إلا إن تحرر أولا داخليا من ثقافة العبد .. ثقافة القطيع