إشكاليات الديمقراطية في الوطن العربي
بقلم: السيد ياسين

ليس هناك خلاف على أن موضوع التطوير الديمقراطى للنظم السياسية في العالم العربى يتصدر قائمة المطالب الملحة المطروحة على العرب في مختلف أقطارهم، وخصوصا بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر. وربما يمكن أن نرد اشتداد المطالب الشعبية العربية الديمقراطية إلى عام 1967، فقد أدت هزيمة 1967 ولا شك إلى تبلور الوعى بأن الافتقاد إلى الديمقراطية والانفراد بإصدار قرارات الحرب والسلم يكمن ليس فقط وراء الهزائم العربية ولكن ـ أهم من ذلك ـ وراء التخلف العربى بمختلف جوانبه. ويمكن القول أن الممارسات الاستبدادية للدول الوطنية العربية التى حصلت على استقلالها في الخمسينيات، بالإضافة إلى الجمود الديمقراطى في الأقطار العربية التقليدية التى لم تشهد من قبل أى تجربة ديمقراطية، كما أنها مازالت حتى الآن تحت تأثير شرعية التقاليد (الأسر المالكة) أو شرعية الشورى الإسلامية، تمانع في التطوير الديمقراطى. وقد تبلور الوعى لدى النخبة والجماهير على أن الشعارات الطنانة عن الثورة والاشتراكية والوحدة لا تغنى عن الممارسة الديمقراطية الحقيقية التى يحس في غمارها أبناء الوطن العربى على اختلاف مجتمعاتهم، أنهم مواطنون لهم حقوق وعليهم واجبات وليسوا مجرد رعايا، إذا استعدنا عنوان الكتاب الشهير للمفكر الليبرالى الإسلامى خالد محمد خالد «مواطنون لا رعايا».
وهكذا يمكن القول أن الحصاد المر للممارسة السياسية في الوطن العربى في النصف قرن الماضى أدى إلى سقوط الأساطير السياسية العربية كما سقطت من قبل عام 1989 أساطير الشيوعية والاشتراكية بانهيار الاتحاد السوفييتى، ودول الكتلة الاشتراكية. وتتبع نشأة النظام العربى تكشف عن التأثر الشديد بالعديد من الأفكار التى سادت في البلاد الاشتراكية، وقد ترجم هذا التأثير عن نفسه في تبنى سياسات محددة أدت إلى الوضع الراهن الذى نعيشه في الوطن العربى. ونعنى على وجه التحديد سيادة النظم السلطوية، التى قضت على المجتمع المدنى بمؤسساته، وذلك باسم الثورة والاشتراكية والوحدة. لقد عشنا منذ عهد الاستقلال العربى في أوائل الخمسينيات في ظل ثلاث أساطير سياسية\ :
الأسطورة الأولى: هى الثورة بغير ديمقراطية.
والأسطورة الثانية: هى الاشتراكية بغير مشاركة شعبية.
والأسطورة الثالثة: هى إمكانية تحقيق الوحدة العربية باستخدام القوة. إن مصطلح الثورة الذى أسرفت الانقلابات العسكرية في استخدامه، قام في التطبيق على أساس استبعاد الجماهير الشعبية، وانفراد مجموعة صغيرة من الضباط الانقلابيين بالحكم، وتأسيس نظم سياسية سلطوية قامت على أساس القمع، ومحو التعددية السياسية، بمؤسساته الفعالة، كالأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية، وإخضاعها مباشرة للسلطة السياسية، والقضاء على استقلال المؤسسات الثقافية، ومحو دولة القانون، وتأسيس الدولة البوليسية.
قامت هذه «الثورات» إذن، رافعة شعار تحديث المجتمع. وانغمست في تطبيق سياسات تصنيعية وزراعية، كان القرار يتخذ بشأنها من قبل نخبة بيروقراطية وتكنوقراطية، لا تخضع في ممارسة سلطاتها إلى أى نوع من أنواع الرقابة الشعبية. وبالرغم من بعض الانجازات التى تم تحقيقها في هذه المجالات، فيمكن القول أن مئات الملايين قد أهدرت نتيجة تبنى سياسات لم تخضع للنقاش العام، ولم يتح للجماهير فرصة محاسبة المسئولين عنها. غير أن الأهم من ذلك كله، أن التنمية كشعار رفعته هذه «الثورات» كانت تعنى تطبيق بعض السياسات في سياق تمحى فيه تماما شخصية الأفراد، الذين تم تحويلهم ببساطة من مواطنين إلى رعايا يتقبلون من السلطة السياسية السلطوية الغاشمة المنح بين الحين والحين، ويخضعون للقهر العنيف في جميع الأحيان. ثم طورت بعض هذه الثورات من برامجها، وانتقلت من مرحلة «الثورة» إلى مرحلة تطبيق «الاشتراكية»، غير أنها كانت اشتراكية بغير مشاركة شعبية، وكانت هذه هى الأسطورة الثانية، التى تحطمت على صخرة الواقع.
وتأتى أخيراً الأسطورة الثالثة، والتى لم تظهر للحق بقوة إلا بعدما اندلعت أزمة الخليج الثانية عام 1990، ونعنى الغزو العراقى للكويت، وهى الخاصة بضرورة تحقيق الوحدة العربية بأى وسيلة ولو باستخدام القوة العسكرية، حتى لو تم ذلك ضد إرادة الشعب المراد ضمه في إطار الوحدة.
خلاصة تطور النظام العربى منذ بداية الخمسينيات حتى الآن، هى سيادة السلطوية السياسية، التى استبعدت الجماهير نهائيا من الساحة، والتى تخفت وراء شعارات الثورة والاشتراكية والوحدة.
غير أن النخبة السلطوية العربية أدركت في العقود الأخيرة، ولعل ذلك الإدراك جاء نتيجة رغبتها في تحسين صورتها أمام قادة النظام العالمى، ورغبة في الحصول على المساعدات والقروض الاقتصادية، حاجتها إلى النزوع إلى نوع من أنواع التعددية السياسية. وهكذا شهدنا في بعض البلاد تحولات تتجه إلى تعددية سياسية مقيدة، تكفل للنخب السياسية السلطوية أن تمسك بمقاليد الأمور، في إطار يسمح للقوى السياسية المختلفة أن تعبر عن نفسها تعبيرا محدودا في ظل قيود سياسية وإدارية لا حدود لها.
إذا كان هذا التطور المحدود قد حدث في البلاد التى قامت فيها نظم سلطوية بعد الثورات التى قامت فيها، فإن هناك نظما عربية أخرى، تمارس فيها السلطوية السياسية من خلال نظم حكم تقليدية، كما هو الحال في دول الخليج، والتى يمكن اعتبارها «مجتمعات مقفلة» لا يسمح فيها حتى للتطور الاجتماعى الذى شهدته البلاد الأخرى، أن يأخذ فرصته، وفى ظل قمع سياسى، خففت ـ إلى حد ما ـ من آثاره الثورة النفطية، والتى سمحت لهذه البلاد أن تتبنى سياسات في التوزيع كانت كفيلة باحتواء السخط الشعبى، ورفعت مستوى المواطنين المادى، بحكم ضخامة الثروات التى انهالت عليها، من بيع النفط في الأسواق العالمية.
خلاصة هذا كله أن المشكلة الحقيقية التى تواجه الديمقراطية العربية في الوقت الراهن، هى سيادة وترسخ السلطوية العربية، والتى تأخذ شكل نظم ملكية أو جمهورية أو مشيخية قبلية.
الديمقراطية العربية في
مواجهة صراع المشاريع السياسية
ويمكن القول أن المناخ السياسى العربى اليوم، الذى تسوده السلطوية السياسية بكل صورها وأشكالها، يمور اليوم بمحاولات تهدف لتحدى هيمنتها الكاملة على مجمل حركة المجتمع، في ظل مشاريع سياسية متعددة ومتصارعة يمر كل منها بأزمة حادة نتيجة ظروف داخلية وخارجية متعددة.
فى الساحة الآن المشروع السلطوى الذى تآكلت شرعيته، وهو في حاجة إلى تجديد كامل لاتجاهاته، وهى عملية قد لا يستطيعها، بحكم غلبة جماعات المصالح وجماعات الضغط عليه. وهو لذلك في موقف الدفاع والتراجع، ويضطر من حين لآخر إلى تقديم تنازلات في مجال الحريات العامة ومجال التعددية السياسية وحقوق الإنسان.
وفى مواجهته يقف المشروع الإسلامى الذى استطاع أن يجذب إليه جماهير متعددة، اندفعت إليه نتيجة خيبة أملها في المشروع السلطوى الذى فشل في إشباع حاجاتها الأساسية المادية والروحية، غير أن أزمته تتمثل في عمومية شعاراته، وعجزه عن بلورة برنامج متكامل متميز عن برنامج المشروع السلطوى، بالإضافة إلى انزلاقه إلى هاوية التطرف والعنف والإرهاب، مما جعل قهر الدولة السلطوية له يبدو كما لو كان أمراً مشروعا، بالرغم من تجاوزاتها في مجال حقوق الإنسان. ثم هناك المشروع الليبرالى الذى يطرح نفسه بديلا عن المشروع السلطوى، والذى لم يستطع حتى الآن ولأسباب شتى أن يجذب إليه عددا كافيا من الأنصار.
ولدينا المشروع الماركسى، الذى زاد من أزمته الأصلية والتى تتمثل في أنه كان دائما مشروعا منعزلا عن الجماهير، سقوط الأنظمة الشمولية الماركسية، وتحولها إلى الرأسمالية بخطوات متعثرة ومضطربة.
وأخيرا هناك المشروع القومى الذى تتمثل أزمته في صعود المشروع الإسلامى على حسابه، وفى تعثر العمل العربى المشترك، وفى جموده وعجزه عن تجديد فكره، وربما في تجاهله القديم لحيوية موضوع الديمقراطية، بحكم تركيزه الشديد على الوحدة، وبغير أن يحدد المضمون السياسى لدولة الوحدة.
أي ديمقراطية عربية نريد؟
ولابد من الاعتراف انه ليس هناك اتفاق واضح بين المثقفين العرب حول شكل ومضمون الديمقراطية العربية التى نريدها. وإذا كانت مسألة الاتفاق في مجال الفكر السياسى والممارسة ليست واردة، وذلك إذا كانت التعددية ـ بحسب التعريف ـ تقوم على تعدد الرؤى والمواقف للحياة السياسية، إلا أن ما قصدنا إليه هو التردد الواضح ـ حتى بالنسبة لكل مشروع سياسى على حدة ـ في الصياغة النهائية لطروحاته، والتى تجعله بديلا صالحا للسلطوية السياسية السائدة. ولعل السبب الحقيقى في ذلك، أن الفكر السياسى العربى يمر في المرحلة الراهنة بعملية مراجعة ونقد ذاتى، في الوقت نفسه الذى يجابه ـ في الممارسة ـ الدولة السلطوية بكل ثقلها. ولو نظرنا إلى المشاريع السياسية المتصارعة الآن على الساحة العربية لوجدنا أن هذه الملاحظة تصدق عليها بلا استثناء.
ولعل أبلغ دليل على ما نقول مراجعة أعمال الندوة الرائدة التى عقدها مركز دراسات الوحدة العربية بعنوان «أزمة الديمقراطية في الوطن العربى» والتى انعقدت في قبرص في الفترة من 26 ـ 30 نوفمبر 1983، والتى جمعت أبرز المثقفين العرب من كافة الاتجاهات. وهذه الندوة بأبحاثها ومناقشاتها تعد علامة بارزة في الفكر السياسى المعاصر.
وإذا حللنا بعمق أبحاثها ومناقشاتها لوجدناها تسجل حالة البلبلة الفكرية السائدة، المنبعثة من عملية المراجعة والنقد الذاتى، والحيرة الشديدة في البحث عن طريق جديد، يشق اتجاهه من خلال اختراق غابة السلطوية الكثيفة. ولكن وفقا لأي منطلقات وعلى أي أسس؟ هذا هو السؤال المحوري الذى تعددت الإجابات عليه، وإن كانت ـ في الحقيقة ـ مازالت إجابات قلقة، غير محددة. ونستطيع أن نأخذ مثالا بارزا لهذه الحالة الفكرية، لو حللنا الدراسة التى قدمها المفكر العربى الماركسى المعروف سمير أمين في الندوة بعنوان «ملاحظات حول منهج تحليل أزمة الديمقراطية في الوطن العربى» ويقترح برنامجا للتطوير الديمقراطي. يتكون البرنامج من سبعة بنود كما يلى، نقدمها بشكل موجز:
أ ـ ضرورة احترام المصالح الاجتماعية المختلفة لمجموع الفئات المشتركة في البنيان الاجتماعى الوطنى. ب ـ ضرورة ربط مشكلة الديمقراطية بالمشكلة القومية.
فالشعب العربى لا يعانى من الاستقلال الاقتصادى الداخلى والخارجى فقط، بل يعانى من الاضطهاد كشعب محروم من حقوقه القومية الكاملة بسبب سيطرة الاستعمار على النظام الرأسمالى العالمى.
ج ـ ضرورة ربط الديمقراطية السياسية بالديمقراطية الاجتماعية، أى ضرورة تكملة الإصلاحات الأساسية لضمان قدر من المساواة والتضامن الاجتماعى مع مراعاة احتياجات الفاعلية في آليات الاقتصاد في المرحلة الراهنة. د ـ ضرورة الأخذ بمبادئ الديمقراطية السياسية الكاملة أى الاعتراف دون تحفظ بحقوق حرية التنظيم السياسى والتنظيم الاجتماعى (نقابات .. إلخ) وحرية الصحافة والنشر .. إلخ.
هـ ـ الاقتناع بأن السلطة السياسية ينبغى أن تكون ناتج اختيار حر للجماهير من خلال ممارسات سياسية وصحيحة. ولا شك أن احترام هذا المبدأ الأساسى يتنافى مع التمسك بالحزب الواحد وأشباهه من الحزب «المهيمن» فالحكم السياسى الديمقراطى هو حكم غير أبدى ينتقل من مجموعة إلى أخرى ومن حزب أو تحالف أحزاب إلى حزب أو تحالف آخر. ومن فترة إلى فترة أخرى بحسب رغبات الشعب كما يظهر من ناتج ممارساته السياسية.
و ـ إعادة النظر في نظم الحياة الاجتماعية وخاصة نظام العائلة والعلاقات بين الجنسين وإعادة النظر في مضمون التعليم والثقافة والإعلام بما يقتضيه تطوير المجتمع وازدهار روح المبادرة على جميع المستويات.
هذه هى البنود الرئيسية لبرنامج الإصلاح الديمقراطى الذى اقترحه سمير أمين. فماذا كانت التعليقات النقدية عليه؟ أولا انتقده ـ وهذا متوقع ـ أنصار المشروع الإسلامى وخصوصا في تركيزه على ضرورة تطبيق العلمانية. وهكذا بدأ اليمين بالهجوم على مشروع الإصلاح الديمقراطى الذى اقترحه سمير أمين، غير أن اليسار ما لبث أن وجه إليه سهام النقد أيضاً. فقد اعتبر بعض ممثليه برنامجه المقترح غير مرتبط بمشروع مجتمعى واضح. بالإضافة إلى أنه يمثل مزيجا من الديمقراطية البرجوازية والديمقراطية الشعبية الذى يفترض أن يكون تجاوز التناقض بينهما ممكنا وسهلا.
وقد أثرت بالنسبة لبرنامج سمير أمين وكنت مشاركا في الندوة ـ مجموعة من القضايا الأساسية التى لم تنل حقها من البحث والدراسة وأهمها: المضمون الطبقى للديمقراطية التى ندعو إليها، تحديد الطبقة الاجتماعية أو الطبقات التى ستقود عملية التغيير في المجتمع، مسألة البديل الإسلامى قبولا أو رفضا.
وقد خلصت من واقع تأمل الأبحاث والمناقشات إلى أنه يبدو أننا «نحلم بنموذج ديمقراطى شامل» يتكون من عناصر أساسية هى: ـ تحقيق الحريات الأساسية للإنسان (مستقاة من النموذج الليبرالى) ـ تحقيق العدالة الاجتماعية (مستقاة من النموذج الاشتراكى) ـ تحقيق الأصالة الحضارية (مستقاة من النموذج الإسلامى)
تحديات التطوير الديمقراطى
وإذا كان غموض صورة الديمقراطية التى تريد الأنظمة السياسية العربية أن تدفع التطور في اتجاهها بدرجة صغيرة أو كبيرة تمثل التحدى الأول لإشكاليات الديمقراطية في الوطن العربى، فلاشك أن شرعية النظم السياسية العربية والتى تنحصر وفقا لنظرية ماكس فيبر عالم الاجتماع الألمانى بين شرعية التقاليد وشرعية الزعامة الملهمة وشرعية العقلانية القانونية تمثل عقبة رئيسية، فلا شك أن شرعية التقاليد التى تتمثل في الأسر المالكة العربية هى وشرعية الزعامة الملهمة يمثلان أكبر عقبة في سبيل التطوير الديمقراطى.
أما النموذج الديمقراطى الذى ينبغى تطبيقه وهل هو النظرية الديمقراطية الغربية أو الشورى الإسلامية فهى تمثل التحدى الثانى للتطوير الديمقراطى. وإذا نظرنا إلى بنية بعض المجتمعات العربية كالمجتمع السعودى على سبيل المثال لوجدنا أنها بنية مغلقة بالمعنى السياسى والاجتماعى للكلمة. والسؤال هل يمكن فتح هذه البنية لرياح التجديد السياسى والانفتاح الاجتماعى؟ ومن ناحية أخرى هل يمكن للمجتمع الليبى الذى يحكمه في الواقع نظام شمولى لا يسمح بأى تعددية أن يفتح أبوابه لرياح الديمقراطية؟
ويبقى أخيرا التحدى الأكبر وهو هل تقبل النظم السياسية العربية بالصيغة الأمريكية بفرض الديمقراطية فرضا على العالم العربى من خلال تقنين وإباحة التعددية السياسية والحزبية، وفرض سيادة القانون، والاعتراف بحقوق الأقليات، واحترام حقوق الإنسان، وإجراء انتخابات دورية نزيهة، وتداول السلطة، وحرية التفكير وحرية التعبير، أم ستقاومها على أساس أنها محاولات استعمارية لمحو الخصوصية الثقافية وكأن هذه الخصوصية تتمثل أساسا في الاستبداد السياسى؟ أسئلة لابد أن يجيب عليها المستقبل القريب، لإن إيقاع الزمن الغربى لا يمكن له أن يتسامح مع الإيقاع البطئ للزمن العربى.