|
From : mossad_hegazy@yahoo.com
Sent : Monday, December 26, 2005 4:48 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject :
الإخوان
المسلمون وصراع الطبقات الجيولوجية السياسية فى مصر
مسعد حجازى – تورونتو - كندا
ليست مهمة الكاتب أن ينافق قراءه أو يتملقهم، بل مهمته أن يسلط الضوء على
العيوب والأخطاء الجسيمة بغية تصويبها، واستنباط الدروس والعبر منها وحتى
يمكن تفادى تكرارها فى المستقبل.
والكاتب الذى يكون قد كون لنفسه رأيا فى قضية ما، خاصة إذا كان قد كون
رأيه بعد بحث وتدقيق وتمحيص لكل ما أمكن أن يقع تحت يده من معلومات حول
القضية موضوع البحث فإن الأمانة العلمية، ومسئولية الكلمة تحتم على هذا
الكاتب أن يدلى برأيه فى القضايا الأساسية والمواقف الحرجة والأوقات
العصيبة.
وكثيرا ما يقول لى بعض الأصدقاء المقربين لماذا لا أكتب ما يتوافق مع
المزاج العام أو مزاج الأغلبية؟!... لماذا أحاول السباحة ضد التيار؟ بل
إن البعض الآخر من الأصدقاء قد قالوا لى مرارا أنه لا فائدة من الكتابة
أصلا، وأننى وغيرى من الكتاب كمن يحرث فى البحر، ولن يتغير أى شىء !....
والمقصود بالمزاج العام أو مزاج الأغلبية هو تلك الآراء التى تجمع عليها
الأغلبية حتى ولو كانت خاطئة ـ كلها أو بعضها.
ودائما يكون ردى على الأصدقاء كما هو لا يتغير وهو أن إجماع الأغلبية على
رأى معين ليس بالضرورة دليلا على صحة هذا الرأى، وأعتقد أن الواقع المصرى
والعربى ، وأحداث ووقائع الماضى القريب تحمل الكثير من الشواهد على ذلك.
هذا بالإضافة إلى قناعتى التامة بإحدى المقولات " الديكارتية " للفيلسوف
الفرنسى الكبير " رينيه ديكارت " والتى تقول:
" إن أخشى ما أخشاه هو تلك الآراء التى تصفق لها الجماهير ".
وإذا كانت نظم الحكم العربية فى معظمها نظم أحادية فى جوهرها ومضمونها،
وتغلب عليها النزعة الإستبدادية الفردية رغم محاولات تجميل واجهاتها
بديكورات التعددية إلا أن الشارع العربى كله يعانى من فوضى الإزدحام
الشديد من كثرة التيارات السياسية والأيديولوجية والمذهبية الطائفية، حيث
لا توجد ضوابط أو إشارات مرور، وإذا وجدت فسرعان ما تجد كل الألوان مضاءة
فى وقت واحد... الأخضر مع الأصفر مع الأحمر، فضلا عن وجود تيارات لا تعبأ
أصلا بأى إشارات مرور.!!
وفى الشارع المصرى المزدحم ـ على سبيل المثال ـ تنسى التيارات السياسية
المختلفة وهى تتناول الأحداث والوقائع التاريخية أن ثمة فرق كبير بين
مناقشة التاريخ وبين نبش القبور.!
مناقشة التاريخ والبحث فيه أمر محمود وضرورى، وكل الأمم تناقش تاريخها
بدرجات متفاوته، المهم أن تناقش الأمة تاريخها دون أن تتجمد فى مكانها،
.. تناقش تاريخها وعينها على المستقبل بدلا من أن تتقوقع فى الماضى
البعيد، والمجد الذى كان وولى زمانه.
وأما نبش القبور فأمر كريه مذموم، تحرمه وتجرمه كل القوانين والشرائع
السماوية.
نبش القبور لا يمكن أن يرجى منه أى إصلاح للأحوال والأمور..
فى مصر والمجتمعات العربية الشرقية نرى القليل من مناقشة التاريخ،
والكثير من نبش القبور.
إن الكثير من المشكلات التى نعانى منها منذ سنوات طويلة لازالت قائمة لأن
الذين يتعرضون لحلها يرتكبون أخطاء فى تشخيص الأسباب التى أدت إلى خلق
هذه المشكلات فى المقام الأول، وبدون التشخيص الدقيق والصحيح لا يمكن
التوصل إلى العلاج الصحيح.
إن الحوار الدائر فى مصر ومنذ وقت غير قصير بين فريق الليبراليين
والعلمانيين من جهة وبين فريق الأصوليين من الأخوان المسلمين من جهة
أخرى، والحوار الذى يجرى بين حين وآخر بين أحزاب المعارضة والنظام الحاكم
ليس حوارا بالمعنى الديمقراطى المتعارف عليه فى المجتمعات الديمقراطية
المتحضرة، وإنما هو فى حقيقة الأمر نوع من الحرب الأهلية الكلامية، فكل
طرف لديه قائمة طويلة من مواقف مسبقة تميل إلى التشدد يطلقون عليها "
الثوابت الأساسية ".
ومصر شأنها شأن معظم المجتمعات العربية هى مجتمع طبقى ـ وهذا هو ما يعرفه
المواطن العادى ووقر فى وعيه ، ولاوعيه، ويتصرف على أساسه وإن سكت ـ على
الرغم من أن الدساتير والقوانين الوضعية لا تقر الطبقية ولا تعترف بها.!!
وهذه الطبقات الجيولوجية السياسية ليست طبقات كامنة تحت الأرض، وإنما هى
كلها بارزة على السطح، تتفاعل وتتصارع مع بعضها البعض وفى آن واحد.
ومعظم الكتاب الذين يتناولون أحداث الحاضر والماضى القريب تغيب عن
أذهانهم حقيقة هامة وهم يناقشون التاريخ ألا وهى أنهم ليسوا مؤرخين
أكاديميين متخصصين فى كتابة التاريخ، وفق شروط علمية وأكاديمية متعارف
عليها، .. قد تختلف فيها المدارس والإجتهادات إلا أنها جميعا تشترك فى
هدف محاولة إستخراج العبرات والنظرات سعيا إلى مستقبل أكثر إشراقا من
الماضى والحاضر.
ونظرا لغياب هذه الحقيقة عند معظم من يناقشون التاريخ، عندئذ لا تصبح
المناقشة مناقشة تاريخ وإنما معركة بقاء شرسة، حياة أو موت لكل فريق ،
وسرعان ما تتحول المناقشة إلى صراعات سياسية تختلط فيها المصالح والآراء
والعقائد الدينية والميول والأهواء الشخصية والنفس الأمارة ـ غالبا
بالسوء ـ والغرائز البشرية،... ثم نكتشف فى المحصلة النهائية أن الحقيقة
المجردة هى أول ضحية!!.
فمثلا إذا نظرنا بإمعان إلى الإنتخابات البرلمانية التى جرت مؤخرا فى
مصر، والتى أسفرت نتائجها عن نجاح ملفت للنظر وغير مسبوق لجماعة الإخوان
المسلمين المحظورة قانونا بحصول الجماعة على 88 مقعدا فى البرلمان فى
مقابل 14 مقعدا لجميع أحزاب المعارضة مع إستمرار إحتفاظ الحزب الوطنى
الحاكم بأغلبية أكثر من ثلثى مقاعد مجلس الشعب البالغ عددها 444 مقعدا
... نكتشف أن الجدل والنقاش الدائر حاليا فى الداخل هو استمرار لحملات
الدعاية للإنتخابات التى إنتهت وبطريقة ما، كما نكتشف أيضا أن ردود الفعل
المتباينة ـ داخليا ودوليا _ والتى تركز معظمها على مفاجأة ما أنجزته
جماعة الإخوان فى الإنتخابات تحمل فى طياتها الكثير من المغالطات، وخلط
فاضح وفادح للكثير من الأوراق والحقائق والمواقف، بعضه عن عمد وإصرار
وأكثره عن جهل، وانقسم الشارع المصرى والشارع العربى ـ نظرا لإمتداد
جماعة الإخوان المسلمين خارج حدود القطر المصرى ـ إلى من يؤيد ومن يعارض،
وأصبح المؤيدون يرون فى هذه الجماعة الخير والخلاص وطوق النجاة من
الأوضاع الحالية المتردية على كل الأصعدة، بينما يرى المعارضون أنها شر
مستطير، وإستغلال للدين للوثوب إلى الحكم، وخطر قادم يهدد الأمن
والإستقرار فى مصر والمنطقة كلها... فما هى حقيقة هذه الجماعة وأهدافها؟!
بعيدا عن مزاعم قادة الجماعة، وبمنأى عن المواقف المسبقة لفريقى المؤيدين
والمعارضين.
أعترف أن الإجابة على السؤال السابق ليست أمرا سهلا، ومن الإجحاف للقارىء
بل وللجماعة نفسها أن نحاول الإجابة عليه فى مقال أو إثنين، لسببين
رئيسيين:
- أولهما أن جماعة الإخوان المسلمين ليست وليدة اليوم أو الأمس القريب
وإتما هى جماعة قد تعدى عمرها الزمنى ما يزيد عن ثلاثة أرباع قرن من
الزمان، كانت الجماعة خلالها – قبل الحظر القانونى وبعده، وحتى اليوم ـ
عنصرا لايمكن تجاهله.
- وثانيهما أن الإجابة عليه لابد أن تتضمن الإجابة على عدة أسئلة أخرى
ملحة ومطروحة بقوة فى الساحة السياسية وفى الشارع المصرى والعربى، نرى أن
قادة الجماعة لم يقدموا بشأنها حتى الآن إجابات شافية ووافية، كما أنها
أسئلة مطروحة أيضا خارج مصر والمنطقة وعلى مستوى دولى فى دوائر صنع
القرار السياسى، وفى معاهد ومراكز الأبحاث السياسية والإستراتيجية،
وقبلهما فى الغرف المغلقة داخل أجهزة مخابرات نافذة فى عواصم عالمية
كبيرة ومؤثرة... تحاول جميعها أن تقدم لصانعى القرارات السياسية إجابات
على الأسئلة المطروحة ولعل أهمها:
- هل يمكن أن تصل جماعة الإخوان المسلمين إلى سلطة الحكم فى بلد كبير
محورى ومؤثر كمصر؟
- ما هى تداعيات وصول الإخوان المسلمين إلى سلطة الحكم فى مصر ـ إذا ما
حدث ـ على مجمل الأوضاع فى مصر والمنطقة، وتأثيرات ذلك على المصالح
الإستراتيجية والحيوية للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بصفة خاصة
والغرب بصفة عامة؟ ....
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الفكر السياسى الغربى ليس من عادته أن يترك أى
شىء يمس مصالحه الحيوية للظروف أوالمقادير.
- هل تغيرت جماعة الإخوان المسلمين حقا كما يزعم قادة الجماعة؟ أم أن
التغيير الذى طرأ عليها هو فقط تغيير تكتيكى وليس تغييرا إسترتيجيا؟
- هل يؤمن الإخوان المسلمون حقا بالديمقراطية كما يرددون أم أن الإيمان
بها فى هذه المرحلة هو " وسيلة " ضرورية " الغاية " منها الوصول للسلطة
فى مصر ومحاولة فرض خريطة جديدة للشرق الأوسط ؟
- هل يمكن لجماعة الإخوان المسلمين ـ فى نهاية المطاف ـ أن تتلاقى مع
الغرب فى منتصف الطريق أم ستتباعد الشقة والهوة بينهما، لتتأكد مقولة
الجنرال البريطانى " كبلنج " القديمة بأن الشرق شرق، والغرب غرب، ولا
يمكن أن يلتقيان؟!
- إذا افترضنا جدلا أن الأخوان المسلمين يمكن أن يصلوا الى الحكم فى مصر،
فما هو نظام الحكم الجديد الذى ستتبناه الجماعة؟ هل هو نظام جمهورى
دستورى؟ أم هو نظام برلمانى دستورى؟ أم ستكون دولة دينية إسلامية؟ وإذا
كانت دولة دينية فما هو النموذج الذى ستحتذى به؟ هل هو النموذج الإيرانى
أو الطالبانى أو السودانى ( إبان حكم النميرى)؟ أم هو نموذج مصرى جديد؟
وإذا كان الأمر كذلك فما هو؟!
- إذا افترضنا جدلا أيضا وصول الإخوان الى الحكم فكيف سيتعامل النظام
الجديد مع دولة مثل المملكة العربية السعودية والتى قام قادتها خلال
الأعوام الثلاثة الأخيرة بشن هجوم على الجماعة وإعتبارها مسئولة عن
التطرف وتفريخ الإرهاب فى المنطقة، .. مرة على لسان وزير الداخلية الأمير
نايف بن عبد العزيز، ومرة أخرى على لسان الملك عبدالله بن عبد العزيز
عندما كان وليا للعهد؟! وكيف سيكون التعامل مع دولة عربية شقيقة مثل
سورية تفرض أيضا حظرا قانونيا على جماعة الأخوان المسلمين على أراضها؟!
- ما هى البرامج التفصيلية لجماعة الأخوان المسلمين والخاصة بقضايا
أساسية ومشكلات مزمنة تهم المجتمع المصرى بأسره مثل قضايا التعليم والصحة
وعمل المرأة وأزمة البطالة والزيادة السكانية وحقوق المواطنة وحقوق
الأقليات، والتزامات مصر بالمعاهدات الدولية والثنائية والمواثيق؟
- بعد مضى 77 عاما على تأسيس جماعة الأخوان المسلمين من حقنا أن نسأل: هل
توجد أية فروق جوهرية بين فكر أول مرشد للجماعة الشيخ حسن أحمد عبد
الرحمن البنا، وفكر المرشد الحالى الأستاذ محمد مهدى عاكف؟!
- هل تؤمن الجماعة بتداول السلطة؟ وما هو موقفها من الفنون والآداب
والثقافة بصفة عامة؟
إننا الآن نقف فى مفترق الطرق.!!!
والظروف والأوضاع الراهنة فى مصر والمنطقة العربية أصبحت شديدة الحرج
والتعقيد والتشابك، ولم تعد تحتمل المزيد، فالمنطقة بالفعل حبلى بالمشاكل
والأزمات على السطح، وتحت السطح قنابل موقوتة وألغام، وبراكين تغلى،
وبترول بكميات كبيرة، وقنابل نووية، وكلها قابلة للإنفجار فى أى وقت!!.
لقد حان الأوان لأن نحاول جميعا أن نضع جماعة الإخوان المسلمين تحت مجهر
البحث والتحليل السياسى الميكروسكوبى الذى يتعدى أمر تسجيل مواقف بـ " مع
" أو " ضد " هذه الجماعة، وبعيدا عن الشعارات الجوفاء، والصراخ والعويل،
والعواطف الجياشة، ولقد جربنا ذلك كله عقودا وأزمنة طويلة حتى أصبح أسلوب
حياة لم نجنى من وراءه سوى الهزائم والنكسات الواحدة تلو الأخرى، ولم يعد
أمامنا من سبيل سوى تناول الأمر بعقل بارد، ورؤية تحليلية واضحة تسلط
الضوء على جماعة الإخوان المسلمين المحظورة قانونا منذ نشأتها وتطورها،
وعلاقاتها وتحالفاتها وصداماتها مع خمسة أنظمة سياسية مرت بها مصر خلال
الـ 77 عاما الماضية وحتى اليوم .,,
وهى أولا وأخيرا محاولة " إجتهادية " جادة ـ قابلة للخطأ والصواب،
وللمزيد من التصويب _ سنحاول فيها أن نعطى للجماعة مالها وما عليها من
استحقاقات دون تحامل أو تحيز، ووفق المتاح من المعلومات والمصادر
المختلفة، ودون أن ندعى أننا نملك بشأنها صولجان الحقيقة الكاملة فذلك
يتعدى نطاق أى فرد واحد أو جماعة، وفى نفس الوقت هى دعوة مخلصة لكل أصحاب
العقول الواعية المستنيرة، ومن كل التيارات السياسية أن تساهم بفكرها
وخبراتها وآراءها، عسى أن نستكشف جميعا معالم الطريق فى الحاضر
والمستقبل، ونسأل الله التوفيق.
وللحديث بقية.
|