|
محاولة لفهم المرحلة الجديدة
طارق مصاروة
في المحصـــــلة، نحن امام مرحـــــلة جديدة، باستحقاقات جديدة!! ولا يمكن من
الان فصاعداً فهم هـــذه التطورات في مسيرة القضية الفلسطينية علي انها
استـــــمرار للصراع العربي ـ الاسرائيلي.. بارثه التاريخي الذي طاول نصف القرن
الماضي او التعامل معها علي انها استمرار للصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي علي
ضوء اتفاقيات اوسلو واعتراف الطرفين المتنازعين ببعضهما، ككيانين سياسيين
مختلفين علي ارض واحدة.. وقررا حل الاشكالية القومية بينهما بالوسائل السلمية.
احداث العراق، وقبلها معاهدات السلام العربية مع الكيان الصهيوني، ادت كلها الي
تفكك العلاقة القومية بين دول العرب، علناً هذه المرة بعد مرارة غــــير عادية
لتأخير هذا الاعلان من انشاء الجامعة العربية الي اتفاقية كامب ديفيد، ومن حرب
تحرير فلسطين عام 1948 الي حرب تحرير العراق عام 1991، وانعكاس ذلك كله علي
القضية الفلسطينية، منذ انفكاكها عن التضامن العربي باتفاقيات اوسلو عام 1993!!
هذا الشكل المعقد من العلاقات العربية ـ العربية والعربية ـ الفلسطينية، يجب ان
يفهمه الدارسون في مؤسسات الفكر القومي، والجامعات، والاحزاب دراسة مخلصة، فمن
العبث بقاء الفكر القومي حبيس الانظمة السياسية العربية، التي لم يعد من الممكن
تبرير سلوكياتها بعبقرية الواقعية او بحكمة الانتظار والصبر وعدم التسرع في
اتخاذ القرارات المصيرية فذلك كله يبرر الخوف من القوي الاجنبية، والاذعان لها،
والمشاركة في جرائمها، لكنه لا يبرر دفاع المفكرين ورجال السياسة عن انظمة ثبت
عجزها، وتخلفها، وتورطها في الخيانة القومية!
العقيد معمر القذافي ونظامه، يستطيع اعلان افريقيته، وانسحابه من جامعة الدول
العربية، ويملك جرأة الكلام عن خجله من انتمائه العربي، فالعقيد خارج دائرة
الاحداث الساخنة، وهو يملك من النفط ما يستطيع تقويم انتماءاته، وحروبه،
ومؤتمراته القمعية.. ويستطيع تجميد عمله العربي.. والعودة عــــن هذ التجميد
بوساطة امين الجامعة او الرئيس المصري.. لكن احدا ً هنــــا في ســورية ولبنان
والاردن وفلسطين لا يملك مثل هذا الترف الذي يملكه العقيــــد!! فالاردن مطالب
بدور غير دوره الذي حـــددته اتفاقية وادي عربة وسورية ولبنان مطالبتان بدور
اكبر واخطر فلم يعد تفهم المعارضة الفلسطينية لظروف سورية يكفي، ولم يعد التبرؤ
من نظام صدام حسين، او تسليم عراقيين فارين او اغلاق الحدود حتي في وجه الفريق
امين الحافظ وعائلته.. آلاف السوريين الفارين بارواحهم يكفي، ولم يعد وقف
التدريب العسكري للطلاب، وخلعهم لزيهم الجميل يكفي.. فهناك مطالب نعرفها ولا
نعرفها.. بعضها الخروج من لبنان، وبعضها موقف معلن من حزب الله، وبعضها انهاء
العلاقة الخاصة السورية ـ اللبنانية ثم ان هناك مطالب من الفلسطينيين، ومن
حكومتهم الجديدة ليس اقلها وقف الفساد وضرب الارهاب، وقوبل خارطة الطريق، او
حتي تأجيل موضوع العودة الي اجل غير مسمي.
الهدف الاخير الذي لا يمكن للجيش الاسرائيلي تحقيقه بالاغتيال، وتجريف الزيتون،
وهدم البيوت، والحصار.. الهدف الاخير هو وضع صيغة متفق عليها وتضمن وحدة ارض
اسرائيل وتنظم حياة الفلسطينيين المقيمين عليها !
لقد مر علينا يوم الاثنين الماضي، مسرحية مثيرة للضحك.. مثيرة للبكاء، حين اثار
وزير الخارجية الاسرائيلي علي هامش الاجتماعات المتوسطية في رودس اليونان، حين
قرر انعقاد القمة الامريكية ـ الفلسطينية ـ الاسرائيلية في العقبة بالأردن،
وليس في شرم الشيخ، لان مصر لم تقـــــم بالدور الموكل اليها كما يجب، في رحلة
مدير المخابرات المصري الاخيرة الي رام الله!! فهو يمنح ويمنع، ويخلق بين مصر
والاردن اشــــكاليات لا معني لها، الا اذا اعتبرنا وجود الرئيس بضع ساعات في
العقبة او في شرم الشيخ شرفا عظيما للاردن او لمصر.. مع ان المفترض ان تقرر
الولايات المتحدة وليس وزير الخارجية الاسرائيلي، اين يلتقي الرئيس الامريكي
برئيس الحكومة في فلسطين واسرائيل.
هي مسرحية عرضها وزير الخارجية الاسرائيلي في رودس، لكن دلالاتها غير خافية من
حيث الشراكة الاسرئيلية للهيمنة الامريكية علي المنطقة، ومن حيث القبول العربي
لهذه الشراكة، مع ان العرب في الخليج والسعودية ساهموا مساهمة رئيسية في الهجوم
الامريكي العسكري المباشر علي المنطقة، بمساهمتهم في الهجوم علي العراق، واذا
كان لا بد من وجود حلفاء العربية هي الحليف وليس اسرائيل.
لقد حسب شمعون بيريس في احدي لقاءاته مع اجهزة اعلامية امريكية رئيسية، ان
اسرائيل تقدم للولايات المتحدة اكثر مما تقدمه اوروبا والحليف الاطلسي،
بمساعدات محدودة لاتعادل عشر ما تنفقه الولايات المتحدة في القارة حتي ايام
الحرب الباردة.
واثبتت الاحداث ان اسرائيل ليست ضمانة للمصالح الامريكية، وانما هي عبء عليها،
وان العرب هم الضامنون لها، سواء بتقديم اراضيهم وقواعدهم الجوية والبحرية
للقوات الامريكية، او بتمويل كافة العمليات العسكرية الامريكية في المنطقة!
كنا نقول في البداية: نحن امام مرحلة جديدة باستحقاقات جديدة في مسيرة القضية
الفلسطينية، واننا لا يمكن فهم المرحلة علي انها استمرار للصراع العربي ـ
الاسرائيلي، او استمرار للصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي باشكالها، وادواتها،
وقناعاتها القديمة التي توارثناها منذ نصف قرن فلقد تم تفكيك الرابط القومي من
العلاقات بين دول الالتزام العربي بالقضية الفلسطينية، والتزام النضال
الفلسطيني بحركة القومية العربية، ولعل احد لا يلاحظ بسهولة ان هناك من لا يري
غضاضة في الاحتفاظ بعلاقات طبيعية مع اسرائيل.. وبعلاقات اخوية مع الفلسطينيين
في وقت واحد، ولعل احدا لا يعتب كثيرا حين يتطوع وزير خارجية عربي بالقول: ان
علاقات بلاده باسرائيل هي في حرب او سلام بينهما وبين اسرائيل، ولا تمتلك مادة
ضغوط سياسية او اقتصادية عليها وليس لها في واشنطن، او لندن وزن يختلف عن اية
دولة عربية بحيث توظف هذا الوزن للضغط علي اسرائيل.. وبان مجرد اجتماع معاليه
مع وزير الخارجية الاسرائيلي يمكن ان يغير في معادلات الصراع القومي الدامي.
ان انتقال الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي من مواقعه العربية في القاهرة، او في
جبال عجلون او في بيروت والجنوب اللبناني.. او حتي في تونس، الي ارض فلسطين،
كان علامة فارقة لا يمكن تجاهلها، رغم ان هذا الانتقال لم يكن تحريرا بالقوة،
فوجود القيادة علي ارض فلسطين احدث مجموعة حقائق داخل اطر الصراع الفلسطيني ـ
الاسرائيلي لا يمكن تغييرها بسياسات ارئيل شارون الدولية او بقرارات الغاء
اتفاقيات اوسلو.
وحين يتساءل شارون، في وجه معارضيه، ما الذي يمكن ان نفعله بثلاثة ملايين ونصف
المليون فلسطيني، فان شارون يعرف الجواب، منذ ان وعد الشعب الاسرائيلي ثم وعد
ناخبيه للمرة الثانية انه سينهي الارهاب في مئة يوم، ويعرف ان الدولة
الفلسطينية هي النهاية الحتمية!
ان هناك سوء فهم لهذه المرحلة، والعجز الفلسطيني كالعجز العربي، يحاول فهمها
علي انها ياسر عرفات او محمود عباس، الحل السياسي او الحل العنفي، السلطة
الوطنية او حماس والجهاد ومقاتلي فتح والشعبية.. لعن خارطة الطريق او
امتداحها!! وهذا ليس المطلوب في هذه المرحلة الخطيرة والذي نتصور في عجزنا
الفكري الصارخ علي انه تناقضات، لا تؤدي الا الي اليأس والاحباط هي ليست
تناقضات، فمحمود عباس وما يمثله من الاعتدال والمصداقية في واشنطن او في تل
ابيب هو اداة نضالية كحماس والجهاد وفتح والشعبية، وهو جزء من السلطة كياسر
عرفات.. وكمنظمة التحرير الفلسطينية سواء بسواء.. طالما اننا نتحدث عن بدائل،
وطالما ان الحرب الاهلية، او الصراعات بين الوان الطيف الحزبي غير واردة، فنحن
نعرف ان العمليات الاستشهادية البطولية، هي التي جعلت شارون يسأل حلفاءه عما
يمكن ان يفعله بثلاثة ملايين ونصف المليون فلسطيني، وجعلت خارطة الطريق تضع
بعين الاعتبار: الارهاب في مواجهة الاستيطان، والارهاب في مواجهة الانسحاب من
مدن فلسطين وقراها ووقف الاغتيالات، ووقف تجريف الارض، ووقف الحصار، فهذه ليست
منة من شارون والجيش الاسرائيلي.. وانما هي مقايضة من شارون والجيش
الاسرائيلي.. وانما هي مقايضة مشروعة ومساومة يجب ان نعرف كيف نتعامل بها!
.
|