From : davoice200@yahoo.com
Sent : Wednesday, December 7, 2005 1:11 AM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
 

الأخوان القادمون
قراءة متأنية في الانتخابات البرلمانية المصرية
حسن بيومي



أثارت الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر موجة عارمة من الآراء التي ظهرت بوضوح في وكالات المختلفة. وإن كان هذا يعد أمراً طبيعياً لانتخابات برلمانية تدور في بلد محوري هام مثل مصر وفي ظروف خاصة وغير طبيعية تمر بها المنطقة كلها ، إلا إن حالة الإجماع هذه إذا صدق الوصف وصحت التسمية كانت كلها تتجه نحو أحداث العنف التي صاحبت العملية والتي عللها البعض بأنها جاءت نتيجة مفاجأة الاختراق الاخواني ، حيث تناول الجميع هذه المرحلة من زاوية محددة وهي محاولة تحجيم تفوق الأخوان وحصر فوزهم على هذا القدر من المقاعد ، وظهر جلياً فرق التوقعات وكأن الأمر لم يكن أبداً في الحسبان لاسيما بعد أن ظهر تأثير الأخوان السلبي في الانتخابات الرئاسية المصرية الأمر الذي فسره البعض وأنا منهم بأن ما يثار عن حجم تواجدهم في الشارع المصري شيئاً مبالغاًَ فيه ، وقبل أن نخوض في التجربة الإخوانيه وما يدور حولها ونظريات الاحتمالات التي ساقها الجميع في هذا الصدد لابد لنا من وقفة أمام الانتخابات نفسها كعملية باتت معقدة بعد أن شابها التوتر وانفلات الأعصاب وهي التي يجب أن تفرز الأصلح والأفضل ، وعن الثقافة والوعي الانتخابي الذي لم يكن له أن يولد فجأة وبأشاره من أولي الأمر في انتخابات برلمانية كبيرة . هذه الثقافة وهذا الوعي لابد له من صياغة مرحلية مسبقة تسمح للعامة قبل الخاصة بالتدريب المناسب العملي من خلال الشركات والجامعات وحتى المدارس وإدراك أهمية المشاركة الايجابية في صنع القرار والتعود على تقبل الآخر في حياتنا اليومية وتحويله من خصم إلى عنصر فعال في العملية الديمقراطية ، بدلاً من أن تنقلب كل محاوله للديمقراطية إلى مشاحنات وثأر وخصومات وصلت في عنفها إلى استخدام السلاح بجميع ألوانه بل وسقوط ضحايا وهو الأمر الذي لابد ألا يمر دون تحقيق .
من أبجديات العملية الانتخابية لاسيما في هذه المرحلة الهامة (البرلمانية) إننا نتطلع لوجود نماذج وطنية مثقفة ورموز واعية مشرفة تصلح لمثل هذا العمل الجماعي القيادي التشريعي الهام والذي لو صلح لأنصلحت الكثير من الأحوال حوله ، تلك النماذج والرموز لا يمكن أن يكون المال أو العصبية القبلية أو الاعتماد على وعود وأوهام كاذبة هو المقياس الوحيد لقيمتهم الحقيقية ناهيك طبعاً عن البلطجة واستخدام القوة المرفوضة بكل أشكالها وفي كل المجالات . وإن كان سقوط رموزاً للمعارضة الوطنية في هذه الانتخابات كان من أكبر الأمثلة على تداخل عوامل أخرى لا تمت للصالح العام بأي صلة ،فهناك أيضاً اللغط الذي أثير حول بعض المشاهير من الناجحين والذي أساء لسمعتهم السياسية بشكل مخجل أكثر ممن خسروا مثلما ما حدث حول د.مصطفى الفقي الرجل الذي يعتبره الكثير موسوعة سياسية جديرة بالتقدير والاحترام لكن يبدو إن قرى دمنهور كان لها رأي آخر مختلف ، وبغض النظر عن حقيقة ما جرى في تلك الدائرة سيبقى عالقاً في ذهن الجميع ما أثير هناك والذي وبدون أي شك سيترك علامة سيئة علي سيرة طيبة بناها الرجل على مدار سنوات طويلة حتى أصابها من التطاول ما جعلها تهتز وبشدة في بضعة أيام .
وإن كانت تلك واحدة من أشهر المفارقات العملية للانتخابات الأخيرة فهناك العديد من الأمثلة الأخرى والتي تؤكد جميعها ضرورة تنقية مثل هذه التجارب والتي تعتبر المحرك الرئيسي لأي عملية أصلاح حقيقية إذا ما كان الغرض هو الأصلاح الحقيقي وليس لأرضاء جهات معينة ولتجميل الصورة أمام السي أن أن أو البي بي سي . وبعيداً عن السلبيات المتعددة وبعض منها لا تخلو أي انتخابات في العالم منها ، بقى أن نقول إن الانتخابات على مراحل كانت فكرة إلى حد ما صائبة حتى وإن تخوف البعض منها في البداية لاسيما من أراد مفاجئة الجميع بنتائجه لكن الكل بعد حين تأكدوا إن المراحل أفضل حيث أعطت كل طرف فرصة كافية لالتقاط أنفاسه وإعادة صياغة مواقفه بعد قراءة أوراق الطرف الآخر نظرياً وعملياً وهناك سبباً لايقل وجاهةً عن الأول وهو إن هناك أحزاب لم تكن تملك أو تستطيع مساعدة ومساندة مرشحيها جميعاً في كل المحافظات وفي وقت واحد وعلى نفس المستوى .
وليس غريباً أنه لم يتحدث الكثير عن فوز الحزب الوطني ولم يعتبر تقدمه تفوق بل هناك من أعتبره فوزاً له طعم الخسارة وهذه هي الأسباب:
1 ـ الحزب يتحكم في أكبر وأكثر قنوات التعبير تأثيرا في الشارع المصري وصحف المعارضة على كثرتها تعتبر محدودة الانتشار إذا ما قورنت بالمطبوعات القومية.
2 ـ الحزب الوطني هو المهيمن الوحيد على كل أجهزة الدولة المختلفة التي ساهمت في الأشراف على سير الانتخابات بما فيها الجهات الأمنية.
3 ـ الحزب يحظى بأغلبية امتدت عقوداً طويلة من الزمان جعلته الأكثر إن لم يكن الأوحد بين طبقة رجال الأعمال.
4 ـ تم ابتكار نوع جديد من الخدمة البرلمانية وهي الاستثناءات والتوقيعات والموافقات التي لا تتسنى إلا للحزب الوطني ومحاسيبه .
لهذه الأسباب ولأنه كان ومازال يملك سيف المعز وذهبه فلم يكن مقبولاً من أفراده هذا الأداء الباهت والذي لا يتناسب أبداً مع إمكانياته ولم يكن له في هذه المرحلة أن يحتفظ برموز رفضها المجتمع من قبل ، وتعتبر نسبة نجاحه أقل من المفروض أن يحصل عليها حتى بعد رفع شعارات النزاهة والطهارة وكل ما يدخل في نطاق تلك العبارات المطاطة التي سئمها الناس ومن هنا جاء نجاح الأخوان بإمكانياتهم المحدودة وبصفة تسبق أي حديث عنهم وهي (الجماعة المحظورة ) لأن أدائهم جاء أفضل .
وبعيداً عما حققه الأخوان في هذه الانتخابات هناك لغز التفوق وهل كان هذا باتفاق معين مع الحزب الحاكم ورجاله نظير الامتناع عن العبث في الانتخابات الرئاسية وبعضهم ذهب لأبعد من هذا وعلل التفوق بإن الأخوان سيجيز فكرة التوريث ، وهناك من يقول إن حالة الغضب وصلت للذروة فلم يعد أمام الناخب سوى اختيار النقيض ، بينما البعض أعتبر هذه النتيجة رسالة لكل من يهمه الأمر (بغض النظر عن سبب اهتماهم) وهي تقول وباختصار شديد هذه هي الديمقراطية وإن كان البعض يتشدق بضرورة الإصلاح فمن هنا سنبدأ.
وإن كانت كل هذه مجرد تكهنات وتصورات من رجل الشارع ومن حوله لما يدور في المطبخ السياسي لكنها في الحقيقة تنقص من وزن الأخوان أنفسهم قبل أن تقلل من هيبة الحكومة وتضعهم في صورة من أراد أن يكيد لزوجته فجدع أنفه .
الأخوان كانوا بالفعل وساطة العقد في هذه الانتخابات بعد أن خاضوها بشكل منظم ومجهز له من فترات طويلة ، وقد رفعوا شعاراً أثار العديد من التساؤلات والمخاوف لاسيما بين الأخوة الأقباط الشعار كان
( الإسلام هو الحل ) والذي كان في واقع الحال جملة ذكية توحي بالأمل الحتمي الذي لايقبل النقاش وبعد أن تعثرت البدائل ويأس الكثير من إيجاد حل جذري لمشاكلهم . جاء الشعار عبارة فلسفية فضفاضة ورغم بساطتها لكنها جملة معقدة للغاية وتزيد الأمور حساسية لأنها تؤسس منطقها علي المقدس في نظر الغالبية هذا الأمر الذي لا يمنح أي حرية أمام الآخر للنقض أو أي فرصة للاختيار ناهيك عن رفضه وكما وصفها أحد المعلقين بأنها تحول العملية كلها إلى واجب شرعي ،وهنا نرى ونحن فقط على أعتاب فكر الأخوان إنهم وضعونا أمام شعار لا يملك أي جرعة من النسبية المطلوبة في الأمور السياسية ومنح واضعيه صفة ايجابية مطلقة لا تقبل النقاش ، والمعروف سلفاً وفي مثل هذه الأمور إن الشعارات مهما كانت وجاهتها حين تدخل حيز التنفيذ وتنزل إلى أرض الوقع العملي قد لا يلازمها بالضرورة التوفيق في كل ما تسعى إليه وهو أمر يضع الشعار وواضعيه في أزمة .
وبغض النظر (ولو بصفه مؤقته) عن السبب الرئيسي في تقدم الأخوان بهذه الصورة فقد أصبح علينا التعامل معهم كأمر واقع ، كما صار لزاماً عليهم الآن صياغة خطاب أكثر وضوحاً ومفهوم للعامة قبل الخاصة بدءاً بشعارهم ، خطاب يشمل كيفية التعامل في تصورهم مع المجتمع بطوائفه وألوانه وإبداعاته الفنية والثقافية ، قضايا المرأة ومشاركتها في مختلف المجالات ، تبديد مخاوف الأخوة الأقباط فيما أثير من قبل حول هذه المسألة ، ضمانات تداول السلطة والتناوب والتعددية ،قبول الآخر وضمان حقه في التعبير.
وعلى الرغم من إن الأخوان لم يحققوا أغلبية ولن يكون لهم الحكم ولكن من حق البعض أن يتخوف من هذه التجربة الغير مسبوقة ، فضلاً عن إنه كانت هناك في الماضي القريب تجربة وحيدة لنجاح التيار الإسلامي من خلال الاتحادات الطلابية في عهد الرئيس الراحل أنور السادات ولم تكن تجربة ناجحة على المستوي الديمقراطي لأسباب يطول شرحها فهل تستفيد جماعة الأخوان (المحظورة ) من هذا . في كل الأحوال الأخوان هم شريحة (كبرت أو صغرت ) من المجتمع ، والمدنية والديمقراطية تعطيهم كل الحق فيما ذهبوا إليه. وأخيراً تبقى تجربة الانتخابات كما هي في كل بقاع العالم فرصة للشرفاء والجادين ومطمع لهواة التسلق والمغرضين وحولهم ولأسباب قد لا يكون لها أي علاقة بالمنفعة العامة تتلون المجتمعات غربية كانت أو عربية.
*كاتب مصري من نيويورك