|
الضلوعية
مدينة سجلت للتاريخ أنها لا تنام
بقلم :د. عبد الله يوسف الجبوري
29 ديسمبر 2005
مدينة الضلوعية أحدى المدن التي عانت وتعاني ليس من ظلم الإحتلال فقط
ولكنها تعاني من تعددية الضغوط التي تواجهها سواء في تاريخها الإجتماعي
أو الإقتصادي أو السياسي ، فهي في مواجهة الإهمال غير المبرر طيلة عقود
من الزمن ولكنها تجلت فيها نهضة فكرية وثقافية متميزة حيث ولد فيها الفن
والأدب والشعر ، وولدت فيها حالة النهوض الحضاري من خلال عدد من المثقفين
والمفكرين والشخصيات الإجتماعية التي أستطاعت أن تنقل المنطقة الى مستوى
متميز بين مدن العراق ، وبالأخرى بين قرى العراق ، فهي وإن لم تكن قد
حصلت على شيء ليحولها الى ما يجب أن تكون عليه ، فهي تحولت فكريا باتجاه
وضع ملامح مدينة متطورة في البنية الفكرية .
لقد كان لها عدد من الشخصيات الفكرية والعشائرية المتميزة مما فرض على
السلطات الحكومية ان تحسب لها حسابا خاصا وتستشير هذه الشخصيات في
الكبيرة والصغيرة ، وبرز منها محامون وقضاة ورجال فكر في الميدان الديني
والسياسي وشعراء أستشهد لهم كتابا كبار وحملت طيات الذاكرة الإجتماعية
لهم الكثير ، ولا زالوا منارة مضيئة في طريق جيل محدد ولا أستطيع أن أطلق
العموم في هذا ، والسبب يكمن في أنها واجهت إضطهادا فكريا غريبا إنعكس
على تفكير معظم الشباب الأمر الذي سهل في ضياع بعض مما كان يجب ان يكون
على مستوى البناء الفكري والثقافي والإبداع .
الضلوعية مدينة تداخلت فيها عملية الإتصال الإجتماعي ولذلك كانت حلقة وصل
بين شمال شرقي بغداد وشمال بغداد أي هي الحلقة التي تجمع ثقافة أكثر من
مجتمع وأكثر من اتجاه لتنقله بحكم العلاقات الإجتماعية لها مع قرى الجبور
في مناطق بعيدة في شمال وغرب العراق ، وهنا نتلمس ملامح التفكير
الإجتماعي الذي يعتمد على الحجة والمواجهة الفكرية قبل أن يستخدم القوة ،
ولكن عندما تحتاج المواقف الى الشجاعة والقوة فالضلوعية مشهود لها بذلك .
إن الدليل والشاهد على ما نقول هو طبيعة بناء المنطقة التي كانت قبلا
عبارة عن مكان عصي من الناحية الطبيعية والكل يعلم أن هناك صراع قبلي على
من يمتلك الأرض ويحميها ويدافع عن الممتلكات ، وهذا تجسد في تاريخها
الإجتماعي والتحول الإقتصادي لها .
وهكذا تمكن الأجداد الأوائل من تحويل هذه المنطقة الى ارض ترعرع عليها
الإنسان وتحولت كافة جوانبها باتجاه أن تكون رمز لمجموعة متميزة من
السكان وتمتد الى مدن أخرى من خلال علاقة وطيدة بينها وبين المدن الأخرى
الأمر الذي سهل على استمرار التواصل الإجتماعي في ظل ظروف غاية في
الصعوبة ولا سيما المواصلات وهنا نكتشف حقا التصميم والإرادة البشرية
لمجتمع الضلوعية في تحويل كل ما هو عصي على أبنائها الى أمر قابل للتحقيق
والتطور ويكون بمتناول الآخرين ليس أبناءها فحسب ولكن بمتناول الآخرين
ولا سيما ذوي القربى في قرية أخرى هي قرية الخرجة وقرى قضاء الحويجة في
كركوك وبأمتداد تواجد عشائر الجبور التي تنتمي لها الضلوعية نجد هناك
علاقة تواصل بدون الحاجة الى التدقيق في الإنتماء الطائفي أو المناطقي
ولكن يكفي أن ينتمي الواحد من هؤلاء الى تلك العشيرة التي تميزت بطراوة
روحها وتعمقها في الفن الشعبي والفكاهة والحكمة والقول البليغ .
عليه عندما جاء المحتل الأمريكي كانت الضلوعية وكعادتها قوية بفكرها
الإجتماعي قبل فكرها السياسي وانتمت الى العراق الثائر دوما فتصدت للمحتل
وكانت تطاول الأيام ولقنت المحتل دروسا في المقاومة وهي لا زالت وسقوط
شهداء وأعلام فيها يعني حقيقة دلالة على ما ذهبنا عليه ، وتناغمت حقا مع
الفلوجة في تصديها للتهم التي تقول أن هناك إرهاب ، فهي مدن غير إرهابية
ولكنها كمدن لها موقف حازم من عدم الخضوع للمحتل وترفض الوصاية من أي طرف
يأتي من خارج حدودها .
إننا نجد الضلوعية حقا مدينة تستحق أن يخلدها التاريخ الحديث إجتماعيا
بشعبها وفكريا بتراثها العريق ووطنيا بموقفها في مواجهة المحتل .. ولكن
هل يصمت الزمن فيما لو فرض على نخيلها وبرتقالها أن ينحني أمام جبروت
القوة الغاشمة ، ونحن نعتقد أن أبناءها لا يمكن أن يقبلوا ذلك ، والدليل
هو صبرهم وتماسكهم ونهوضهم بأستمرار رغم قسوة الظروف ، فهي مدينة وقفت
بوجه الدكتاتورية وهي مدينة تمسكت بقيم الأرض والسماء ، فلا يمكن لها أن
تتخلى عن منهجها ولا يمكن أن تتخلى عن أصالتها .
المشرف العام لشبكة أخبار العراق
نائب رئيس تحرير جريدة المغترب العربي – كندا
|