عن الاكاديميين العرب
د. محمد الغزي

alguzzy@maktoob.com


ظل الأكاديميون العرب والمسلمون لسنوات طويلة هدفا لدبلوماسية العلاقات العامة الأمريكية التي تسعى إلى استقطابهم وإعادة ترتيب أولوياتهم، بما يتفق مع المصالح الأمريكية، واستخدامهم جسرا للتمكين للسياسة الأمريكية في منطقتنا، وقد ازدادت حدة هذا الاستهداف الأمريكي للأكاديميين في ظل هجمتهم الشريرة التي لم تدع جانبا لحياتنا إلا حولته إلى جبهة صراع، مما أدى إلى تجلي ظاهرة خطيرة في أوساط الأكاديميين وهي ظاهرة "الحياد"، وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها تحيد فئة هامة من الشعب لها القدرة على التأثير على جوانب حساسة وعديدة لمجتمعاتنا وعلى توجهات الفئات الشبابية من أبناء وبنات شعوبنا وطموحاتهم وأهدافهم.

ولا يخفى على أحد أن الأحداث المؤلمة التي تمر بأمتنا في هذه الأيام، في ظل الهجمة الأمريكية الشرسة، قد بلغت شأنا عظيما يهز القلب ويؤرق العقل ويحرك المشاعر، ومن المفترض أن يكون الأكاديميون في جامعاتنا هم أسرع الناس استجابة لهذه الأحداث والمآسي وأكثرهم تحملا لمسؤولياتهم في التصدي لهذه الهجمة، إلا أن هناك فئة من الأكاديميين لا تجد مآسينا إلى قلوبها طريقا وكأن من ينتمون إلى هذه الفئة لا ينتمون إلى أمتنا دينا ووطنا ومصيرا وإنما ينتمون إلى مصالحهم الشخصية، إنها فئة "المحايدين" من الأكاديميين الذين لا نسمع لهم همسا ولا نلحظ لهم ردة فعل حيال ما ألم بأمتنا من مصائب ومآسي رهيبة، لقد أحاط هؤلاء المحايدون أنفسهم بجدار من الصمت والتمركز حول الذات فانعزلوا عن قضايا شعوبهم وأمتهم.

وكان الأجدر أن تستيقظ ضمائر هؤلاء المحايدون فيستنفروا هممهم ويأخذوا مكانهم في الصراع ليحموا الثغور حيث أصبحت العقول والقلوب، في ظل تلك الهجمة الشريرة، ساحة حرب تدور في رحاها معارك قاسية بين الأفكار والمشاعر مستهدفة طلاب الجامعات وطالباتها وأساتذتهم لتجعل منهم أداة تمكين للدبلوماسية الأمريكية ووسيلة ترويج للثقافة الغربية بما فيها من كفر وإلحاد وفساد وانحلال، لكننا للأسف نشهد مقابل ذلك نكوصا من جانب نسبة كبيرة من الأكاديميين الذين يعيشون في أوطانهم معزولين عن الأحداث التي تدور حولهم.

إن ظاهرة الحياد تعني بشكل أو آخر وجود استعداد (شاذ) لدى الأكاديميين المحايدين لمساعدة الدبلوماسية الأمريكية في تحقيق أهدافها، وهذا ما نلاحظه عندما يقوم ممثلون عن مؤسسات الحكومات الأمريكية والأوروبية بزيارة جامعاتنا ليجدوا لهم وسيلة في التدخل في شؤونها ومستقبل طلابنا وطالباتنا، فيسارع هؤلاء المحايدون إلى الاستجابة لمطالب الزائرين واقتراحاتهم والمساهمة بفعالية في برامجهم المتنوعة التي لا هدف لها غير تحقيق المصالح الأمريكية، ناهيك عن المبالغة في الترحيب بهؤلاء الزائرين دون القيام بأدنى جهد لنقل رسالة شعوبنا المظلومة إلى حكامهم الظالمين.

و في أحيان كثيرة يتصرف الأكاديميون المحايدون بشكل يدعوا للريبة عند لقائهم بمبعوثين أمريكيين وأوروبيين من مؤسسات ومنظمات معروفة بعدائها للشعوب العربية والإسلامية ودعمها الغير محدود لـ (إسرائيل)، فبدلا من مقاطعة هذه المؤسسات والمنظمات أو، عند أضعف الإيمان، التعبير عن رفض تدخلها في شؤوننا واستهجان اعتداءات حكوماتها المتواصلة على أوطاننا وشعوبنا، يبدأ هؤلاء الأكاديميون في الشكوى والبكاء والحديث عن تضرر مصالحهم الشخصية وتبدد أحلامهم الوردية بفعل المقاومة أو الانتفاضة، ولا يفوت هؤلاء المحايدين أن يؤكدوا للزائرين الغربيين حيادهم ويعبروا عن أملهم في الوصل إلى أي حل يعيد لهم الهدوء والاطمئنان الذي يفقدونه حتى ولو على حساب شعوبهم وأوطانهم.

لقد أصبحت فئة المحايدين أرضا خصبة للحكومة الأمريكية التي تسعى دائما إلى استقطاب الأكاديميين واختيار أصحاب الكفاءات المتميزة والقدرات القيادية منهم لتوظفهم في خدمة أجندتها وفي تحسين صورتها القذرة وفي إعادة ترتيب أوليات الأجيال الناشئة وشباب/شابات الجامعات العربية؛ لصرف اهتماماتهم وغاياتهم عن القضايا المصيرية للأمة، يتم ذلك عن طريق تمويل زيارات قصيرة وأخرى طويلة للولايات المتحدة وتمويل مشاريع؛ ليس بحسب حاجات جامعاتنا ومجتمعاتنا، وإنما بحسب الأجندة والرؤية الأمريكية.

إن "الحياد" هو مخبأ يلجأ إليه الأكاديميون هربا من تحمل المسؤولية وحماية لأنانيتهم ومصالحهم الشخصية، إضافة إلى أن هذه ظاهرة تتحول بسهولة إلى ظاهرة أخرى أشد خطرا وفتكا بشعوبنا وبقضايانا المصيرية، إنها ظاهرة "التواطؤ"، وقد شهدنا في هذه السنة كيف ساهم رئيس جامعة القدس المعزول في كسر المقاطعة عن "الجامعة العبرية" بعقد توأمة بينها وبين جامعة القدس بعد أن حاولت نقابة الأكاديميين البريطانيين دعم الشعب الفلسطيني والتعبير عن استنكارها للجامعات (الإسرائيلية) الداعمة للاحتلال والصامتة على جرائمه.

نشهد في هذا العصر أنشطة وفعاليات احتجاجية واسعة من جهات طلابية وأكاديمية وغيرها على انتهاكات حقوق الإنسان والاعتداء على الدول والشعوب، ونشهد أيضا احتجاجات كبيرة على الإساءة إلى البيئة والإنسان واستغلال الشعوب؛ مثل معاهدات التجارة الحرة والتواجد العسكري الأمريكي والتلوث وعولمة الفقر وغيره، ولكن للأسف لا نجد أي احتجاجات ذات اعتبار في بلادنا التي تعاني من الاستغلال والاحتلال والدمار والقتل، وتكاد جامعاتنا العربية تخلو من أي مظاهر احتجاجية وفعاليات للتوعية والتعبئة والضغط على الحكومات.

وشاهدنا كيف تستقبل الشعوب الغربية وشعوب أمريكا اللاتينية بوش وغيره من مجرمي الحرب، ولكن للأسف يصول ويجول مجرمو الحرب في بلادنا دون أي احتجاج أو اكتراث من فئة الأكاديميين وطلابهم وطالباتهم في الجامعات، فهل وصل بنا الحياد والسلبية إلى حد اليأس؟!! هل نجحت الولايات المتحدة في "عولمة قمع الأكاديميين" في الجامعات عن طريق منظمة كامبس ووتش (Campus Watch)؟

للاستبداد السياسي في بلادنا الحظ الأوفر من أسباب ظاهرة الحياد، وأحيانا تقوم إدارات الجامعات العربية بقمع وكف كل من يحاول أن يتخلى عن هذه الظاهرة، بل إن الأكاديمي في معظم الجامعات العربية لا يستطيع الوصول إلى مكانة تمكنه من التأثير الإيجابي وصنع القرار إلا بلجوئه إلى الحياد، وكثير من الجامعات العربية تشرع أبوابها على مصراعيها للمؤسسات الأمريكية والأوروبية الحكومية سعيا وراء الدعم المالي على حساب اعتبارات دينية ووطنية، وكثير من الأكاديميين يلتزمون الحياد ليتمكنوا من المساهمة في المشاريع، التي تمولها تلك الحكومات، للحصول على الأموال دون مراعاة لما يترتب على هذه المشاريع من أخطار على المجتمع.

إن الانتماء إلى دين أمتنا والحرص على مصلحة شعوبنا والدفاع عن أوطاننا هو أنجع وسيلة للتخلص من هذه الظاهرة الخطيرة، وإن المصالح الشخصية والاستنفاع المادي يجب أن تبقى في أسفل مخروط أولويات الأكاديميين لتنال حيزا ضيقا من طموحاتهم واهتماماتهم، والأكاديميون مطالبون أكثر من غيرهم بأن يسعوا إلى تفعيل نقاباتهم والارتقاء بطموحاتهم والقيام بدور مناسب للدفاع عن أمتنا وشعوبنا، وعليهم أن يقتدوا بغيرهم من أكاديميي الولايات المتحدة، في نشاطهم وجهودهم، الذين يُنَظِّرون للمحافظين الجدد الأمريكيين ويمدون حكومتهم بكل ما تحتاجه من الأبحاث السياسية والدراسات الاستراتيجية في خضم ما يبدوا واضحا من صراع الحضارات والثقافات.

وفي فلسطين يبرر كثير من الأكاديميين "المتواطئين" علاقاتهم المشبوهة مع جامعات (إسرائيلية) بأنهم يسعون إلى التواصل مع ما يسمونه "جناح السلام" (الإسرائيلي)، إلا أن هؤلاء المتواطئين لا يمدون أيديهم لأبناء شعبهم ولا يتواصلون مع أبناء جلدتهم ولا يتعرضون إلى الاحتلال بسوء، وفي المقابل تجد أنهم يبسطون أيديهم وألسنتهم بالسوء إلى الفئة التي تقاوم الاحتلال بحجة أن المقاومة تضر بسمعة الشعب الفلسطيني، وتضر بالقضية الفلسطينية لدى الرأي العام الأمريكي والأوروبي، وكثيرا ما يلتقي هؤلاء المتواطئين أقرانهم الصهاينة في جامعات فرنسا وغيرها ويشاركونهم المشاريع المتنوعة؛ لهثا وراء الدولار الأمريكي واليورو الأوروبي، وطلبا لمنصب مرموق أو سمعة أمريكية وأوروبية حميدة.

إن الأكاديميين يتحملون مسؤولية عظيمة تجاه الدفاع عن الشباب وحماية أفكارهم من الانحراف وحمايتهم من التجهيل وإرشادهم إلى طرق الخير والنهوض بمجتمعاتهم، ومن أروع المهام التي يمكن أن يقوم بها الأكاديميون؛ إلهام طلابهم وطالباتهم ليصنعوا مستقبل بلادنا، وتعبئتهم ليدافعوا عن أنفسهم وبلادهم، وإرشادهم لينهضوا بمجتمعاتهم، والأكاديميون، بما لديهم من قدرة على الإنتاج العلمي والأدبي والفني، يستطيعون حماية الأجيال الناشئة من محاولات اختطافهم من حضن وطنهم وأمتهم، وذلك بتوجيههم وتربيتهم ليصبحوا معاول بناء ونهضة في مجتمعاتنا بدلا من أن يكونوا معاول هدم وأدوات إفساد.