الاخوان المسلمون
صلاح المومني
17 ديسمبر 2005
s_4_momani@yahoo.com


لست "إخونجياً" وما ينبغي لي أن اجعل جماعة أو حزباً سقفاً لفكري ورأيي ، فقد آليت على نفسي ومنذ سنين طويلة أن أعيش بعيداً عن هيمنة شيخ يضع حدوداً لطريقتي في الحياة كما وضعت حدود سايكس بيكو ، أو أن أسير في خطاي تابعاً لخطى إمام طريقة ليكفرني إن انحرف المسار قليلاً ويبيح دمي لو تنكبت الطريق ، لكنني أجد نفسي ملزماً بالمباركة لجماعة الإخوان هذا النصر في انتخابات مصر لأكون بهذه المباركة خارجاً عن روح ونص التحليل الذي قدمه لنا الدكتور "عمرو إسماعيل" وغيره ، معتبراً انه نصر حقيقي جاء وليد عمل دام لعقود ولم يستثن صغيرة ولا كبيرة في أسس العمل السياسي إلا وقد وضعها ضمن خطة الوصول، وها هم قد وصلوا ولكن السؤال إلى أين ؟

في لعبة الديمقراطية الشرق أوسطية علينا أن نتعرف على بعض ثوابت العمل السياسي لكي نستطيع التحليل فيه ولكي نستطيع الوصول إلى نتيجة تصلح لقبولها وفق قواعد التحليل.

الإسلام السياسي مرفوض من قبل الأنظمة:

هذه واحدة ضمن ثوابت الأنظمة الشرق أوسطية ، وما كان رفض الإسلام السياسي إلا لعلم تلك الأنظمة أن بريقه وجوهره لو طبق في حياة الناس لوجد قبولاً ورضاءً حتى من غير المسلمين، لذا لم يكن مقبولاً لدى الأنظمة المنافسة ، وبنظرة خاطفة وسريعة نجد أن كل محاولات الإسلاميين للوصول إلى السلطة قد باءت بالفشل ، فعلى سبيل المثال لا الحصر ، لننظر إلى التجربة الجزائرية ، فقد ألغيت الانتخابات حينما سيطر التيار الإسلامي المتمثل بحركة النهضة الجزائرية وكاد أن يحصد المقاعد البرلمانية بكاملها ، فوجدنا أن العسكر قد دخلوا اللعبة وكلفت هذه الحركة الجزائر عشرات الآلاف من القتلى وفوضى عارمة طالت كل البلاد ، ونتائج غير محمود حيث اختزلت حركة النهضة وشردت قيادتها ، وانتهى الأمر إلى حالة ركود ربما تحتاج البلاد قرناً من الزمان للنهوض والعودة إلى نقطة البداية.

التجربة التركية التي أخذت مرحلتين ، الأولى تمثلت بقيادة "نجم الدين" أربكان التقليدية ، والثانية كانت بقيادة حزب العدالة والذي يعود بأصوله لذات الحزب بقيادة "عبد الله غول" ، ورغم نجاح الحزب التركي بالوصول إلا أنه يعلم تماماً أن عليه أن ينادي بعلمانية الدولة وان ينصاع للدستور بكل ما فيه ، حتى قضية الحجاب كان من الصعب التغيير فيها ، ومن هنا تحولت حكومة من المفترض أن تكون إسلامية إلى حكومة علمانية يغلب عليها الطابع الإصلاحي بحكم الخلفيات التي ينتمي إليها الطاقم الحكومي.

هذان مثالان بسيطان يثبتان أن الحكومة الإسلامية إما أن تقصى بقوة العسكر قسراً أو أن تتخلى عن برنامجها الإسلامي ، وفي الحالتين يعد هذا تراجع غير مقبول في الأجندة الإسلامية في المنطقة.

الوجود الإسرائيلي جزء من المنطقة:

لو أن الإسلاميين وصلوا إلى الحكم قبل معاهدات السلام المبرمة ، لوجدنا أنه من السهل عليهم الوقوف ضد وجود إسرائيل ، لكن معظم الدول العربية الآن مرتبطة سواء سراً أو علانية باتفاقيات مع إسرائيل ، وهذه الاتفاقيات تورث لكل حكومة بغض النظر عن توجهها ، ثم هناك الجديد في المعادلة الشرق أوسطية في الوقت الحاضر ، وهذا الجديد هو الوجود الأمريكي العسكري الداعم للكيان العبري ، أو لنقل الوجود الأمريكي المنبثق عن أجندة طويلة المدى في الشرق الأوسط متعددة الأهداف ، ولعل من أهم أهدافها إقامة الشرق الأوسط الكبير وفق تلك الأجندة.

لا شك أن إسرائيل وفق البرامج الإسلامية في المنطقة لن يكون مرحباً بها ، بدليل أن تصريحات الإخوان تحولت وتبدلت لكنها لم تصل حد الاعتراف بالدولة اليهودية ، فقضية فلسطين التي شهدت وجوداً كثيفاً في الفكر والأجندة الإخوانية منذ نشأة الحركة ، نجدها قد أصبحت قضية هامشية اليوم ، فهي القضية التي تحولت من"القضية المركزية" للعمل ألإخواني إلى قضية أساسية ، ثم لم تشأ الحركة الإخوانية العالمية أن ساوتها ببقية القضايا الإسلامية ككشمير والبوسنة والشيشان. هذا التحول تطور بالأمس ليصبح قبولاً من طرف الإخوان للمعاهدة المصرية الإسرائيلية، مع التحفظ على اعترافهم بحق إسرائيل بالوجود، ومع ذلك ظلت بعيدة عن الاعتراف.

نعم هناك تحول في الفكر والمنهج ألإخواني، وهناك خروج على المألوف في سياستهم تجاه القضايا العالقة في المنطقة والعالم لذا فإن الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود سيكون قريباً ، ولئن لم يكن صريحاً فسيكون ضمناً إذا أدرك الإخوان أن وجود إسرائيل والاعتراف بها جزء من المعادلة للوصول إلى السلطة والبقاء فيها ، بل لربما أصبح ضرورة لكي لا تتعرض الجماعة للاجتثاث بتهمة الأصولية.

الأنظمة العربية رؤية موضوعية:

النظام المصري والنظام الأردني وأنظمة أخرى تراهن على إسلام سياسي خاص ، ليس هو الإسلام السياسي الذي تتبناه الأحزاب الإسلامية في المنطقة بتشددها وانفتاحها ، إنما إسلام سياسي يبقى تحت السيطرة ، يمجد تلك الأنظمة من ناحية ، ويغض الطرف عن أي طرح إسلامي إصلاحي من الناحية الأخرى ، وفق هذين الشرطين أجد إمكانية طرح إسلامي في المنطقة العربية دون الاصطدام بالعسكر أو بالأنظمة أمراً ممكناً.

إن الوصول إلى البرلمانات أمر مسموح وفق حدود ، وتبعاً لشروط تمليها تلك الأنظمة ، تبدأ بتغيير القوانين للحد من وصول الجهات غير المرغوب بها إلى مواقع صنع القرار والتشريع ولربما للحد من سيطرتها ، وإذا استعصت تلك الأحزاب على القوانين ، يكون الأمر بتدخل العسكر كما حصل في الجزائر وتركيا وبصورة محدودة في مصر مؤخراً "منع المقترعين من الوصول إلى صناديق الاقتراع".

إن صور تدخل الأنظمة الشرق أوسطية للحد من وصول الإسلاميين للحكم ستأخذ أشكالاً كثيرة ، لتبدأ من سن قوانين رادعة إلى حضر على تلك الجماعات ، حتى إذا ما فشلت ستسلط العسكر الذين يؤمنون بلغة العصا ، ولا نجد عند الأنظمة ما يردعها عن تحويل الوطن كله إلى سجن أو حلبة صراع دموية كما حدث في الجزائر ، وهنا تكمن المخاوف من أن نصراً كهذا للإخوان لا يقل عن كونه فخاً نصب لهم ، حتى إذا ما دخلوه كان أحلى خياراتهم مراً ، لأنهم سيكونون بين التنازل عن المبادئ والشعارات التي رفعوها طوال فترة عملهم ، بل وأسسوا أحزابهم عليها ، أو الصدام مع الأنظمة وفي الحالتين تبقى الأنظمة هي الرابح في معادلة ليس للأحزاب فيها أي دور رئيس حتى وإن بدت أو بدا لاعبوها وكأنهم أتقنوا فن اللعبة.

لا أظن ولو لوهلة أن الإخوان هم صنيعة الأنظمة أو أنهم عملاء ، ولا أجد مبرراً لقبول مثل هذا الأمر ، لكنني أشك أنهم بعيدون عن طاولة المفاوضات بلائحة من التنازلات ، ولا أشك أنهم بطريقة أو أخرى يحاولون إيصال رسالة للعالم تنبئ بتحولهم من الأصولية السياسية إلى انفتاح فوق العادة ، ولو أخطأت بقولي هذا فسنجدهم قريباً هدفاً سهلاً للأنظمة العربية ، بل فريسة يسهل اصطيادها ...

أجل أبارك للإخوان ولمصر رغم البلطجة ، لكنني ما زلت أتساءل إلى أين سيقود هذا النصر؟ إلى التنازل أم إلى الصدام ؟