|
From : dasu@online.no
Sent : Sunday, December 11, 2005 9:33 AM
To :arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : From dawood albasri
بعثيون .. و..
محاكم ؟
داود البصري
بين محكمتي العقيد فاضل عباس المهداوي ( 1958 ) التي دخلت التاريخ
السياسي العربي المعاصر من أوسع أبوابه و تميزت بشهرة طاغية حتى بين صفوف
الذين لم يعاصروها بل سمعوا فيها و قرأوا عنها ، ومحكمة الجنايات
العراقية التي يرأسها السيد القاضي (رزكار ) (2005 ) ما يقارب النصف قرن
من السنين!، تبدل خلالها شكل العالم ، وجرت فيها مياه عديدة تحت كل
الجسور ، وسقطت دول وإمبراطوريات وقامت أخرى ! إلا أن الثابت في جميع
المتغيرات والمتحولات كان هوية المتهمين الذين حضروا المحاكمتين ! وما
أقصده تحديدا هم الشقاة والقتلة والمجرمين من البعثيين الذين كانت
جرائمهم حاضرة وشاخصة على الدوام في المجتمع والضمير العراقي والعربي ،
والذين لم تتغير سلوكياتهم ولا سحناتهم ولا نزعاتهم الإجرامية المتأصلة
والموروثة !، وبطبيعة الحال فثمة فروق هائلة بين المحكمتين من حيث الظروف
التاريخية وطبيعة المرحلة وشكل الإتهام فضلا عن طبيعته ! وإن كانتا تمسان
الوضع الداخلي في العراق ، وتلقيان الأضواء على مراحل حاسمة وقلقة من
تاريخ المجتمع العراقي المنقسم والقلق والمتوتر على الدوام !.
فمحكمة ( الشعب ) الخاصة التي كانت برئاسة العقيد الراحل فاضل عباس
المهداوي والتي تشكلت بعد إنقلاب 14 تموز/ يوليو 1958 الذي أطاح بالعائلة
الشرعية المالكة الهاشمية التي كانت في العراق إكتسبت شهرتها التاريخية
ليس من المحاكمات التي حدثت في رحابها فقط بل من الدعاية المحتدمة التي
كان يقودها إعلام نظام الرئيس الراحل ( جمال عبد الناصر ) وخصوصا إذاعة (
صوت العرب ) ضدها وضد رئيسها حتى حولوها لمحكمة ( قراقوشية )!! لكنها لم
تكن كذلك في التقويم التاريخي المجرد للأمور ، بل كانت محكمة عبرت عن
لحظات تحول تاريخية نادرة في التاريخ العربي والعراقي ، فالمتهمون الذين
تشكلت من أجلهم تلك المحكمة وهم رجال النظام الملكي الذي أبيد بقسوة
وتهور في ذلك الصيف البغدادي الساخن لا يصح إعتبارهم ووصفهم بالمجرمين من
الناحية التاريخية الصرفة! ، فهم لم يرتكبوا جرائم الإبادة الجماعية ضد
الشعب العراقي والشعوب المجاورة ، ولم يخرقوا المعاهدات والإتفاقيات
الدولية ، ولم يحفروا المقابر الجماعية للشعب وللمعارضين ،ولم يسرقوا
ثروات العراق ويوزعونها على المحاسيب والرشوة القومية !! وهم بالتالي
كانوا يمارسون وظائفهم وفق ضوابط قانونية لم يتعدوها أو يقفزوا فوق
القوانين ، كل ذنبهم أنهم كانوا ضحايا للحرب الباردة وللصراعات العنيفة
بين التيارات القومية واليسارية في تلك المرحلة التاريخية الحرجة ، ولو
عدنا وقلبنا صفحات التاريخ وأعيدت محاكمات مسؤولي النظام الملكي العراقي
فستخرج النتيجة النهائية بالبراءة الشاملة لكل من أدين منهم ، فجريمة
وزير الداخلية العراقية الأسبق ( سعيد قزاز ) كانت إتهامه بإعدام قادة
الحزب الشيوعي العراقي؟؟ والذين لم يصدر عليهم هو الحكم بل كان القضاء
العراقي من فعل!! وفي ظروف تاريخية حرجة دوليا وإقليميا ، ولعل كلمته وهو
يتقبل قرار الموت التعسفي وحكم الإعدام الظالم تعبير عن حقبة تاريخية
وإستشراف مستقبلي مدهش حينما قال:
( أنني سأموت وتحت قدمي رجال لا يستحقون الحياة )!!، أما المتهمون
الآخرون ومنهم رئيس الأركان السابق ( غازي الداغستاني ) ورئيس الوزارة
الأسبق ( فاضل الجمالي )!! وغيرهم فهم لم يرتكبوا أية جرائم وكانت
براءتهم الحقيقية تحرج تلك المحكمة والتي لم تنفذ غالبية أحكامها بل أفرج
عن البعض ووضعت القضايا الأخرى على الرف ، ولكن المثير في محكمة (
المهداوي ) كانت إستمراريتها لتأخذ في طريقها حتى قيادات الضباط
الإنقلابيين الذين أسسوها ليحاكموا النظام الملكي فإذا بالمحكمة تحاكمهم
وتصدر الإعدام بحقهم وينفذ فورا!! وهكذا أكل الإنقلاب العسكري أبنائه كما
تفعل القطط الجائعة تماما!.
ولكن بعض المشاهد الكاريكاتيرية ظلت عالقة من خلال ممارسات العناصر غير
المنضبطة من شيوعيي تلك الفترة كالشعارات الهزلية المضحكة ( لا تقل ما
عندي وقت.. إعدمهم الليلة)! أو إدخالهم لحبال السحل داخل المحكمة وهم
يصرخون ( إعدم.. إعدم.. جيش وشعب يحميك )!! أو ذلك الشعار الشهير:( ماكو
مؤامرة تصير والحبال موجودة )!! وهي كما ترون شعارات وممارسات كانت تعبر
عن مرحلة محتقنة من تاريخ العراق المعاصر المحتقن على الدوام!، فقد نفذت
أحكام الإعدام ضد الضباط الذين تورطوا في أحداث كركوك والموصل كجماعتي (
الشواف ) و ( الطبقجلي ) عام 1958 والذين كانت تقف خلفهم مخابرات
الجمهورية العربية المتحدة ( جمال عبد الناصر وعبد الحميد السراج ) ولكن
حكم الإعدام لم ينفذ أبدا ضد الرئيس الراحل ( عبد السلام عارف ) الذي
تآمر على حياة زميله وشريكه في الإنقلاب عبد الكريم قاسم مما أثار حلقات
واسعة من الدعاية القومية ضد تلك المحكمة التي كان رئيسها حاسما وحازما
ويتمتع بثقافة عربية ولغوية رصينة رغم التعليقات والممارسات الهزلية
والدور الدعائي لجماعته ولزعيمه المباشر اللواء عبد الكريم قاسم ( رئيس
وزراء العراق الأسبق ) ، و كان المثير في تلك المحكمة هو وقوف البعثيين
أمامها بعد أن دخلوا ساحة الإرهاب في العراق من خلال عمليات الإغتيال
السياسي ومعارك ( البلطجية ) و ( السرسرية ) في الشوارع العراقية وكان من
أبرز أولئك الشقاة المتهم والمجرم ( صدام التكريتي ) الذي هرب لدمشق ثم
القاهرة وحوكم غيابيا في تلك المحكمة وصدر ضده حكم الإعدام الذي لم ينفذ
لهروب المتهم كما لم ينفذ نفس الحكم ضد رفاق صدام من البعثيين كأياد سعيد
ثابت وشقيقته يسرى ، وغيرهم ليتم العفو عنهم ويطلق سراحهم لاحقا تحت شعار
: ( عفا الله عما سلف )!! ليعود البعثيون لاحقا ويغرقوا العراق بحمامات
الدماء وبمراكز القتل والتعذيب والسلخ البشري ! أي أن حكم الإعدام ضد
صدام وقتها قد سقط بالعفو الرسمي ، فكانت تلك المحكمة عنوانا لمرحلة
تاريخية متوترة ولكنها دخلت التاريخ العربي من أوسع أبوابه من خلال
المحاضر والسجلات التي ما زالت حاضرة وتضم وقائعا تاريخية مهمة لم يتسن
للإعلام العربي مراجعتها أو الإطلاع عليها ، ثم دار التاريخ دورته التي
لا ترحم لنرى البعثيون أمام المحكمة العراقية مرة أخرى ، ولكن تحت ظروف
مختلفة ، وبتهم وجرائم تجاوزت كل ما هو مألوف وتحت رئاسة قاضي نزيه ولكنه
يحتاج لدورة مكثفة في اللغة العربية ولقدرات فاضل عباس المهداوي في (
الردح ) للرد على ثعابين البعث المسمومة من أمثال برزان وصدام اللذان
يتمشدقان اليوم بالقرآن الكريم وبأخلاق العرب في دفاعهم اليائس وهم الذين
لم يعرفوا القرآن ولا الأخلاق العربية حينما دمروا العراق وإعتدوا على
شعوب الجوار ومارسوا القتل بالجملة والمفرق... ومارسوا كل حلقات وأساليب
الإبادة الجماعية المنظمة.. فأي مقارنة تكون بعد ذلك بين المحكمتين ؟
أما محاكم التفتيش البعثية وهي المعروفة بـــــ ( محكمة الثورة ) والتي
كان أحد حكامها وهو المدعو ( عواد البندر) من ضيوف المحكمة الجنائية
الحالية وجار صدام في القفص ، فهي إنما كانت مهزلة حقيقية وحالة مأساوية
أسست لحالة الإنهيار في العراق ، ففي تلك المحكمة لا وجود لأية ضمانات
قانونية ولا حق للدفاع وكانت الأحكام تصدر بالجملة وغالبا ما تكون
بالأعدام وبتهم سخيفة مثل التطاول على القائد!! وسب الحكومة ؟ أو إلقاء
النكت ضد السلطة ؟ وقد تناوب على رئاسة هذه المحكمة العديد من الجلادين
مثل ( مسلم الجبوري ) أو ( هادي وتوت )! وبعض المحاكمات ضد البعثيين
أنفسهم من المتآمرين على رفاقهم كانت برئاسة ( عزة الدوري ).. أو ( طه
ياسين رمضان )..! وكانت الأحكام الإعدام بطبيعة الحال!!... وهكذا فإن
المحكمة العراقية الحالية هي من أكثر المحاكم شفافية في التاريخ العراقي
الحديث رغم كل الملاحظات !.
|