From : nfys001@yahoo.com
Sent : Saturday, December 10, 2005 5:23 AM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : ما بين الورطة والهزيمة
 

ما بين الورطة والهزيمة
يوسف فضل


ابتاع أبو فلان كتاب مصور لأبنه الذي هو بعمر أربع سنوات لتعليمه تلوين الصور والتدرب على كتابة الأعداد العربية (الهندية الأصل) . وعندما فتح الكتاب على العدد واحد كانت صورة الحيوان الدالة على العدد هي صورة فيل رمادي اللون . سأل ابنه عن اسم الحيوان ، وبدون تردد أجابه :" أرنب " مط أبو فلان شفته السفلى مفترة عن ابتسامة حانية ورفع حاجبيه تعبيرا عن الدهشة وأجاب :" ممكن " التي لم يفهم كل من الأب والابن هذا الممكن في الزمن الأمريكي . إلا أنه أغتبط بأجابة ابنه الخاطئة تعبيرا مع عدم تفريقة بين الفيل والأرنب لكن الإجابة صحيحة نطقا لكلمة "أرنب " بدل " أنَّب " مع أن أبو فلان ذهب وابنه إلى حديقة الحيوانات عدة مرات وشاهدا الفيل والأرنب .رمى أبو فلان الخطأ على نفسه إذ كان من المتوجب عليه أن يحضر لابنه صورة كبيرة بحجم الفيل حتى يستطيع أن يفرق بين الفيل والأرنب .وأعذر ابنه لأن كثير من كبار السن الناضجين والواعين إفتراضا يظنون الفيل أرنب أو هكذا يريدوا أن يكون المشهد أغبش لإنغماسهم في كلمة العجز أو تفاديا لموقف يظهرهم على حقيقتهم وما أكثر المواقف التي يريدوا أن يتفادوها .
لا يختلف سكيران في أي ماخور أمريكي على أن وضع القوات العسكرية في العراق تعدى مرحلة الورطة ليدخل مرحلة الهزيمة ونتيجة لذلك تقوم أمريكا بالبحث عن مخرج سياسي يحقق حلم النصر الأمريكي الذي لم تقدر على تحقيقه القوة العسكرية . الكاتب يعني بالهزيمة : هي الخسائر المادية والجسدية غير المتوقعه التي تواجهها أمريكا من طول فترة المقاومة . وسوف تسترد أمريكا عافيتها من هذه الهزيمة لأن تاريخ أمريكا كله هزائم عندما تدخل في أي حرب ضد الشعوب .
لا يمكن أن يقتنع أي مواطن عربي حتى الموالي لأمريكا باكذوبة جورج بوش بنشر كارثة الديمقراطية وتوسيع رقعتها على نطاق العالم لأن السياسة الأمريكية ترتكز في كافة تحركاتها على الرقعة الجغرافية لما تعتبره " الشرق الأوسط الكبير " على حجري رحى هما النفط وإسرائيل . لكن ما جرى في العراق من إخفاقات عسكرية أمريكية جعل الإدراة الأمريكية تعاني من ضغط محلي أمريكي وخارجي دولي رافض لسياساتها فعكفت على الإعداد والتخطيط والتنفيذ لـ "ما لم تحققه الحرب تحققه المفاوضات" .و " النصر بالعراق هو أساسي لمصالح الولايات المتحدة ".
ويتمحور السبب الرئيس لإخفاق إدارة بوش على كسب الحرب في العراق أن أمريكا كما يرى كثير من المفكرين والمحلليين السياسيين أنها مجرد عقل تقني وقوة عسكرية واقتصادية لكنها ترى بعين واحده بتعجرف لذا تأتي خططها السياسية بالفشل مع أن " الفشل (في العراق ) ليس خيارا مطروحا " .
من السهل أن يقع المرء في سوء التفكير إذا أعتقد أن ( عصابة بعث العراق ) قبل الإحتلال قد أحسنت استغلال شعور عجرفة الإدارة الامريكية هذا في تسهيل جرها إلى تذوق ضربات المقاومة العراقية الحالية المخطط لها سابقا . لأن الجيش العراقي لن يكتب له النصر في حالة المواجه العسكرية التقليدية ضد أمريكا . ويصل تفكير المرء إلى قاع المتاهة إذا أعتقد أيضا أن تلك العصابة قد أحسنت بادخار عناصرها المقاتلة المهيأة منذ عام 1996 لهذه المقاومة استناداً للكلام البسيط البليغ كما جاء في مسرحية " الرجل والسلاح " لبرنارد شو إذ يقول بطل المسرحية وهو جندي محترف :" إن واجب الجندي المتمرس هو أن يحافظ على حياتة لأنه لا يستطيع الدفاع عن قضيه أو وطن وهو ميت " . وأن ما تعانية قوات الإحتلال الإمريكية من هزائم في العراق هو تنفيذ لتخطيط " تقطيع الأفعى " . لكن الواقع أن عصابة البعث لم تحسن حتى في الهروب من المواجهة .وأن واقع حال المقاومة العراقية يشير إلى أن توجهها ديني وطني . لأن البعث العراقي أو حتى السوري أبعد عن ممارسة سلوك البعث ، لأن البعث موجود فقط فكرا داخل كراسات الحزب وليس سلوكا وأن تاريخ البعث يقوم على الأستيلاء على السلطة ونهب الأموال وقتل الأفراد . هل سمع أو رأي أحد بعثي يفجر نفسه . حتى أثناء الحرب العراقية الايرانية لم يحدث تفجير جسدي لبعثي خلف خطوط العدو .
ان الديمقراطية الأمريكية هي نظام رأسمالي شمولي متقدم يؤمن في حالة الربح بكسب الكل أما في حالة الخسارة فتوزع ، مع المحافظة على حق إسرائيل (السري حاليا ) بالبترول والماء والثروة العربية " ثروة بلا عقل لعقل بلا ثروة ". ولا غرابه أن تطلب اسرائيل من العرب تعويضها عن كافة حروبها التي شنتها ضدهم وانتصرت فيها عليهم .
كان من المفترض أن تعقد القمة العربية الطارئه التي دعا اليها الرئيس حسني مبارك يوم الاربعاء بتاريخ 3/8/2005، لكن ألغيت القمة العربية بسبب وفاة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد إلا أن القمة العربية أخذت باسباب التكنولوجيا الحديثة فعقدت المؤتمر في القاهرة في العتمة وكانت الحكومات العربية المجتمعة هي لثمانية دول عربية ذات العلاقة المباشرة بالشأن العراقي . وكان الهدف من مؤتمر القمة المصغر الذي تداعت إليه هذه الحكومات بطلب من أمريكا أو بدون طلب هو مناقشة وموائمة ما تطلبه أمريكا منهم لإخراجها من العراق بماء الوجه أي أن أمريكا توزع خسائرها علينا . فجاءت زيارة الأمين العام للجامعة العربية السيد عمرو موسى للعراق الخطوة الأولى لصحوة الضمير العربي الرسمي المشبوه والمغترب التي ستتبعها عدة خطوات ستنفذ لاحقا لهذا الغرض تحت رعاية ومباركة الإدارة الأمريكية .
تدرك أمريكا أنه لتحقيق نصرها السياسي الذي تنشده فان الخاسر الأول فيه هم السنة داخل وخارج العراق فهزيمة أمريكا في العراق سيدفع ثمنها المسلمين السنة . إذ أن أمريكا تضع ثقلها وثقتها في ايران لتنفيذ سياستها ما بعد الخروج في تأمين سلامة وحياة الجنود الأمريكان الذين سيواصلون البقاء في العراق أي أن أمريكا ستقوم باعادة انتشار قواتها بتخفيضها أولا والإبقاء على بعضها (مئة ألف جندي ) للحفاظ على استمرار مصالحها الأمنية والإقتصادية سليمة . وايران تنتظر هذه المكافأة الأمريكية لقاء مساعدتها السابقة لها في احتلال أفغانستان والعراق حتى أن جوهر المفاوضات النووية الايرانية الأوروبية الحالية هي لإيجاد صيغة اتفاق على ترتيب الوضع الايراني بشهادة أوروبية لكن بشروط أمريكية . أيضا تدرك أمريكا أن التعامل مع ايران اسهل من التعامل مع المسلمين السنة لأن المسلمين الشيعة لهم مرجعية وولائهم لها كبير ومقدس والفتوى ملزمه لهم والنظام السياسي الشيعي أقرب إلى الشمولية من النظام السني الرأسمالي المغلف بالإسلام . إن المسلمين السنة غير منظمين سواء أفراداً أو دولاً وليس لديهم مرجعية دينية ولم يثق المسلمين السنة كثيرا في أي وقت بحكوماتهم لأنهم يعيشون تحت قبضة الجيش والمخابرات ، والحكومة ليست عرضة للمحاسبة من قبل أي كان فانتشر الظلم وفقدان العدالة الإجتماعية وتفشت البطالة . وترى أمريكا رداً لجميلها باخراج صدام حسين من الكويت أنه قد حان موعد العطاء لحلفائها الخليجيين الذين جنو أرباحا طائلة جراء ارتفاع أسعار النفط بتقديم المساعدات للعراق في ظل الديمقراطية الايرانية . ومما يسهل لأمريكا وإسرائيل تنفيذ مخططاتهما السياسية ما بعد خروج أمريكا من العراق هو أن المنطقة تعاني من فراغ سياسي بعد حل القضية الفلسطينية حسب الرؤية الإسرائيلية . وقد رفضت إسرائيل أن تقوم تركيا بملئ هذا الفراغ لأن غالبية المسلمين في تركيا هم من السنة . وسوف تقع الطامة الكبرى على رؤوس المسلمين السنة في العراق لانهم يعانون من خيانة دول الجوار السنية وشيعة ايران وشيعة أمريكا ولم يقف معهم غير الجهد الفردي للمسلم السني ومسلمي شيعة العراق الوطنيين . لكن المؤشرات تقود إلى أن هذا الفراغ السياسي ستملأه كل من اسرائيل وايران وتركيا .
سوف يتوازى مع خروج القوات الإمريكية من العراق في عام 2006م بداية قيام الدولة الفلسطينية والتي تعني بداية تشكيل الدول العربية الحديثه حسب الوصفة السياسية الأمريكية.
لا تكل أمريكا عن جهود ايجاد عملاء لها بين المسلمين السنة والتي هي الإرهاصة الأولى لتفتيت المقاومة العراقية . وقد أرسلت أمريكا أكثر من اشارة بهذا الصدد من الإعلان عن أنها لن تتفاوض مع كافة عناصر المقاومة وأظهرت الرئيس صدام حسين في مسرحية المحكمة في المنطقة الخضراء بكامل أناقته ويتمتع بمعنويات عالية وسمحت لأول مرة بحضور محامين من خارج العراق في المحكمة.
وعلى النقيض تقوم القوات الأمريكية بأعمال الإبادة الجماعية للمسلمين السنة تحت ذرائع محاربة الأرهاب الذي لم يوجد في العراق قبل الإحتلال . ولزيادة أوار الحرب الأهلية في العراق قامت القوات الأمريكية بالكشف عمداً عن معتقلات تعذيب المسلمين الشيعة للمسلمين السنة لتبدأ دائرة الثأر والإنتقام المتبادل .
كيف ستساعد أمريكا الشعب العراقي وهي من يريد المساعدة . والمساعدة التي تطلبها أمريكا أكبر مما ستقدمه الدول العربية والإسلامية من انشاء صندوق لمساعدة الدول الإسلامية ( وربما غير الإسلامية ) لمكافحة الإرهاب . والإجماع على انشاء هذا الصندوق هو بمثابة الإعتراف والإقرار بأن الإرهاب هو اسلامي الفكروالمنشأ والتوجه ؟ أم هل ستنجح أمريكا بايجاد الكيان الديمقراطي في العراق ؟ هل حققت أمريكا وإسرائيل أهدافهما في خلق عراق مفكك تشتعل فيه الحرب الأهلية ؟ هل ستحقق المقاومة النصر على الأحتلال ؟ أم أننا سنذعن للشروط والبدائل الأمريكية القادمة ؟ وهل عرفتم ما هو الفرق بين الفيل والأرنب ؟