|
من
مواجهة الطوفان(1)
د. مصطفي عبد العال
تداهمني فكرة مزعجه مفادها اننا نعيش حالة من طوفان الجهل وبالرغم من ان
الجهل نسبي كما هو العلم تماما الا ان ماوصل اليه العرب يحتاج حقيقة الي
وقفة جادة والا تحولنا الي كائنات تنهق حتي وان سرنا علي قدمين ولانني
منزعج بل ومرتعب من هذا الطوفان فقد فكرت وليس كل التفكير اثم ان اعلن
رايي بوضوح في مواجهة هذا الطوفان حتي وان كانت لدي قناعة بلاجدوي
المواجهة فالطوفان مدعوم بتجمعات نشطة وقويه واي متصد له لايشكل الا مجرد
فرد محدود القدرات والامكانيات اذ ان رفض الطوفان لا يعبر عن نفسه في
تيارات بل في رؤي فرديه هنا وهناك, ليس بسبب ان الرافضين هم عباقرة هذا
الزمان لكن لان الطوفان يمتاز بخاصية فريده الا وهي ارتكازه علي دعامتين
تبدوان متناقضتان الا انهما يحملان ويدفعان بهذا الطوفان ليغرقنا هاتان
الدعامتان هما ضجيج الاسلاميين والعلمانيين وبدون ان نضع اقواس حول
الصفتين فهما لايعنيان في الحقيقة الا قناع بائس يتخفي ورائه كم مرعب من
الجهل والانانية والوضاعة ومن اجل محاولة التصدي لهذا الطوفان فسوف نقسم
هذه المحاولة لقسمين الاول خاص بالعلمانيين والثاني متعلق بالاسلاميين
وحتي لا يدفعنا الانزعاج من مجيئ الطوفان الي الوقوع اسري التعميم وجب
علينا ان نقر انه يظل هناك من يمكن ادراجهم تحت وصف علمانيين او اسلاميين
ليسوا بهذا العهر الفكري لذا فليعذروا لنا انزعاجنا وان كنا سنحاول ان
نسمي الاشخاص باسمائهم منعا للبس علنا نكون قد اوضحنا ما نسعي اليه حتي
وان اسهبنا.
نبدأ بنموذج الست الدكتوره/الطبيبه وفاء سلطان ومقال منشور لها علي موقع
اقباط متحدون وعلي ما يبدو فان المقال هو مداخلتها الفكرية في مؤتمر
الاقباط الذي عقد في واشنطن مؤخرا مضافا اليها بعض التنظيرات وللتوضيح
فالست وفاء ليست قبطيه بكل المعاني اي انها سورية المولد والجنسية فهي
ليست قبطية بمعني مصريه وهي ليس مسيحية ارثوذكيه كما هم اغلب اقباط مسيحي
مصر ولكي نستبق اي تحليلات عبيطه فاننا اوردنا هذا التوضيح ليس من باب
العنصرية ولا من باب الجهل بان من يتحدث عن شيئ يجب ان ينتمي اليه بل هو
توضيح لازم لان الطوفان المرعب يرتكز اساسا علي حالة من التجهيل تمنع
رؤية اصول الاشياء .
نصل الي ما تقوله الست وفاء في مقالها او مداخلتها تلك.
في البداية تعبر لنا الست الدكتوره عن معاناتها من ضغوط قرائها ومريديها
الذين يتعجبون من عدم ادلائها بدلوها فيما يدور من احداث حيث انهم في
حيرة من امرهم وينتظرون فتاوي الست ليتبين لهم الخيط الاسود من الخيط
الابيض وعليه فها هي توضح بالم يكاد ان يفتت القلوب(وتنهمر عليّ الرسائل
الإلكترونيّة التي تحمل نفس السؤال دون أن تأخذهم بي رحمة!!)
من هذا المدخل يمكننا نحن عامة القراء ان نستوعب شيئين الاول ان الست
وفاء بحديثها هذا تنزل علي رغبة الجماهير حتي وان كانت مستنكفة من الحديث
فيما يجري من احداث فهي في الاساس منظره وليست محلله للشؤون العامه الشيئ
الثاني ان العرب المتعطشون لحكمة الست شقت حناجرهم وبالتالي فالرحمة
واجبه خصوصا من سيده مثل الدكتوره المبجله التي تنزف دما اذا ما رات قطة
عالقه علي شجره لا تجد من ينقذها, الا يذكركم هذا المدخل بخطب الزعماء
العرب الذين يقولون لشعوبهم انهم قابعين علي الكراسي لعقود لا لشيئ الا
بناء علي طلب الجماهير قد يتساءل سائل وما علاقة الست الدكتوره بالحكام
المستبدين وهي العلمانية المقارعة للاستبداد ولتوضيح العلاقه دعونا ننظر
لما تقوله الست وفاء في بداية مقالتها(لايمكن أن يخرج قمحا لو زرعوه
شعيرا، ولايمكن أن ينبت شوكا لو بزروه وردا) الا يذكركم هذا بمقولات
الزعيم القذافي عن ان المرأة تلد والرجل لايلد, هل اتضح الان المنبع
المشترك؟
دعونا نعود الي مقالة الست الدكتوره فبعد ان علمتنا الدكتوره قواعد
المنطق واسس ماهو عادي تفضلت علينا بما يلي
(لماذا تريدون أن يفاجئني ماحدث في الاسكندرية عندما هاجم عشرة آلاف مسلم
مهووس بتعاليم الرفض والقتل كنيسة مهددين بقتل روادها؟!!
هل تعتبرون قتل راهبة في كنيسة محاطة بعشرة آلاف شخص، رضع كلّ منهم القتل
والارهاب مع حليب امّه، أمرا غير عاديا؟)
ودون التوقف امام كذب (التهديد بالقتل بل والقتل نفسه) وهو ما لم يحدث في
مظاهرات الاسكندرية المحزنة للمسلمين والمسيحيين نلاحظ تعمد الست
الدكتوره تكرار الحديث عن الرضاعه والارضاع وبدون ان نكون متخصصين في علم
النفس فقد بدأ لنا ان الست الدكتوره قد تعاني من مشكلة صغر الثديين مما
يدفعها لتكرار فكرة الارضاع في اماكن متعددة من مقالها وسواء كان تصورنا
صوابا او خطأ (.......) وبعد ان تؤكد الست الدكتوره اننا جميعا كمسلمين
مجرد نسخ مكرره للسيد بن لادن تعود الي التنظير فتقول(عندما يصبح العادي
في حياة أمّة غير عادي، عندما يصبح اسامة بن لادن حدثا طبيعيّا ووفاء
سلطان حدثا غير طبيعي هل نستطيع ان نقول عن تلك الأمة بأنها أمة
مستقيمة؟!! ) بالله عليكم هل هناك طوفان اخرا من ان يتم حصر هذه الامه
بين نموذجي بن لادن و وفاء سلطان ياالله كيف تردينا الي هذا المستوي
الوضيع.
وبعد ان تعدد الست الدكتوره مثالب المسلمين دون ان تفهم ان انتماء احد
الي دين ليس قضية انثروبولوجيه اذ انه من الممكن ان تجد بسهوله مسلم
امريكي وسويدي وسوري كالست وفاء كما يمكن ان تجد مسيحي من نفس الجنسيات
بالرغم من هذا الجهل لدي الست الدكتوره الا انها ككل الجهلاء تستخلص
قانون مما تقول فتلق علينا بعد شرحها لمثالب المسلمين بقولها عن
المسلم(عندما تراقبه عن كثب تلاحظ بأنّه يعيش حياته بلا ضوابط، وبالتالي
بلا ثقافة) وهكذا تتحدث الست الدكتوره كاي بائع بطاطا مع احترامنا لكل
البائعين عندما تتحدث عن الثقافه كحلية يمتلكها البعض ولايمتلكها اخرون
ولو انها نظرت الي اي معجم خاص بالمصطلحات والمفاهيم او حتي باللغة لعرفت
ان الثقافة مفهوم لاعلاقة له بان الناس الحلوه عندها ثقافة والناس ولاد
الايه المسلمين معندهمش, هل هناك جهل اكثر من هذا؟ نعم هناك الم نقل لكم
اننا نواجه طوفانا؟
الست الدكتوره تروي لنا وا كاد ان اري شبق الاعجاب يخرج من بين جوارحها
بالجندي الامريكي المفتول العضلات الذي يحكي في مقابله صحفيه عن تجربته
في العراق(لاحظ حكاية في العراق دي وكأنه ذهب سائحا لدراسة احوال البشر
وكتابة بحث علمي يدرس جنبا الي جنب مع بحوث الست الدكتوره) البك الجندي
الامريكي يروي بالحرف الواحد(اكره حياتي هنا! شعب غريب عجيب! تطلب منه
الوقوف بالدور اكثر من مائة مرّة فلا يردّ، وعندما يأتي جندي عراقي
ويضربهم بالعصا يقفون جميعهم بانتظام. يبدو أنهم لا يفهمون إلاّ بهذا
الاسلوب!!) والحقيقة لقد كدت ان اتقيأ من سلوكيات هؤلاء العراقيين الذين
يتصرفون بهذا الشكل حتي وان كانوا يعيشون اتعس لحظات تاريخهم الملئ
بالتعاسة ولم يمنعني من التقيؤ الا تذكري لرواية كان يرويها الدكتور سعد
الدين ابراهيم عن تجربته في الولايات المتحدة وانه عندما حدثت حرب اكتوبر
وما تلاها من ازمة بترول اصبحت الطوابير امام محطات الوقود حالة يوميه
وفي احد هذه الايام جاء شاب امريكي واخترق الطابور ليملأ سيارته بالوقود
قبل غيره فما كان من الواقف في الطابور قبله الا ان نزل من سيارته وفي
يديه مسدس اطلق منه رصاصه علي راس هذا الشاب فارداه قتيلا.
وطبعا لن يفيد ان نشرح للست الدكتوره ان ردود افعال البشر خلال الازمات
لها اسباب ومنطلقات عديده بغض النظر عن كونهم مسلمين او مسيحيين اومن
عبدة الاشجار فالشرح لايفيد فالدكتوره المفكره همها الاساسي هو هذا
الاسلام الذي لا تراه الا(ألف وأربعمائة عام ونحن نملأ برميلا بالبارود،
وكلمّا امتلأ نضغطه أملا في بقعة فراغ تسمح بدكّ المزيد من البارود!)
ماذا نقول في مواجهة هكذا جهل فحتي الامريكي المتوسط التعليم العنصري
يعرف ان العالم شهد حربين عالميتين نحر فيهما ملايين البشر دون ان يكون
للمسلمين ناقة ولا جمل ولا حتي حمار في هاتين المذبحتين ومع ذلك
فالمسلمون هم الذين يجعلون العالم يجلس علي برميل من البارود وللتخلص من
هذا البرميل ومن هؤلاء المسلمين سوف تأتي الست الدكتوره السواقه ببلدوز
يزيح كل هذا لتبدأ بعلمها وبقدرتها علي ارضاعنا لبن التقدم والسمو
والتحضر اذ انها تؤكد لنا انها حتي وان كانت مشغولة بالتنظير فهي لم
تنسانا حيث تقول (أنا لست مشغولة عن قضاياكم، لكننّي في حالة بحث دائم عن
بلدوزر!!هذا البلد الذي اعيش فيه غنيّ ببلدوزراته، كما هو غنيّ بثقافته،
فلا تقلقوا عليّ وانتظروا منيّ المزيد!).
الا سحقا لهذا الجهل المزري الذي يغرقنا والذي يجب ان نتصدي له بشقيه
العلماني والاسلامي حتي لانفقد شرف ان نكون بشرا يدافعون عن وجودهم
الانساني في مواجهة الطوفان.
|