|
«ريا وسكينة» قصة هل
تعود ؟
ـ محفوظ عبدالرحمن
عن البيان
المدينة كائن حي. تولد وتتطور وربما تموت بالضبط مثل الإنسان.. ولقد أتاحت لي
الظروف أن أدرك نهايات عصر خاص لمدينة الإسكندرية. كانت المدينة قد بنيت في
القرن الرابع قبل الميلاد بأمر مباشر من الاسكندر الأكبر. وصارت عاصمة مصر
لقرون طويلة. ومنذ مولدها بدأت فيها حركة ثقافية كبيرة حتى أنها كانت في بعض
السنين تفوق العالم كله. ومكتبتها كانت تعتبر قمة الإنجازات الثقافية.
ليست هذه هي الإسكندرية التي رأيتها بالطبع، وإن كانت تحتفظ منها بلمسة واضحة..
كان الرومان يقولون عن الاسكندرية القديمة تمييزا لها عن عشرات المدن التي
أسميت بهذا الاسم والاسكندرية عند مصر.. لم يقولوا في مصر، وهذا يدل على أنها
كانت كيانا فريدا، أو ربما لأنهم لم يكونوا يروا سواها، فما كان بعد الشاطئ لا
يعنيهم.
المدينة التي رأيتها في الصبا المبكر كانت ذات لمسة أوروبية تمثلت في مبانيها
التي تذكرك بموانئ البحر المتوسط. وفيما بعد كنت أنسى نفسي وأنا في أحد الموانئ
اليونانية أو القبرصية أو الإيطالية وأظن أنني في الاسكندرية القديمة.
وكانت ـ ومازالت ـ الأحياء والميادين والشوارع تحمل أسماء أوروبية: بولكلي،
جليم، زيزينيا، الأزاريطة وقد ميزت الاسم الأخير على أحد شوارع روما. وكان
الأجانب يمثلون نسبة كبيرة ومهمة، حتى أن لورنس داريل عندما كتب روايته الشهيرة
«رباعية الاسكندرية» تكلم عن تجمع أجنبي لا يظهر فيه مصري إلا نادرا، وعندما
يظهر فهو في الغالب أمير من أصل تركي ويتحدث الفرنسية. وأذكر أنني في الستينيات
كنت أقدم الأفلام في نادي سينما الاسكندرية. وذات مرة كنت أقدم فيلما فرنسيا،
واكتشفت أنه ليس عليه ترجمة، فطلبت أن يتقدم أحد الحاضرين ليقوم بترجمة فورية،
وفوجئت بأن نصف الجالسين وقفوا ليلبوا النداء.
وكان داريل يعمل في الاسكندرية أحيانا مدرسا وأحيانا موظفا في القنصلية
البريطانية وغالبا عميلا في المخابرات البريطانية. ولكن كان كافاني ولد في
الاسكندرية 1863 لأب يوناني كان يعمل قبل نزوحه الى الاسكندرية في الأستانة.
وعمل قسطنطين كافاني في وقت مبكر لوفاة والده الثري بعد أن خسر تجارته. ولقد
لقي شهرة عالمية لكنه لم يترك الاسكندرية وظل فيها موضع تقدير الجهات الأدبية
العالمية حتى توفي عام 1944.
وكان التحول الرئيسي في المدينة عندما خرج عدد كبير من الأجانب في 1956 مع
العدوان الثلاثي.. أبعدت الجهات الأمنية معظمهم حتى لا يتحولوا الى طابور خامس.
وكان في هذا بعض الحكمة، لكنه كان يتناقض مع الحقيقة بالنسبة للكثيرين من الذين
كانوا ينتمون الى موطنهم، وليس لديهم استعداد لتغيير هذا الانتماء.
والبعض من هؤلاء الأجانب رأوا أن الظروف تتغير حولهم وأن أولادهم يفضلون السفر
الى أوروبا والحياة هناك، فانسحبوا في هدوء أحيانا وبإحساس هائل بالمرارة
أحيانا أخرى.
وكان الأجانب في الاسكندرية يملكون جل الثروات. ولما كان نقلها مستحيلا فلقد
ورث البعض هذه الثروات، وللأسف لم يكن معظم هؤلاء يسلكون الأسلوب الشريف.
لا أدري هل تذكرون فيلما لنجيب الريحاني يتحدث عن شيء كهذا حدث مع الحرب
العالمية الثانية (1939 ـ 1945) وربما كان هذا الفيلم هو (لعبة الست) وفيه أن
ثريا من أصل أجنبي اضطر للهرب من البلاد بعد تقدم روميل من العلمين فلم يجد
أكثر إخلاصا وأمانة من الشخصية التي مثلها الريحاني ليبيع له محلاته الكبرى
بيعا وهميا. وبالطبع تحول الريحاني الى ثري كبير.
وتكررت هذه القصة مع أحداث العدوان الثلاثي لكن دخل فيها أيضا من تعاملوا مع
هذا الوضع بانتهازية شديدة.
وأذكر أن صحفيا كان أغلب نشاطه في الاعلانات كان في مديرية الأمن أثناء العدوان
الثلاثي ورأى ألبير مزراحي وهو صحفي يهودي أجنبي الأصل. وناداه ألبير، وقد رأى
أنه أصلح من يتنازل له عن ثروته وبينها جريدة ومجلة. ولكن صاحبنا مندوب
الاعلانات ظن أنه سيطلب منه التوسط له أو أية خدمة أخرى، فوعده بالعودة له فورا،
لكنه هرب من المكان. وفيما بعد عرف صاحبنا حقيقة الموقف، وأصابته كآبة شديدة
فالثروة هبطت عليه فعلا لكنه فر منها. وتدهورت صحته بعد ذلك ومات شابا. وفسر
الجميع موته المبكر بحظه النكد. ولا أدري مدى صحة هذا.
بعد العدوان دخلت الى طبقة الأثرياء في الاسكندرية فئة جديدة من الانتهازيين
الذين استفادوا من خروج الأجانب. ولهذا ولأسباب كثيرة بدأت المدينة تفقد بهاءها،
ثم منذ سنوات قليلة أخذت تستعيد هذا البهاء لعدة أسباب من بينها وجود محافظ
قادر على تنمية المدينة، وعودة مكتبة الاسكندرية واصرار السكندريين على استعادة
مدينتهم.
وفي بدايات القرن العشرين عاشت أختان فقيرتان لم يفكر أحد أنهما ستحظيان بشهرة
لا نظير لها هما ريا وسكينة.. عانت المرأتان قسوة الفقر فبدأتا باستدراج النساء
من السوق وسلبهن أموالهن وقتلهن. وساعد على تعدد الحالات ذكاء ريا وسكينة
الفطري، فالاختيار كان يتم على نساء وحيدات يتباهين بما يضعن من ذهب.. وتوسعت
المرأتان بعمل عصابة صغيرة. ومن الطريف ـ إذا كان الأمر فيه طرافة ـ أن سكنهما
الذي كانت تتم فيه العمليات، كان بجوار قسم الشرطة.
وعندما تم القبض على ريا وسكينة دوى الخبر وشغلت به الصحف طويلا، واستاء بعض
الكتاب من هذا وقال أحدهم: ماذا يقول عنا العالم الخارجي ولدينا مثل هذا الحادث؟!
ترى ماذا يقول لو أنه كان موجودا الآن.
وفي عام 1953 قدم صلاح أبوسيف فيلمه الشهير «ريا وسكينة» والقصة لنجيب محفوظ
أخذا من الأحداث الحقيقية بالطبع. والسيناريو له مع صلاح أبوسيف.. وقد مثل دور
الأختين نجمة ابراهيم وزوزو حمدي الحكيم.
ولقد عرض الفيلم في «كان» وشاهده الكاتب العالمي ألبير كامي فكتب مسرحيته «سوء
تفاهم» وحول ريا وسكينة الى أم وابنة يقتلان الابن الغائب للأم دون أن يعرفا
علاقته بهما.
واقترب من هذا بهجت قمر عندما كتب مسرحية «ريا وسكينة» التي مثلتها شادية وسهير
البابلي..
وخرجت أعمال كثيرة عن قصة ريا وسكينة.
والآن لدينا الف قصة مثل ريا وسكينة فماذا سيحدث هل ستكون لدينا آلاف الأعمال
الدرامية والأدبية عن المجازر البشرية الحالية؟. أو ربما صمت الأدباء فالعنف
يقصف الأقلام؟
.
|