|
حماس
أمام تحديات صعبة
د. محمد الغزي
alguzzy@maktoob.com
10 ديسمبر 2005
من المؤكد أن تؤدي الانتخابات التشريعية القادمة، إذا ما تمت بنزاهة
وسلامة، إلى تمكين حركة المقاومة الإسلامية، حماس، من المشاركة السياسية
والدبلوماسية من خلال دخول مرشحيها إلى المجلس التشريعي الفلسطيني
والمشاركة في الحكومة الفلسطينية المرتقبة وما سوف يلي ذلك من المشاركة
في منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني الفلسطيني، وتواجه حماس، في
خضم سعيها لهذا التحول المصيري، تحديات صعبة تتمثل في ظروف محلية وعربية
وعالمية غير مواتية للنموذج الذي تطمح إليه حماس والذي يجمع بين
الدبلوماسية والمقاومة في آن واحد.
واضح أن حماس لا تسعى إلى الحصول على أغلبية في المجلس التشريعي؛ بل سوف
تتجنب ذلك لتتلافى مشاكل مثل رفض فتح والسلطة لنتائج الانتخابات الذي قد
يؤدي إلى تأزم الأوضاع الداخلية إلى حد التصادم، وكذلك لتلافي الوقوع في
حرج الاضطلاع بالمسؤولية الدبلوماسية والسياسية التي تتضمن التفاوض
المباشر مع (إسرائيل)، لهذا فإن ما تطمح إليه حماس من خلال الوصول إلى
المجلس التشريعي لا يتجاوز تكوين كتلة نيابية معارضة تسعى إلى إصلاح
الأوضاع الداخلية بالإضافة إلى التصدي لأي تهاون للحكومة الفلسطينية في
الحقوق والثوابت الفلسطينية.
وكذلك تدرك حماس أن برنامجها الطموح والواعد الذي تطرحه سوف يلقى معارضة
كبيرة من المجتمع الدولي المتحيز لـ (إسرائيل)، وقد لا ينجح هذا البرنامج
بسبب الظروف العالمية والإقليمية الناتجة عن اختلال موازين القوى لصالح
(إسرائيل) وتفرد الولايات المتحدة على الساحة الدولية وعملها الدؤوب على
كسر شوكة الإسلاميين في المنطقة، ولهذا فإن احتفاظ حماس بشعبيتها الكبيرة
يأتي في مقدمة أولوياتها وسوف تسعى إلى تحقيقه في كل الأحوال والظروف حتى
ولو على حساب برنامجها.
إن التأييد الشعبي الواسع الذي تحظى به حماس هو أهم عوامل قوتها وأهم
إنجازاتها ومكتسباتها، وهو أيضا حصنها المنيع في وجه أي محاولة لإقصائها
وعزلها عن حياة الناس أو تهميشها وحظرها، لذلك قامت حماس بترتيب أوضاعها
وأمورها لتضمن الحفاظ على هذا التأييد الشعبي الذي نالته بعد تقديمها
التضحيات الجسيمة في كوادرها وقادتها خلال الانتفاضتين، وقد انعكس هذا
على طرق ومعايير اختيار مرشحيها للانتخابات، لذلك فقد ضمت قائمة مرشحيها
العديد من زوجات قادتها الذين استشهدوا خلال انتفاضة الأقصى وكذلك شخصيات
معروفة بتضحياتها الكبيرة مثل المجاهدة أم نضال فرحات، ولنفس السبب قامت
حماس بترشيح قادتها من الصف الأول للانتخابات التشريعية.
إن فوز مشرحي حماس في الانتخابات التشريعية المقبلة ليس هو التحدي الأكبر
الذي تواجهه حماس؛ بل إن التحدي الأكبر يكمن في نجاحها على حل التناقض،
بالمفهوم الدولي، المتمثل في العمل على مساري الدبلوماسية والمقاومة في
سياق إجماع عربي ودولي على الرؤية الأمريكية والأوروبية لحل القضية
الفلسطينية المتمثل في «خريطة الطريق» التي تتضمن في أول بند لها سحب
السلاح من الفصائل الفلسطينية المقاومة وتفكيك بنيتها والدخول في مفاوضات
طويلة مع (إسرائيل) بالاعتماد على وعود أمريكية، ليس لها أية مصداقية،
لإقامة دولة فلسطينية بمواصفات صهيونية.
وأظن أنه من الخطأ إجراء مقارنة بين حماس وحزب الله اللبناني لاختلاف
الظروف بين الحالتين اللبنانية والفلسطينية بشكل كبير، فحزب الله يتمتع
بقوة عسكرية ضاربة ومؤسسات قوية وتأييد سوري ودعم إيراني وامتداد جغرافي
يجعل محاصرته والقضاء على مصادر تمويله أمرا مستحيلا، أضف إلى ذلك أن
لبنان بلد مستقل يحظى بشرعية دولية تحررت كل أراضيه باستثناء "مزارع
شبعا"، أما فلسطين فمازالت محتلة ومحاصرة من كل الجهات واستقلالها مرهون
بقبول (إسرائيل) والولايات المتحدة الأمريكية، فنحن الفلسطينيون الاحتلال
من أمامنا وفوقنا والبحر من ورائنا وجيش من العملاء يعيشون بيننا
ويتحكمون في أمورنا، ومع هذا فإن حزب الله غير متورط بأي عملية سياسية مع
(إسرائيل).
والتحدي الآخر، الذي لا يقل أهمية، هو صعوبة قيام حماس بتحقيق برنامجها
للإصلاح والتغير في سياق تأييد ودعم الولايات المتحدة و(إسرائيل) للفئة
التي تعرقل عملية الإصلاح والتغيير، وفي ذات الوقت، تتشبث بالسلطة والحكم
وتعمل شريكا كاملا للولايات المتحدة في إنجاز مشروعها الشرق أوسطي القاضي
بترويض، إذا لم يكن إنهاء، ما تسميه الولايات المتحدة حركات الإسلام
السياسي أو الحركي وفي مقدمتها حماس وحركة الجهاد الإسلامي وحزب الله
اللبناني.
وما يزيد صعوبة مواجهة حماس لتلك التحديات هو أن ثمن الاعتراف بحق حماس
في المشاركة السياسية الفلسطينية والسماح لها بالمشاركة الوطنية الشاملة
سيكون الورقة الوحيدة التي تمتلكها حماس وتلوح باستخدامها للضغط على
(إسرائيل) والسلطة والولايات المتحدة في آن واحد؛ وهي ورقة المقاومة التي
عبر عنها رئيس المكتب السياسي لحماس، السيد خالد مشعل، بـعدم "تمديد
الهدنة" بعد انقضاء مدتها هذا العام، وتجدر الإشارة هنا إلى أن استخدام
التعبير "تمديد الهدنة" يفسح المجال لحماس باستئناف المقاومة عند تعثر
جهود الحركة في تحقيق برامجها والمحافظة على إنجازاتها، خاصة، التأييد
الشعبي الكبير.
أضف إلى هذا أن ترشيح حماس لقيادتها من الصف الأول للانتخابات قد يؤدي
إلى تكريس المسار الدبلوماسي وتكييف نهج الحركة بما يتلاءم مع قناعات
ورؤية القادة المشاركين في العملة السياسية، ما قد يفقد الحركة القدرة
على التعامل مع رؤى بعيدة عن المسرح السياسي وأخذها في الاعتبار
والاستجابة لها، وقد يؤدي هذا أيضا إلى نقل هموم وقضايا المجلس التشريعي
إلى صفوف الحركة ومؤسساتها والانشغال بها عن قضايا البناء والتطوير
وتعزيز قدرة المقاومة.
وهناك مشكلة أخرى تتمثل في غياب برنامج فلسطيني تُجمع عليه كل القوى
والفصائل الفلسطينية، ما قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة ومحرجة جدا، فهناك
تناقض كبير واختلاف شاسع بين رؤية حماس لحل القضية الفلسطينية ورؤية
السلطة الفلسطينية لهذا الحل، أضف إلى ذلك أن رفض بعض الفصائل المقاومة
مثل «الجهاد الإسلامي» في الدخول في العملية السياسية واستمرار قيامه
بالعمليات الجهادية والاستشهادية قد يؤدي إلى تدهور الأوضاع كلها إذا ما
حاولت السلطة التصدي للمجاهدين بالملاحقة والمطاردة والاعتقال، وسوف تبدأ
الحكومة الفلسطينية المرتقبة في تفكيك سرايا القدس تنفيذا لبنود خريطة
الطريق عند شنه لأول عملية جهادية بعد الانتخابات، وسيكون هذا بداية
لتفكيك باقي الفصائل وتجريدها من سلاحها؛ فماذا سيكون موقف حماس في مثل
تلك الحالة؟!
وكذلك لا يمكن تجاهل الوضع الدولي الراهن أثناء تقييم وتحليل المرحلة
القادمة الحرجة من مراحل الصراع العربي الصهيوني، فمازالت الولايات
المتحدة تكرس وجودها العسكري في المنطقة ببناء قواعد جوية وعسكرية في
منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى نقل بعض قواعدها العسكرية من دول
خليجية إلى الأردن وبناء قاعدة عسكرية لها في الضفة الغربية الفلسطينية،
أما من الناحية الأمنية فقد انتشرت السجون الأمريكية، أو البقع السوداء،
في معظم البلاد العربية لاستخدامها في تعذيب ومعاقبة كل من يقاوم الهيمنة
الأمريكية ويتصدى للمصالح الأمريكية.
وتمارس الولايات المتحدة مع باقي مجموعة الدول الصناعية الثماني ضغوطا
متصاعدة على الأنظمة العربية للقيام بعملية الإصلاح بالرؤية الأمريكية
والتي تستهدف أساسا تغيير الثقافة الإسلامية تحت مسمى "التجديد الثقافي
والديني" بهدف التخلص من الحركات التي تتخذ من الإسلام منطلقا لأهدافها
ووسائلها وتتصدى للهجمة الأمريكية على المنطقة بأكملها.
وهناك وعود أمريكية بإغداق الأموال على الشعب الفلسطيني ليستجيب للمطالب
الصهيونية والأمريكية بنبذ المقاومة المسلحة والدخول مع الصهاينة في
عملية سلمية تضيع كل الحقوق الفلسطينية بمها فيها حق إقامة دولة مستقلة
يقرر فيها الشعب الفلسطيني مصيره ويفرض سيادته على الأرض والجو والبحر
والحدود، ولا يمكن إغفال أثر الدعم الاقتصادي الأمريكي على تقليص شعبية
حماس في ظل ضيق اقتصادي قاسي وبطالة كبيرة.
إن الاستراتيجية الجديدة التي تنتهجها الإدارة الأمريكية في محاربة
الإسلام الجهادي المقاوم لمشروعها في المنطقة تقتضي الحذر الشديد والحكمة
في التعامل مع العمل النيابي والبرلماني، فلدى أمريكا مشروع كبير ولا
يوجد أي شيء ثابت في السياسة الأمريكية سوى حماية أمنها ومصالحها في
منطقتنا.
أما بالنسبة للوضع العربي المخزي، فتتشتت الاهتمامات العربية والإسلامية
على الصعيدين الشعبي والرسمي وعلى صعيد جامعة الدول العربية بسبب ما
يعتري الدول العربية والإسلامية من مشاكل واحتلال وضغوط أمريكية وزعزعة
استقرار في لبنان وسوريا والأردن والسودان بالإضافة إلى احتلال العراق،
ما يؤدي إلى فقدان الدول العربية القدرة على توحيد المطالب والأهداف وفقد
القضية الفلسطينية لموقعها المركزي في الاهتمامات العربية الشعبية، وهذا
ما تسعى إليه الإدارة الأمريكية التي أصبحت تؤمن أن حل المشكلة
الفلسطينية له تأثير السحر على تقدم المشروع الأمريكي.
وفي النهاية نخشى أن تنجح (إسرائيل) في تحويل القضية الفلسطينية من قضية
تحرير تقرير مصير إلى قضية رفع معاناة يومية تتمثل في البطالة المستشرية
وعدم القدرة على التنقل بين المدن والقرى الفلسطينية بسبب الحواجز
العسكرية ونقاط التفتيش الإسرائيلية والجدر التي أقامها الصهاينة لتمزق
الكيان الفلسطيني، بالإضافة إلى استمرار الاعتقال والمطاردة والاغتيال.
|