From : wadeebatti@hotmail.com
Sent : Sunday, December 4, 2005 4:52 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : article
 

الجنرال الدكتور الجعفري الهجوم افضل وسيلة للدفاع
الدكتور وديع بتي حنا


بادئ ذي بدء يجب الاشارة الى انه لايختلف اثنان في ان لجوء اي سياسي الى استعراض خلفيته الثقافية , وهويعالج موضوعا سياسيا , قد يلعب دورا ما في جذب المتلقي من ابناء النخبة في الوقت الذي يُسبٍبُ مللا للغالبية. ليس كل مثقف سياسيا ناجحا كما ليس شرطا ان يكون كل سياسي مثقفا اكاديميا من الدرجة الاولى . ولذلك فان محاولة الدكتور ابراهيم الجعفري استعراض ثقافته العميقة في خطبه السياسية قد باتت اشبه ببذر كثير من الملح على وجبة ما ,فاصبحت صعبة التناول على البعض و ممنوعة على القسم الاغلب من العراقيين المرضى بضغط الدم.

ذهب الدكتور الجعفري الى مؤتمر القاهرة وهو مثخن بجراح الاخفاق الكبير الذي كان حليف وزارته المجيدة منذ ولادتها ولحد الان, ذهب وهو يسير على عكازين اثر الضربات الموجعة التي تلقتها هذه الوزارة في الصدر والظهر ,من كل حدب وصوب, من الاقربون والابعدون, من الخصوم والاصدقاء, من الايرانيين والامريكان حتى باتت هذه الوزارة جثة تتنفس بصعوبة وينتظر العراقيون كل يوم ان يسمعوا الدكتور الجعفري وهو يقرأ خبر نعيها في نشرة التاسعة مساءّ الذائعة الصيت. فساد اداري أزكمت راحته انوف الجميع ووضع امني تقتات عليه الفضائيات في كل نشراتها الاخبارية ومستوى متردي من الخدمات يعطي انطباعا ان البلد يعيش بدايات القرن التاسع عشر والسياسيون حتى من كان في الماضي من أشد المدافعين عن الدكتور الجعفري والمعجبين به يجد صعوبة في حجب الحقيقة واصبح يتحدث جهارا عن الفشل الذريع لهذه الحكومة ليس في تحقيق شئ جديد وانما في المحافظة على الوضع كما كان عليه الحال قبل استلامها السلطة ومنعه من التدهور اكثر. لابل أُصيب الكثيرون بالصدمة عندما حملت اليهم الاخبار انباء اكتشاف الامريكان ( مسلخة بشرية ) في قلب بغداد فارتفعت شكواهم الى الخالق الجبار نادبين حظهم العاثر في ( الحليمة الجديدة ) التي يبدو انها اشتاقت الى اساليب ( الحليمة القديمة ).

عوضا عن ان ياتي الدكتور الجعفري وفي باله كل ما تقدم فيعترف بشجاعة بالحقيقة المريرة و يصارح الجميع بانه حاول جاهدا ان يفعل المستحيل ولكن ليس بامكان اليد الواحدة التصفيق مهما امتلكت من القوة وبان الطريق الصحيح يكمن في مشاركة الجميع لدفع العملية السياسية في البلاد الى الامام. عوضا عن ان يفعل هذا وهو ماكان الجميع يتوقعه منه استنادا لما ًأشيع عنه كشخصية متسامية وطنية متحضرة , اذا به يفاجأ الجميع وينقلب في برهة الى جنرال عسكري اختار الهجوم ( وايً هجوم ) كافضل وسيلة للدفاع فتقوقع في الدائرة الطائفية مستغنيا عن الخيمة الوطنية محاولا دغدغة مشاعر انتقامية ضيقة داعيا وبقوة الى الاستمرار في اعتماد سياسة الاقصاء والتهميش والاجتثاث اسلوبا في بناء العرق الجديد وهو يعرف حق المعرفة ان هذه السياسة هي السبب في ما وصل اليه الوطن وماعانى ويعاني منه الان.

لقد كان الراحل نزار قباني حاسما فاصرً على عدم وجود منطقة وسطى بين الجنة والنار, فلايجوز للسياسي ان يكون ديموقراطيا في لقاءاته مع وسائل الاعلام ودكتاتوريا في ساعات منع التجوال كما لايمكن للديموقراطية ان تسكن تحت سقف واحد مع الاقصاء ومصادرة حق الرأي . من جانب اخر اذا كانت الدكتاتورية بكل طغيانها واستبدادها قد اثبتت عجزها وفشلها في الانتصار في معركتها لاقصاء واجتثاث مقاوميها فكيف يمكن للديموقراية ان تحقق نجاحافي ذلك و مُحرًم عليها كل تلك الاساليب. ان معركة الاقصاء والاجتثاث هي معركة عبثية لكل الاطراف التي تُشعلها ويدفع ثمنها دائما الابرياء كوقود لها الى اجل غير مسمى . ان الانسان ليصاب بالعجب والاسى في ان واحد عندما يرى ان جميع الاطراف التي دخلت معارك الاقصاء قد اكتشفت في لحظة ما عدم جدوى تلك المعارك بعد ان تكون قد قطعت شوطا كبيرا فيها وحصدت ارواحا بريئة و ممتلكات وطنية كبيرة. ترى هل استطاع صدام ( بكل طغيانه ) ان يقضي نهائيا على حزب الدعوة او الحزب الشيوعي حتى يتمكن الجعفري من فعل ذلك ( بالديموقراطية حتى ولو اتخذت صورة مسلخة ) مع البعث واطراف المقاومة الاخرى.

ان المسؤولية الوطنية والايمان العميق بضرورة اخراج الوطن من دوامة العنف والاحتلال يتطلبان موقفا شجاعا من جميع اطراف اللعبة السياسية يتمثل في ان تبتعد اطراف السلطةعن الايمان بالاقصاء فكرا وسلوكا كما يستدعي في الوقت نفسه ان تعيد الاطراف المعارضة للعملية السياسية تقييم مسيرة عملها السابقة وتحدد اهدافها بدقة لكي تتجنب بكل مالديها من قدرة اية اصابات خاطئة . ان المراجعة النقدية لمسيرة عمل الحركات السياسية والانقلاب الداخلي فيها هو الطريق الوحيد لفكٍ اسرها من عقدة ( القيادة التاريخية ) التي ألحقت بها خسائر كارثية والامثلة على هذا طويلة عريضة فها هي الاحزاب الشيوعية في روسيا والعديد من الدول الاشتراكية الاخرى قد عادت لتشكِل ثقلا سياسيا كبيرا بعد ان استطاعت ان تتحرر من الماضي بحرسه القديم واساليبه الكارثية و تقدم نفسها بحلة جديدة .

ان نجاح اية حكومة لايكمن اطلاقا فقط في قدرتها على عرض مشاهد لمحاكمة رموز النظام السابق حيث ان هذا يُذكٍر قبل كل شئ بماساة الماضي كما ان هذا النجاح لايتحقق بانجاز استفتاء للدستور او انتخابات برلمانية لان كل هذا ليس إلا ادوار عليا في بناية لم يجري وضع الحجر الاساس بالشكل الصحيح . ان انجاز خطوات ملموسة على صعيد المصالحة الوطنية ونكران الذات ونبذ المصالح الحزبية الضيقة هو مفتاح الحل الصحيح للمأزق العراقي وحجر الاساس المتين الذي سيعطي كل الادوار العليا الاخرى في بناية العملية السياسية العراقية شكلا كاملا ومغزى حقيقيا وفي هذا ليس تجنيا اذا قيل ان حكومة الدكتور الجعفري لم تخطو الخطوات الكبيرة التي كان الجميع مفعما بالثقة بانها ستكون ضمن اولوياتها بل على النقيض فلم يكن صعبا على اي مراقب ان يشعر ان هذه الحكومة ومن يمثل ثقلها السياسي قد قبل على مضض على المشاركة بمؤتمر القاهرة وذهب اليه وهو متمنطق بفضيحة معتقل الجادرية ويشهر في الوقت نفسه في الطريق الى المؤتمر سيلا من اللاءات واشارات حمراء.

ترى متى نكون ديموقراطيين فكرا وسلوكا قلبا وقالبا صباحا ومساءً.