|
وراء الكلام
أحمد دحبور
عن الحياة الجديدة
منذ ان تفتحت عيناني على الدنيا، والارقام لا تسلس قيادها لي. لا اقصد جدول
الضرب او التقسيم. بل ما قبل ذلك بكثير. فأنا ما زلت في حيرة بشأن واحد زائد
واحد يساوي كم. اذكر انه كان عمري سبعة عشر عاما في سورية حين قامت ثورة آذار
1963 وقاد حزب البعث سياسة البلد، وسرعان ما دخنا بين القيادتين القومية
والقطرية. وكبرت قليلا، وبرزت المقاومة الفلسطينية، فقلت لنفسي: يا ولد، أهلك
ولا تهلك.. ودخلت هذه التجربة، لأرى - بعد ايلول - ازدواجية قيادة بين اللجنة
المركزية لحركة المقاومة، واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وبعد
ان حسم الأمر للتنفيذية واصبحت المركزية مجلسا مركزيا، وقع الانشقاق وتكرس
اصطفاف الشرعية الى جانب حركة فتح، فعدنا الى ازدواجية القيادة بين اللجنة
المركزية لفتح واللجنة التنفيذية للمنظمة. ودخلنا الى الجزء المتاح لنا من
الوطن، ونجحت السلطة في اجراء انتخابات حرة نزيهة تشريعية ورئاسية. لتسفر هذه
الانتخابات، فيما بعد، عن ازدواجية بين المجلسين الوطني والتشريعي، والقيادتين:
السلطة والمنظمة، مع استمرار اللجنتين المركزية والتنفيذية.. لا اله الا الله،
وامتدت الازدواجية لتطول المنظمات الشعبية فاكتفي بالاشارة الى ما اعرف:
الامانة العامة للاتحاد العام للكتاب والصحفيين والهيئة الادارية لاتحاد الكتاب
الفلسطينيين. اما الصراع - او الخلاف، او سوء التفاهم - بين قيادات اتحاد
العمال فقد تحولت الى فضيحة بجلاجل. ولكل فريق وثائقه ومستنداته وشرعيته وشهوده
وانصاره. فما العمل؟
واصبح لدينا رئاسة وزراء، فقلنا: جاءنا السعد.. وقد جاء السعد مبدئيا للموظفين
المساكين الذين كان يقلقهم تأخر وصول المرتبات فوصلت المرتبات مع حبة مسك
محرزة: استرداد الاستقطاعات التي كانت تنهك الدخل الشهري. لكن كما قال برتولد
برخت: أيها النورانيون، هناك شيء في عالمكم خطأ. فقد بدأت الغمغمة تتحول الى
شائعة والشائعة الى توتر والتوتر الى مسكوت عنه يعرفه الجميع ولا يعرفه أحد.
فهناك خلاف، من نوع ما، بحجم ما، لأمر ما، بين المؤسستين: الرئاسة ورئاسة
الوزراء. واذا كنت من الذين يراهنون على رقابهم بأن الخلاف لا يمكن ان يمس جوهر
الموقف الوطني - فلا ابو عمار ولا ابو مازن ممن يفرطون بالكلمة الأخيرة - فان
علينا الاعتراف بحقيقة وجود هذا الخلاف. انه اشبه بألم الاسنان الذي وصفه
ديستويفسكي في كتابه الرائع «داخل سردابي» قائلا: «ليس لك في هذا الألم عدو،
ولكن الألم مع ذلك موجود». واضيف الى حالتنا: ان لنا في هذا الألم عدوا.. وعدوا
خطيرا شريرا كبيرا، انه الاحتلال. لكن جل ما نخشاه ان يزجنا هذا الألم في دائرة
داخلية مقفلة، بينما العدو يسرح ويمرح ويبرطع ويقتل على هواه، ونحن يقتلنا ألم
اسناننا الذي لا عدو لنا فيه الا ما نفعله بأنفسنا في انفسنا..
والآن، وامام مسلسل هذه الازدواجيات التي يزيلها وصف دقيق للمهام، وتوزيع واضح
للمواقع، وتقاسم توحيدي للمسؤوليات. فاننا يمكن ان نعمل على تفكيك متوالية
التناقضات واحدة بعد واحدة. فلا بد اولا من عودة الوئام الى حركة فتح. ويشمل
هذا الوئام حل مشكلة الخارجية. فأبو اللطف يمثل التنفيذية التي تمثلنا في الوطن
والشتات. والسلطة الوطنية منتخبة شرعيا في الجزء المتاح لنا من الوطن. ولا بد
لنا، ثانيا، من شفافية خلاقة نعرف من خلالها اخبارنا ومصائرنا عبر المصادر
الشرعية لا من خلال الشبابيك والهواتف والشائعات. وهذا يقتضي وضع الاوراق على
طاولة واحدة: ابو عمار رئيسنا الشرعي بالمعنيين القانوني والتاريخي. وابو مازن
رئيس وزرائنا المؤسس في فتح، وأمين سر اللجنة التنفيذية، والمعين من الرئيس أبي
عمار، والحائز على الثقة من التشريعي. ولا بد لنا، ثالثا، من الحزم امام الضاغط
الامريكي الصهيوني بشأن بيتنا الداخلي. فلا اقتتال ولا امتثال لهذه الضغوط.
وليس معنى هذا أن ننام على حرير مصالحة وهمية بل لا بد من حديث مصارحة وطنية،
لا تترك نقطة واحدة بعيدة عن الحرف اللازم والمحتاج لها، ولا شيء خارج الحوار
والتفاهم..
هكذا تتفكك الازدواجية اللعينة، او نكون في طريقنا الى تفكيكها فلا يسخر منا
الاولاد والحفدة اذا حاولنا ان نثبت لهم بحسبة بسيطة ان واحدا وواحدا يساويان
واحدا فقط لا غير.. او هذا ما يجب ان يكون، والا فهل هما وطنان ام فلسطين
واحدة؟ |