|
الخصخصة ونصيب
الشعب الأردني
كتب صلاح المومني
1- ديسمبر 2005
كان من بين الطرف المتداولة في الشارع الأردني زمن الإقطاعي زيد الرفاعي
ما يقال : وصلت الأردن بعض المساعدات الأمريكية ، وكان الذي تسلمها
المذكور سالفاً ، وذات مرة كان الملك حسين يسير بقرب مكتب الرفاعي وهو
رئيس الوزراء المخضرم ، فسمعه يقول : هذا لي ... هذا للملك ... وهذا
للشعب ، فعجب الملك لعدالته في القسمة ، حيث قدم للشعب نصيباً مما أنعم
الله به على مملكتنا ، قرر الملك فتح الباب فجأة ودون إشعار دولة الرئيس
، وحينما نظر إليه كان حينما يقول هذا لي يضع "كمشة" دولارات في حقيبته
وكذلك الأمر بالنسبة للملك –لا يهم أيهما أكبر- وحينما يقول هذه للشعب
كان يظهر أصبعه الأوسط ولا داعي للتوضيح أكثر من ذلك ، فالقارئ يستطيع
تخيل المشهد الذي كان يمثله دولة الرئيس الإقطاعي . حال الخصخصة التي
تمنّ علينا بها الحكومة اليوم تشبه ذات الحركة البريئة، وما قد يناله
الشعب لن يكون أكثر مما جاد به دولة الرئيس.
ما هي الخصخصة ولماذا؟
الخصخصة باختصار شديد هي فكرة اقتصادية إدارية لمعالجة بعض الإشكالات
التي تحول دون تطور البنيان الاقتصادي والإداري للدولة ، وهي عملية تحول
ملكية بعض القطاعات سواء الصناعية أو التجارية من القطاع العام للقطاع
الخاص ، وهذا ما يصطلح عليه في الإدارة والاقتصاد بـ "Privatization,
Denationalization" . ولعل هذه الفكرة هي نقيض التأميم الذي تلجأ إليه
بعض الدول أو الأنظمة وخصوصاً الاشتراكية حيث تقوم الحكومات بالاستيلاء
على الشركات الخاصة لتصبح تحت سيطرة الحكومة أو القطاع العام. هذه
الخصخصة ليست مزاجية ، ولا تخضع لقرار سياسي بحت ، لكنها تخضع لأسس
وقواعد إدارية اقتصادية ، وهي واحدة من العوامل المشتركة التي تجمع علم
الإدارة والاقتصاد ، ثم إن دوافعها في العادة مختلفة ولها أسباب كثيرة ،
من أهم هذه الدوافع والأسباب لدى الدول المتقدمة ، هو تخفيف العبء
الإداري في القطاع العام وذلك بإخضاع بعض الصناعات التي لها ارتباط مباشر
بالدولة أمناً واقتصاداً إلى السوق الحرة ضمن ضوابط تضعها الحكومة
بالاتفاق مع القطاع الخاص لضمان أداء الغرض واستحضار الفائدة التي تريدها
الحكومة من ذلك القطاع ، ومن الأمثلة التي تصلح هنا ، قطاع الصناعات
الثقيلة مثل الأسلحة والطائرات والمعدات العسكرية والاتصالات بشكل عام ،
ورغم أن الخصخصة تتم في أمريكيا والغرب على أوسع نطاق إلا أنها تخضع
لضوابط كثيرة وعقود ملزمة ، وربما من أهم ما يكون من أمرها هو حماية
المواطن والمستثمر، وتأمين بعض أسباب الرفاه الإقتصادي وتحفيز المواهب
والقدرات لدى القطاع الخاص.
الخصخصة في الوطن العربي
الوطن العربي بشكل عام لا يتبنى نظاماً اقتصادياً محدداً ، فهو يفتقد
الكثير من خصائص الاشتراكية وكذلك الرأسمالية ، ثم هي أنظمة تابعة ، بل
أنظمة تسير وفق مجرات مفروضة عليها من الخارج ، ورأس المال العربي ليس
موظفاً ولو بأدنى درجات التوظيف لخدمة الشعوب ، ومن هنا يصعب الحكم على
مثل هذه الأنظمة عند اتخاذ قرار ، ولا يكون في العادة مثل هذا القرار
نابعاً من مصلحة وطنية والمستفيد الوحيد هو الحاكم والحاشية ، ولو اتخذنا
مثلاً هنا لوجدنا أن الأنظمة البترولية العربية قد حزمت أمرها وكرست معظم
واردات ذلك القطاع لخدمة الحكم والحاكم ، ومن هنا فالاستثمار الشعبي لا
يكون ذا قيمة ، بل ليس له وجود، لذا فإن المسألة من أولها مسألة تحكم
بالموارد استغلالاً وتوزيعاً. وحقيقة الخصخصة في شركات الوطن الكبير ليست
بذات المعنى الذي يرد في دول الاقتصاد الحر ، وهي مجرد محاولة لإعادة
توزيع الثروات على المتنفذين في إطار خطة اقتصادية تخدم بعض الفئات
وتستثني الأغلبية.
الخصخصة في الأردن
لتحديد ما يرمي إليه مشروع الخصخصة دعونا ننظر إلى بعض القوانين التي
سبقت هذا المشروع بسنوات، ومنذ عهد الملك حسين –أفضى إلى عمله -، ومنها
ربما ننظر للتسارع الذي نراه اليوم في هذا المشروع.فالمشروع يتناغم مع
توجهات ورؤى الملك حسين الاقتصادية، والتي كان ينظر لها بمنظار المستثمر،
ومن هنا كانت قراراته لخدمة ذلك الاستثمار، سواء من جانبه أو من جانب
الحاشية المتحكمة بموارد البلاد والتي تسعى حثيثاً للمزيد من المكاسب على
حساب الفئات المسحوقة.
قانون بيع الأردن
وهذا القانون بنصه يخدم أصحاب رؤوس الأموال من الأجانب ، ويجعل أراضي
الأردن مرهونة لنفر قليل من الغرباء ، حيث ينص على جواز تملك الأرض
والعقارات داخل حدود المملكة للأجانب ، وتحججت حكومة الملك حسين آنذاك أن
مثل هذا القانون من شأنه خدمة الأردن بزيادة الاستثمار بإقامة المصانع
والشركات التي ستفتح سوق العمل للأردنيين بأموال من الخارج . القانون لم
يكن سلبياً لو أن المجتمع الأردني بطبيعته مجتمع يملك مفاتيح الاقتصاد
وبالتالي يضع كل شيء تحت سيطرة وطنية بحيث يمكن فعلاً استغلال هذه
الأموال المتدفقة لخدمة البلاد والشعب ، لكن ومجتمعنا لا يملك إلا
الوظيفة الرسمية قليلة الدخل وبعض قطع الأراضي الموروثة ، فإنه وبهذه
الحالة سيتحول إلى راهن لأرضه أو بائع لها دون الحصول على أدنى قسط من
الفائدة حيث سيستخدم ما جادت به تلك الأرض من أموال في تسديد نفقاته
وديونه المتراكمة بحكم غلاء الأسعار واحتكار رجال المال والأعمال
وسيطرتهم على السوق ، ومن هنا استثنيت اليد الأردنية من منافع ذلك
القانون وصارت يداً مستأجرة في أحسن الأحوال، لذا لا أجد تسمية لهذا
القانون أفضل من –قانون بيع الأردن- ، ومن ليس من أهل البلاد لا يهمه من
الأمر إلا نصيبه في الصفقة.
قانون بيع الجنسية
قوانين التجنس في العالم كله تخضع لاعتبارات كثيرة أهمها منفعة البلاد
التي تأذن بذلك ، وهي تتبع طبيعة التركيبة السكانية لتلك البلاد، فلا
يمكن لنا في حال من الأحوال أن نقيس قوانين الجنسية في أميركا وأوروبا
بدولة صغيرة كالأردن ، حيث تختلف الطبيعة السكانية في تلك البلاد عنها في
بلادنا ، ثم إن الأمر يتعلق بقدرات الاستيعاب الخاصة بالدول الصغيرة. من
هنا نجد أن قانون بيع الجنسية إضافة لقانون التملك وحدهما كفيلان بتغيير
التركيبة السكانية للبلاد ، فالأول أعطى حق ملك الأرض ، وهذا بحكم
القوانين الدولية يجعل مالك الأرض متصرفاً وصاحب قرار ، ثم كان الثاني
حيث سيعطي الغرباء حق المواطنة ، ومن هنا ستصبح ملكية الأرض لأناس لهم حق
المواطنة مما يشكل خطراً على أهل البلاد ، حيث سيصبح أمر رسم سياسة
البلاد الداخلية والخارجية بأيدي هؤلاء القادمين من الخارج ، ومن هذا
المنطلق شكل القانونان حلقة جديدة في تغيير دولة الأردن التي قامت قبل ما
يزيد قليلاً على خمسين سنة لنجدها وقد تغيرت كلياً خلال نصف قرن آخر أو
ربما أقل .
الخصخصة في إطار هذين القانونين خطوة خطيرة من قبل النظام ، لأن المواطن
ليس صاحب مال ليشتري أسهمه في إطار هذه العملية الاقتصادية لتصبح الشركات
والمؤسسات التي هي ملك الدولة وهي بطبيعة الحال مفترض بها أن تكون ملك
الشعب ، لتصبح ملك مستوطن ، اشترى الأرض بقانون سنه الملك حسين والجنسية
بقانون سنه ابنه الملك عبدالله ، لنجد أننا كشعب نخسر لمصلحة فئات معينة
. لا شك هنا أن هذه الفئات ستنقسم بين فئات مستثمرة بحكم المال والخبرات،
وأخرى مستثمرة بحكم السلطة، وهذا يعني أن الأمر كله ينضوي ضمن خطة
استثمارية المالك فيها غريب أو صاحب سلطة "سمسار" ، والمستهلك هو الشعب
"مجموعة خدم وموظفين" ، ثم نخرج بغباء لنطبل ونهلل للخصخصة بدعوى أنها
مرحلة انتقال للاقتصاد الحر متناسين أنها ليست أكثر من وسيلة استعمارية
جديدة ، وأنه لن يكون نصيب الشعب من هذه الخصخصة أكثر مما أهداهم
الإقطاعي زيد الرفاعي "أصبعه الأوسط" في قسمته ، ومن هنا ربما ينبغي أن
نجد مصطلحاً آخر فبدل الخصخصة نقول ...... والبقية عندكم
|