From : malpanah@yahoo.com
Sent : Thursday, December 22, 2005 1:18 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : تحية


 مسيحيو العراق
 ادوارد ميرزا


أظن أنه ينبغى مناقشة واقع الشعب العراقي عامة والشعب المسيحي خاصة بعيداً عن الحساسيات ، وبعيداً عن الشعارات الفارغة عن الوحدة الوطنية المزعومة وعلينا الإعتراف بأن العراق بحاجة الى قيام نظام الدولة الحديثة تقودها نخب عاقلة ذات نهج ديمقراطي بعيد عن دولة المذاهب او الحزب الواحد , ولذلك وقبل البدء بمشروع الدولة الحديثة فان هناك مسألة تخص شريحة من ابناء العراق وهم أقلية من المسيحيين بحاجة الى تسليط قليل من الضوء عليها .

ونقصد بالحساسية العلاقة بين المسلمين والمسيحيين فى العراق ولكن ليس باعتبارها حالة خاصة ولكنها حالة تكررت فى التاريخ عشرات بل ومئات المرات بين أقليات وأغلبيات ، دينية كانت أم عرقية. وبالتالى فلا ينبغى ان تؤخذ المسألة على أنها حالة خاصة بالإسلام ولا بالمسيحية .
وكل المهتمين يعلمون ان العرب المسلمون حين دخلوا العراق ، إستعانوا بالنخبة المسيحية فى إدارة شئون البلاد ( شأنهم فى ذلك شأن من سبقهم مثل الرومان واليونان ). وشيئاً فشيئاً تسلل أفراد هذه النخبة المسيحية إلى مراكز ومؤسسات الدولة وأصبحوا جزءاً منها لا يوجد ما يميز بين المسلم والمسيحي . ونادراً ما إضطر أحدهم لتغيير ديانته لتفادى تمييز ما أو للحصول على مكاسب أعلى . وهذا هو الوضع الذى كان سائدا في السابق , فى الوقت الذى كانت فيه الصراعات الإسلامية /الإسلامية القائمة على أساس مذهبى (شيعة , سنة ) أو على أساس عرقى (عرب , كردي وغيرهم ) قائمة وما تزال ولكنها كما قلت أشد وطأة وأعنف بمراحل مما شهدته مشاحنات المسلمين والمسيحيين عبر التاريخ .

في العراق قامت قوات التحالف بقيادة اميركا باجراء تغيير معين استوجب ذلك قيام حرب ودمار وموت وجرى ما جرى , وهذا شأن الكبار الأقوياء !
الذي أجبر الأقلية المسيحية أن تتحمل أولاً وقبل الآخرين وبشكل مضاعف عبئ الأزمات والتوترات الأجتماعية او السياسية , فالأقليات تعاني دائماً أكثر من الآخرين في مثل هذه الحالات . فالغازون دائماً ما يراهنون على معانات الأقلية فيبدأ فى الإتصال بهم وتقديم الوعود لهم وهذا ما لمسناه وشاهدناه في العراق مؤخرا ، لكن المسيحيون دائماً ما ينظرون للغزاة بعين الريبة عبر تأريخهم لكنهم ايضا عبر تأريخهم كانوا يمنحون ولاءهم للدولة الإسلامية قبل أى شئ آخر وإلاّ تحولوا الى رهائن يتم الإنتقام منهم كرد فعل .
علينا إذن أن نناقش المسألة بإعتبارها تخص أقلية بشرية تحت وطأة الأغلبية التي تسعى لفرض هيبتها وتحقيق اهدافها , لكن الأغلبية الدينية اذا ما ابتعدت في سلوكها عن تبني { المواطنة } اسلوبا للحفاظ على وحدة الشعب والبلاد فانها بذلك تحفز الأقلية لكي تتخذ موقفا مضادا منها , فالدين لم يكن يوماً هو الذى يقرر طبيعة علاقة البشر وإنما الظروف والثقافة التي تسود المجتمع هي التي تحدد المسارات والعلاقات .
أما الشعارات التي ترفع اليوم فيما يخص توفير الأمان والحقوق لمعتنقي الأديان غير المسلمة فانها لا تعتبر المقياس ؟ فحين يصل رافعوا هذه الشعارات الى الحكم لابد وأن تترجم فوراً إلى دساتير وقوانين وانظمة ويتم تفعيلها فى الواقع فورا ًوبدون تأخير . وهذا لم يحصل ولن يحصل أبداً وذلك بسبب غياب الوعي الوطني الذي لم يصل بعد الى عقلية البعض من السياسيين لكي تتحقق { المواطنة} الكاملة المتساوية الواجبات والحقوق ( ما دام ان دعاة هذا الشعار يدّعون ان الشعب العراقي بغالبيته مذهبي التوجهات ! ) وهذا ما فسح المجال للعقول للمذهبية ان تنتعش ولذلك بقي المسيحيون والأقليات الأخرى مجرد رعايا فى بلادهم وهذا ما يرفضه الوطنيون .

ان تفكك الدولة العراقية في السنوات الماضية وتدهورها أعاد المواطن العراقي إلى روابطه الأولى { العشائرية والقبلية والإقليمية والدينية المذهبية } مما مهد للأحزاب الدينية ان تصبح الوكيل المتحدث بإسم شعوبها فضهرت النعرات المذهبية وانتشر الأحزاب المذهبية وزاد الحقد . ولأن المسيحيون اقلية معترف بها فقد توجب هي الأخرى لوجود تنظيم او مؤسسة تحميها وتدير شؤونها وتكون وكيلاً عنها فى التعامل مع الدولة وهذا بالضبط ما حدث للمسيحيين فى الثلاثين عاماً الماضية في العراق حيث كان للكنيسة الدور الأساسي فيها .
اضف الى ذلك فان أوضاع المسيحيين اخذت تتدهور وتتراجع بعد ان كان لهم دور فعال في مؤسسات الدولة كافة الى أقلية دينية محتقرة وبذلك تحملوا وبشكل مضاعف آثار كافة التوترات الطائفية المذهبية التي سادت بين المسلمين في العراق ومع الأسف مما جعلها تقع في ساحة الصراع دون ذنب .

إن الحرب على العراق لم تكن من اجل إقامة دولة وطنية حديثة تتعالى على علاقات العرق والدين اوالعشائرية والمذهبية وغيرها , انما قيامها حكمته ضروف دولية لها علاقة بستراتيجية اميركا للعالم الجديد ... لكن فيما يتعلق بشكل الدولة الحديثة التي يطمح لها العراقيون فانها بالتأكيد هى الأكفأ فى إدارة شؤون المجتمعات المتعددت الأديان كالعراق . فاعتماد معيار الكفاءة بغض النظر عن الدين والجنس واللون من شأنه السماح للمجتمع بالإستفادة القصوى من كفاءة أبنائه .

أن الشعب العراقي اليوم وهو يعاني من أزماته ومشكلاته الحالية يحاول البعض دفعه الى الإتجاه الخاطئ فتنخرط جماهير المسلمين سنة وشيعة كلدان وسريان وآشوريين صبة ويزيديون عرب واكراد وتركمان فى القصاص من بعضهم البعض في حرب طائفية ومذهبية دون أن تواجه الدوافع والأسباب الحقيقية لما تعانيه هذه الشرائح من مشاكل حقيقية . ولابد لأى مسلم كان .. ولأي قومية ينتمي .. فقير كان او غني أن يسأل نفسه ما الذى يجب فعله للأبقاء على استمرار سلامة دينه وقومه وما الذي يجب تقديمه للأديان والقوميات الأخرى ذات الأقلية البشرية كي تعبر هي الأخرى عن وجودها الأنساني والحضاري .

وفى ضوء ما سبق، تصبح مسألة المسيحيين موضوعاً يجب ان يناقش فى إطار المواطنة لجميع العراقيين ( مسلمين ومسيحيين ). أى فى أطار عملية تحديث الدولة العراقية وإعادة ترتيب العلاقة بين المواطنين والسلطة , بمعنى ان الدين قضية شخصية والوطن قضية الجميع .

ينبغى على المسيحيين في العراق أن يدركوا أن تحررهم لن يأتى بمنحة من حزب سياسي او من جهة صديقة , ولكن بنضالهم هم أنفسهم من أجله , كما أن نشاطهم ينبغى ان يكون بمزيد من الإندماج فى المجتمع العراقي الواسع . فينبغى مثلاً أن ألا يتوجهوا بإحتجاجاتهم نحو الكنيسة او نحو الأحزاب السياسية ولكن نحو المؤسسات المدنية { القومية والدولية المستقلة } خاصة في المرحلة الحالية التي يمر بها العراق , والتوقف عن المراهنة الخاسرة على الخارج الرسمي . لأن هذا الخارج الأجنبي يتعامل تاريخياً بإنتهازية شديدة مع المسألة . فهى بالنسبة له مجرد ورقة ضغط لتحقيق مصالحه ليس أكثر، وسوف يلقيها إذا ماتحققت مصالحه أو إذا تعارضت معها , وسترون تحقق هذا التحليل لاحقا !
هذا هو قدر الأقلية المسيحية في العراق والديمقراطيين عموما أن يحملوا معاً المشعل فى بلد يعيش وضعا مأساوياً حيث لا قانون فيه والصراعات الطائفية تحكمه , بلد تعجز قياداته الجديدة عن القيام بأى من مهامها الأنسانية فضلاً عن تزييفها للوعى وتكريسها للتخلف والمذهبية والطائفية . فهل ينهض الضمير ونرى الدولة الحديثة , أم يحترق الوطن بمن فيه