|
لماذا لم يعاقب الشعب الأسباني زعيمه علي
موقفه من غزو العراق ؟!
نوال السباعي
كاتبة سورية مقيمة في مدريد
علي العكس مما ورد في بعض قنواتنا من إعلان هزيمة حزب الشعب الحاكم في أسبانيا،
في الانتخابات المحلية التي شهدتها البلاد يوم الأحد الماضي، مبررة ذلك بأن هذه
الهزيمة المزعومة إنما تعود إلي موقف أثنار رئيس الحكومة المؤيد دون قيد أو شرط
لغزو العراق، علي العكس من ذلك تماماً فإن حزب الشعب الحاكم بأغلبية عظمي في
أسبانيا، حقق نتائج جيدة جداً تتمثل في احتفاظه بمعظم مقاعده في الحكومات
المحلية التي تدير شؤون معظم المقاطعات الأسبانية التسع عشرة، بما فيها السبتة
ومليللة الخاضعتان للحكم الأسباني.
وجه العجب من هذه النتائج يتركز في تصادمها مع نسبة الـ91% من الأسبان الذين
كانوا يقفون ضد سياسات أثنار أثناء الأزمة التي سبقت ثم رافقت غزو العراق.
ولقد كان الجميع علي شبه يقين من أن الشعب الأسباني سيقوم بمعاقبة زعيمه في
صناديق الاقتراع علي استبداده برأيه، ودعم الولايات المتحدة وتحديه لإرادة
غالبية الشعب.
إلا أن هذا اليقين وذلك العجب تبددا فور الإعلان عن نتائج هذه الانتخابات التي
عززت مكانة أثنار كزعيم سياسي يلتف حوله حزبه وقواعده الشعبية ويدعمونه في كل
مواقفه، ذلك أن أجهزة الإعلام التي تكفلت بعيد غزو العراق والقضاء علي حكومته،
بالكشف عن الفظائع الإنسانية التي كان قد ارتكبها النظام العراقي بحق شعبه،
وفتحت أمام العالم بطن الأرض العراقية الحبلي بالدم والجثث والظلم، وكشفت الوجه
القبيح لنظام عربي مستبد يتردد كثيرون قبل التجرؤ علي القول بأنه لا يختلف عن
معظم الأنظمة الحاكمة في مقاطعات الأمة العربية اليوم.
هذه الحقائق المفزعة، إلي جانب الصمت العربي الرسمي المخجل، والاستكانة والعجز
الشعبيين العربيين المذهلين، وإظهار الولايات المتحدة نفسها كقوة عظمي تعترف
بأنها تلعب دور المحتل علي الأرض العراقية، وتبدو وكأنها قد أحكمت الإمساك
بخيوط اللعبة كلها مقدمة للعالم لوحة زاهية الألوان عن عراق سوف يكون مثلاً
يحتذي في العالم الإسلامي!، إضافة إلي السيطرة الإعلامية شبه الكاملة علي جميع
وكالات الأنباء في العالم والتي انصاعت لإخفاء معالم فظائع الحرب وأهوالها
وجرائمها.
كل هذه الأسباب مجتمعة جعلت الشعب الأسباني يقع فريسة سهلة في الفخ الأميركي،
كما وقعت كل شعوب العالم فيه، وكان بروز الجزرة الأميركية المسماة خارطة الطريق
كحل سحري للقضية الفلسطينية، سبباً في صرف الوجوه عن العصا الرهيبة النازلة علي
رؤوس العرب، والمتمثلة في هذه القوات العسكرية التي رسخت الوجود الأميركي في
المنطقة، والذي لم يخرج عن كونه استعماراً جديداً لها، باعتراف رسمي من قبل كل
من الولايات المتحدة وأمها بريطانيا العجوز.
ولعله لا يوجد إنسان واحد مثقف يظن أو يصدق بأن قوي الاستعمار يمكن أن تقوم قط
بإعمار بلد قد استعمرته، وفي سجلات الاستعمار السوداء في طول العالم وعرضه ما
يكفي للتحقق من ذلك، اللهم إلا إذا كانت أميركا تريد أن تلعب دور طارق بن زياد،
و موسي بن نصير رحمهما الله!!
لقد صدق الشعب الأسباني كل هذا التهريج الإعلامي، وهو يعلم يقيناً أن الولايات
المتحدة لم تدخل العراق مخلصة ولا محررة، وإنما للاستيلاء علي نفطه، كما علي
غاز ونفط جيرانه، كما للقضاء علي هذه الانتفاضة الفلسطينية بجهاز التحكم عن بعد،
بالضغط علي أزرارها فيه، وهم حكومات دول الطوق الضاغط علي رقاب الشعوب العربية
التي قامت من هجعتها للتو، ودخلت مرحلة صحوة مخيفة، لأنه لا قيادة لها ولا ضبط..
والتي بدأت تري أنه لم يعد بالإمكان السكوت علي ما تفعله ربيبة الغرب إسرائيل
بالشعب الفلسطيني ومقدسات الأمة.
الشعب الأسباني يعلم هذا يقيناً، وكبار صناع الرأي في جميع أجهزة إعلامه
المقروءة والمسموعة والمرئية، يناقشون ذلك بكرة وعشياً ولكن ومن غير المنطقي أن
يكون الأسبان عرباً أكثر من العرب، وأن يتنكروا لحضارتهم في سبيل فضح المخططات
الأميركية لدك معاقل حضارة العرب، وأن يعاقبوا رئيس حكومتهم علي أن خالف
إرادتهم وركب الموجة الأميركية في هذا الزمن الأميركي الذي يتهافت فيه العرب
علي إرضاء أميركا دون تقية ولا مواربة.
فضلا؟ً عن الهبات الأميركية السخية التي تقاطرت علي أثنار ودولته، بدءاً
بالسماح للشركات الأسبانية بالمساهمة بصورة غير مباشرة- عن طريق الشركات
الأميركية- في صفقة إعادة إعمار كل ما دمرته الآلة العسكرية الأميركية، مروراً
بالدعم النفسي والإعلامي لأسبانيا في مواجهة إرهاب منظمة إيتا الانفصالية
الباسكية، وانتهاءً بمنح أثنار ميدالية الكونغرس الأميركي، جائزة علي مواقفه من
دعم الغزو، فكيف يمكن لقواعد حزب الشعب في أسبانيا أن تعاقب زعيمها والحال هذه،
وأقول قواعد حزب الشعب، لأن النصف الثاني من الشعب الأسباني أصر علي مواقفه من
مناهضة استبداد أثنار برأيه، ومحاربة ديكتاتورية الأغلبيات الساحقة في
البرلمانات الأوروبية، والوقوف في وجه سياسة القاذورات الإعلامية التي تهدف إلي
تربية شعوب منصرفة عما يحاك في هذا العالم.
لقد قدمت نتائج الانتخابات الأسبانية المحلية في أسبانيا صورة شعاعية دقيقة عن
الصراع القائم اليوم في أوروبا بين توجهات الحكومات نحو الدوران في الفلك
الأميركي، وإرادة الشعوب في استقلالية القرار الأوروبي، وبين شهوة السيطرة علي
العالم وسفك الدماء لدي الزعماء، والرغبة الشعبية الملحة في العيش بسلام وأمن.
لقد فضحت نتائج هذه الانتخابات تلك المعركة الدائرة خلف كواليس السياسات
العالمية بين التحالف الصهيوني الماسوني الذي يريد السيطرة علي العالم، والقوي
الشعبية التي تشعر بوخذ الضمير وهي تعرف أن ما آل إليه حال العالم اليوم لم يكن
إلا النتيجة الباهرة لسياسات حكوماتها الاستعمارية خلال القرن العشرين.
نعم.. لم يعاقب الشعب الأسباني زعيمه أثنار، لكنه كان الرابح الحقيقي والرئيسي
في هذه الانتخابات لأنه استطاع من جديد التعبير عن رأيه بعد سنوات طويلة من
الكفاح المرير للحصول علي هذا الحق، الذي تدعي الولايات المتحدة أنها إنما
احتلت العراق لتمنحه إلي الشعب العراقي.. وهو ادعاء يكذبه ما آل إليه حال
العراق منذ بدء الغزو، كما يكذبه التاريخ والمنطق والتجربة الإنسانية، وحال
القوم ولسانهم.. وإن غداً لناظره قريب.
|