|
أزمة فكر قومي أم أزمة ضمير شخصي؟!..
د محمد عباس
www.mohamadabbas.net
mohamadab@hotmail.com
جريدة الشعب
فاتحة:
نعم يا قراء.. أسألكم قراءة الفاتحة.. والمناسبة هي ذكرى حزينة ذابحة يتآمر
الكل على تجاهلها..
المناسبة هي الذكري الثامنة والثلاثون للشهيد الفقيه العلامة الأديب المفكر
مفسر القرآن.. صاحب الظلال والمعالم.. سيد قطب..
الفاتحة..
***
أين كنت يا محمد حسنين هيكل ليلة التاسع والعشرين من شهر أغسطس عام خمسة وستين
وتسعمائة و ألف..
أين كنت والجلادون يصطحبون الشهيد لشنقه..
الشهيد الذي يكاد يجمع العلماء عليه..
يقول الشيخ علي الطنطاوي أن الله قد ادخر لسيد قطب تفسيره للقرآن في الظلال فلم
يسبقه إلى هذا التفسير منذ أنزل القرآن أحد..
ولا يقتصر الأمر على علماء الدين، فهاهو ذا الكاتب البحريني محمد جابر الأنصاري
في كتابه " مساءلة الهزيمة " يري أن الصعود اليساري في الخمسينيات والستينيات –
والذي لم يكن يتم إلا بالدعم الناصري وبدعمك يا محمد حسنين هيكل – كان صعودا
مؤقتا سرعان ما توارى أمام صعود إسلامي كاسح شكل إرهاصاته الأولي كتاب سيد قطب
"معالم على الطريق" الذي صدر عام 1965 أو "المنفستو" الأول للحركة الإسلامية
الراهنة على امتداد الأفق الإسلامي من مصر إلى الجزائر إلى أفغانستان، وربما
كان سابقا لأوانه مقارنته بالمنفستو الشيوعي.
***
إنني أرجو القارئ أن يقف عند الفقرة السابقة، ورغم أن المقارنة من وجهة نظرنا
مضحكة، فقد سقط المانفستو الشيوعي بالنسبة للعالم منذ أعوام طويلة، وبالنسبة
لنا فقد كان ساقطا على الدوام، لكنني أنبه أنه عندما يقوم علماني بتشبيه كتاب
بالمانيفستو الشيوعي فالأمر يساوي أن يقوم مسلم بتشبيه كتاب بالقرآن – أستغفر
الله العظيم-.
لقد ركزت على هذا المعنى لأننا سنعود إليه فيما بعد، ولأن البعض وعلى رأسهم
الأستاذ محمد قطب يرون أن قرار إعدام سيد قطب قد صدر بعد إدراك الشيوعيون
والمباحث والنظام خطورة هذا الكتاب.
لا يقتصر الأمر على ذلك ، فإن غازي القصيبي الكاتب والشاعر والسياسي السعودي
الشهير قد وصف الكتاب في روايته "العصفورية" معبرا عن تفاعلات المرحلة على لسان
أحد شخوص الرواية إنه أعظم كتاب صدر خلال نصف القرن الأخير فيرد عليه محدثه
مصححا: بل هو أعظم كتاب في خلال القرون الخمسة الأخيرة.
***
أعظم كتاب في خلال القرون الخمسة الأخيرة.
فأين كنت يا محمد حسنين هيكل ليلة شنق كاتبه..
وهل لذلك علاقة بإصرارك على التوقف عن الكتابة وعزمك على الانسحاب من التاريخ..
هل الأزمة أزمة يأس أم أزمة ضمير..
ماذا أخفيت عنا يا محمد حسنين هيكل..
***
من أجل ذلك كله لم أتعاطف مع الرسالة الفاجعة من الصحافي الأشهر محمد حسنين
هيكل إلى الصحافي مصطفى بكري ، و فيها يعتذر بسبب رفضه الاحتفال بعيد ميلاده،
وفي الرسالة كتب يقول:
..".. لكن ما يلح عليٌ بشدة وأنا أتابع ما تنشرون هو ظني بأنه لا يصح لأحد في
مثل هذه الظروف أن يحتفل بيوم دخل فيه إلي خضم الحياة رجل في نفس اللحظة التي
تخرج فيه من مجري التاريخ أمة..."..
ويواصل هيكل قائلا:
..".. دعني أسألك بأمانة: هل تتصور أن رجلا عاصر وعايش أحلام الأمة علي امتداد
ستة عقود يليق به أو يقبل منه أن يحضر احتفالات وسهرات تمتد إلي مطلع الفجر ثم
يظل في سلام مع نفسه، راضيا مستريح الضمير، غير معذب بضرورة أن يعتذر لأفكاره
وولاءاته، والوطن والتاريخ جميعا؟!.."..
***
ذوّبني الألم و أنا أستعيد عنوان كتاب هام للكاتبة الألمانية زيجفريد هونيكة..
وعنوان الكتاب هو : " الله .. ليس كذلك" .. وثمة خطأ لغوي ولكن الكاتبة تقصد أن
الله الذي يعبده المسلمون ليس ذلك النموذج المشوه الذي ادعاه الغرب علينا في
جهده المحموم لتشويهنا..
صرخت:
" الثورة .. ليست كذلك"..
"و هيكل.. ليس كذلك"..
وتلك الصورة المثالية الحالمة ليست كذلك..
والبطولة والإبهار والمجد والزعامة و الإلهام والفكر والحكمة والقداسة والعصمة
والصواب المطلق ونفي الآخر وادعاء أن الآخر كان شيطانا رجيما ... كل ذلك لم يكن
كذلك..
نعم.. برنامج صناعة النجم غير الحقيقة وألبس الحق ثوب الباطل والباطل ثوب
الحق..
كل ذلك.. لم يكن كذلك ..
لذلك فإن هذا الألم الفاجع الذي فاض من محمد حسنين هيكل على قرائه هو أكبر من
أن يكون ألم فقد. إنه ألم آخر. ألم ضمير طالما برر الوسيلة بالغاية فلما ضاعت
الغاية تبدت بشاعة الوسائل.
ولنقارن بين الوضعين – مستعيدين وصف هيكل لأحدهم عندما قارن بين ناصر والسادات
فقال : (إن مجرد عقد المقارنة إهانة).. أقول فلنقارن بين الوضعين، وضع هيكل،
مرفوعا على أعناق أحبائه ومريديه، محاطا بهالات تمجيدهم، وفي حياة رغدة حباه
الله بها، لكنه بين ذلك كله، يغرق في ظلمات اليأس المطبق، واثقا من أن أمته
تخرج من التاريخ، أما الوضع الآخر فهو وضع سيد قطب، معلقا في المشنقة، بعد عذاب
لا يوصف، واثقا طول الوقت، من أننا، لن نبقي في التاريخ فقط، بل سنتصدر
لقيادته.
***
ذوّبني الألم و أنا أتساءل عما سربه هيكل إلينا من حقائق وعما أخفاه..
ذوّبني الألم و أنا أتساءل عن دور محمد حسنين هيكل في كتابة القصة و إخراجها
والسيناريو والحوار وتوزيع الأضواء وفرض مناطق الظلام..
ذوّبني الألم و أنا أتساءل عن دور هيكل في كل هذا..
ذوّبني الألم و أنا أتساءل عن علاقة كل هذا باليأس المطبق الأسود الذي يحيط به
الآن ويكاد يبتلعه فيعلن عزمه على الانسحاب والتوقف عن الكتابة..
ذوّبني الألم و أنا أنظر مستفزا ومذهولا إلى الدراويش والمريدين الذين يحتفلون
بهيكل احتفال المؤمنين بنبي..
ذوّبني الألم و أنا أتساءل إذا كانوا يفعلون ذلك وهيكل مثلنا بل و أكثر منا
غارق في الألم عاجز عن استشراف سبيل للخلاص أو طريق للنجاة.. ثم أتساءل ماذا
كان يمكن أن يفعلوه لو أن هيكل قد قدم طريقا للنجاة وسبيلا للخلاص.. أكانوا
يعبدونه من دون الله؟!..
ذوّبني الألم و أنا أريد أن أصرخ فيهم: هيكل ليس مانديلا، لم يقض عمره في السجن
كي ننتظر على يديه الخلاص بعد الإفراج.. هيكل كان حاكما أكثر من نصف الوقت..
ذوّبني الألم و أنا أتساءل متي بدأ الخطأ و أين وكيف ولماذا .. ولماذا كان
الانهيار بهذه البشاعة والحدة والشمول والاكتمال.. ولماذا خدعتنا عناصر
الصورة.. أيها كان يمثل الحقيقة اللابسة ثوب الباطل و أيها كان يمثل الباطل
يلبس ثوب الحق.. أيها كان الحلم و أيها كان الكابوس و أيها كان الواقع.. هل
التبست الخيانة بالبطولة والطهر بالعهر والإيمان بالكفر ؟.. أم أن التلاعب
بأجهزة الإعلام وتكنولوجيا صناعة النجوم وتزوير التاريخ هي التي دلست علينا
الأمر كله..
***
يجب أن نفتش في ماضينا حقبة حقبة .. بل يوما يوما..
و أن نبحث في رجالنا رجلا رجلا لنسأل من كان الصادق ومن كان الكذاب.. ومن كان
الخائن ومن كان البطل..
يجب أن نفعل ذلك مهما كان الأمر أليما ومخالفا لهوانا..
نعم .. يجب أن نسأل .. و أن نسأل هيكل بالذات:
هل كانوا ملائكة؟ أم شياطين؟.. أم بشرا خطائين؟..
نعم.. الأسئلة التي أسألها الآن عن التاريخ ومنه ثورة 23 يوليو ليست تحويما في
فراغ ولا تحليقا في فضاء ولا هي ترف ولا هي تسلية ولا هي خمر أشربه و أسقيكموه
كي أثمل و أغرقكم في الغيبوبة حتى نهرب سويا من الألم الساحق المهين الذي
نعيشه..
ليست ترفا.. ولشد ما أشفق عليكم يا قراء من المواجهة.. ووالله الذي لا إله إلا
هو.. لقد كنت أمرض كلما واجهت هذه الأسئلة ، وفي مواجهتي الأخيرة بالذات امتد
المرض.. ليس أياما بل أسابيع وشهورا.. أقول مواجهتي الأخيرة.. لأنني ظللت
أعواما تلو أعوام – حتى منتصف الثمانينيات- .. أقاوم كل شواهد المنطق.. كالزوج
المخدوع..
***
الأسئلة التي أطرحها اليوم ليست ترفا.. إلا إذا اعتبرنا دراسة الطب للوباء أو
للسم الناقع تزيدا لا ضرورة له ولا طائل خلفه.
ليست ترفا ولا هي شأن يهم المصريين فقط.. لأن ما حدث في مصر خفية منذ خمسين
عاما هو بذاته ما يحدث اليوم على قارعة الطريق..
وما حدث في مصر منذ خمسين عاما هو بذاته ما كان يحدث فيها منذ مائة عام ومنذ
مائتي عام.. وهو بعينه ما حدث في شتي أرجاء عالمنا الإسلامي.. و أعيذ فطنة
القراء التي كواها الألم وحرَقتها النار .. أن يخدعها اختلاف المظهر عن وحدة
الجوهر.. و أن اللص المجرم الخطير قد يتخفى في ثياب عالم دين كبير.. كما أن
المجاهد.. مرفوعا .. على أجهزة التعذيب .. ممزق الجلد والأعضاء داميا سوف يشبه
بالتأكيد المفسدين في الأرض إذ يُقتص منهم ويقام الحد عليهم.
***
السؤال أعيده:
هل كانت صورة ثورة 23 يوليو تلك الصورة المثالية الحالمة التي جهد إعلام الثورة
وأصدقائها – وعلى رأسهم هيكل – على تقديمها للناس .. صورة العملقة والزهو
والثأر والبطولة والإبهار والمجد والزعامة و الإلهام والفكر والحكمة والقداسة
والعصمة والصواب المطلق ونفي الآخر وأحلام اليقظة وادعاء أن الآخر كان شيطانا
رجيما ..
السؤال أعيده ..
السؤال أسأله عن برنامج صناعة النجم..
برنامج صناعة النجم على غير الحقيقة وإلباس الحق ثوب الباطل والباطل ثوب الحق..
***
السؤال أعيده..
و إذ أعيده أطرح بعده وقبله تساؤلا غريبا..
لماذا و أين تختفي وثائق ثورة يوليو إلى الآن؟.. وكيف اتفقت مصلحة العهود
الثلاثة على إخفائها..
نعم أطرح قبل سؤالي الأول سؤالا آخر.. لأن هذا السؤال الآخر قد يغنينا عن
الإجابتين.. إجابته.. و إجابة السؤال الأول..
***
يتساءل الكاتب عادل حمودة – وهو بالمناسبة كاتب قومي لا أحبه- عن وثائق ثورة
يوليو وهل هي موجودة ..و.. أين ؟.. وهل صحيح أن محمد حسنين هيكل قد حصل عليها
ونقلها إلى بيته؟ وما الذي حصل عليه اشرف مروان منها.. وهل صحيح انه وضعها في
مكان ما في لندن؟ ..
ويواصل حمودة تساؤلاته:
هل صحيح أن الرئيس السادات وجد أن ما ستتوصل إليه اللجنة يخالف روايته لتاريخ
الثورة.. وانه سيقلل من دوره فيها.. (...) لقد بدأ تربص السادات بأوراق هيكل
واضحا في وقت مبكر بعد خروجه من (الأهرام) .. في عام ..1975في تلك السنة حصل
هيكل - في أثناء رحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية- على مجموعة وثائق شديدة
الحساسية هي مجموعة تقارير وبرقيات ومراسلات بين السادات وكيسنجر تدور عن حرب
أكتوبر 1973 وما جرى بعدها.. وكانت هذه الوثائق غائبة عن هيكل رغم قربه الشديد
من عملية الإعداد للحرب.. وعرف السادات بما حصل عليه هيكل.. والغالب أن هذا
ضايقه.. فكان أن شنّ عليه حملة عنيفة تحاول أن تنفي عن كتاباته المصداقية..
***
تساؤلات عادل حمودة يطرحها العديدون منهم د. يونان لبيب رزق و د. رؤوف عباس,
وهما مؤرخان مشهوران لتاريخ مصر الحديث، كما طرح ذات التساؤل الشاعر فاروق
جويدة.
وقد تعجب د. رؤوف عباس من وجود وثائق أسرة محمد علي في دار المحفوظات القومية
رغم مرور ما يزيد عن 200 سنة.. وفي الوقت نفسه لا يوجد أثر لوثائق ثورة يوليو..
***
التساؤل الذي نطرحه إذن:
ما هو المشترك بين عبد الناصر والسادات ومبارك.. هذا المشترك الذي يحرص الجميع
على إخفائه .. وبنفس الدرجة..
لو أن هذه الوثائق في صف عبد الناصر لنشرها هيكل، ولو كانت في صف السادات
لنشرها السادات، ولو أنها كانت تدين عبد الناصر والسادات لنشرها مبارك، على
الأقل لتقليل أوزار عهده، ولو بالقياس، لكن الأمر أصعب من هذا كله و أخطر منه.
الأمر – لا ريب – يتعلق باتفاق جوهري سري مرتبط بالاستمرار في الحكم..
اتفاق سري.. يهم الثلاثة ألا يذاع ويفتضح.
اتفاق سري .. لا يقتصر على مصر ولا حتى على العرب بل يشمل الدول الإسلامية
جميعا.. نفس الاتفاق الذي أبرم مع أتاتورك: الإسلام الحقيقي ممنوع.. والوحدة
الحقيقية ممنوعة.. القوة العسكرية ورباط الخيل خط أحمر – وذلك منذ محمد علي-
وبعد ذلك افعلوا ما شئتم..
وهذا الاتفاق السري المفروض على الحكام فرضه الحكام على أجهزة أمنهم وبلاطهم
وشرطتهم وجيوشهم: الإسلام الحقيقي ممنوع.. والوحدة الحقيقية ممنوعة.. وبعد ذلك
افعلوا ما شئتم..
***
اتفاق سري قبله البعض رغما عنه، وقبله البعض الآخر لأنه على هواه، وقبله آخرون
على أمل المناورة..
نعم .. قبله البعض وهو يتصور العلاقة علاقة بين أنداد.. وهؤلاء كان يقودهم جنون
العظمة..
وقبله البعض بشرط أن يكون العميل الأول .. وهؤلاء نسوا درس السياسة الأول: لا
علاقات دائمة..
وقبله البعض الثالث على أن يكون عبدا خصيا خادما خنوعا ذليلا.. وحتى هذا لم
يسلم.. فقد احتاجوا لأعضائه ولدمه في عمليات كعمليات زرع الأعضاء..
اختلفت البدايات واتفقت النهايات وتساوي الجميع في الإثم، إثم ارتكاب فاحشة
الفواحش، وكان السر مشينا للجميع فلا أحد مستعد للاعتراف به أبدا..
***
إنني أدرك يا قراء كمّ المهانة التي يمكن أن يحس بها أي واحد منكم حين يكتشف
أنه قد خدع.. وأن الخديعة قد اخترقته إلى نخاعه.. وأدرك أن الأمة منذ تركت
مرجعيتها المطلقة ممثلة في الدين – والدين عند الله الإسلام - لتحوم في الفضاء
والفراغ والضياع والخراب حول قيم نسبية.. منذ ذلك فإن الشرط الوحيد الذي يحميها
من السقوط من حالق هو ثبات النسبي ( وهي قضية خاسرة بلا شك فالنسبي لا يمكن
أبدا أن يكون ثابتا.. بل هو عكس الثبات) .. ودعوني أضرب لكم مثلا بفتاة هجرت
مطلق الدين إلى نسبية الحب والعشق .. أحبت.. ومنحت نفسها لمن تحب.. وسمت ما
تفعله ممارسة حب.. بالنسبة لها – لها وليس للآخرين – يظل الأمر كذلك حتى يهجرها
معشوقها أو يخون.. فتتحول ممارسة الحب – بأثر رجعي- إلى زنا.. وتتحول العاشقة
المعشوقة إلى مومس وبغي.. وتتحول المتحررة الحرة إلى جارية وعبدة.
نعم .. هل ترتعشون يا قراء وهل ترتعد مفاصلكم.. فلأتقدم بالرغم من ذلك خطوة
أخرى.. لأقول لكم أن هناك من هن أكثر عارا من تلك الخاطئة التي ذكرناها على
الفور.. ألا وهي تلك الداعرة التي بدأت وهي تعرف أنها داعرة لكنها لبست رداء
النسبية كي تقوم بدور مرسوم تحصل به على الثمن.
لا أتحدث عن قضايا آداب بل أضرب المثل بها على قضايا سياستنا وموقف ساستنا..
***
أدرك يا قراء حجم الخديعة.. و أدرك حجم الألم .. فنحن جميعا قد تعودنا أن نقرأ
و أن نبحث : ليس عما يقرّبنا من الحقيقة.. بل عما يرسخ اقتناعنا بما نحن
مقتنعون به أصلا.. مهما كان بطلانه..
أدرك حجم الخديعة.. وأدرك أن القارئ سيقاوم تمزيق ستائر الباطل والكذب فكأنما
هي الشيء الوحيد الذي يخفي عورته..
كل سؤال تمزيق.. وكل تمزيق كشف للمزيد من العورة..
نعود إلى السؤال:
هل كان كل المنطق وكل العقل وكل الوفاء وكل الضمير وكل الأخلاق بل وكل الإيمان
مع ثورة 23 يوليو وجمال عبد الناصر ومحمد حسنين هيكل وكان أعداؤهم بالتالي على
النقيض.. كانوا الخوارج الذين لا منطق معهم ولا عقل لهم ولا ضمير ولا أخلاق بل
ولا إيمان أيضا..
القضية ليست قضية مصر بل قضية كل الدول الإسلامية..
كما أنه ليست قضية حكومة ومعارضة بل قضية استسلام أو مقاومة.. بيع للوطن أو
دفاع عنه.. قابلية للاحتلال أم رفض لها.. إيمان بالطاغوت أم إيمان بالله.
***
قبل أن نجيب علينا أن نستعرض وقائع ثلاث. الواقعة الأولي عما سمي عام 54 بقضية
الأسلحة. والواقعة الثانية تتعلق بالشهيد محمد الصوابي، أما الواقعة الثالثة
فتتعلق بعلاقة ثورة 23 يوليو بالشهيد سيد قطب.
***
لكننا قبل أن ندلف إلى هذه الوقائع الثلاث، نثبت هنا ما أثبته الشيخ سيد سابق (
العالم الجليل مؤلف فقه السنة) حول علاقة الثورة بالإخوان المسلمين:
" جمال عبد الناصر كان من الإخوان المسلمين يقيناً، وقد بايع مع كمال الدين
حسين في ليلة واحدة على المصحف والمسدس، وكان جمال تابعاً للخلايا السرية، وبقي
كذلك حتى قامت الثورة، وكانت فكرة الخلايا السرية أساسا محاربة الإنجليز، فإذا
استطاع الإنجليز القضاء على الهيكل الظاهري، فيكون وجود الخلايا السرية باقيا
كقوة" .
***
قد يحيك في نفس القارئ شئ من أننا استشهدنا بعدو ثورة 23 يوليو، لكن ما كتبه
الضباط الأحرار بعد ذلك يحفل بهذه الحقيقة، و أولهم كمال الدين حسين، الذي ذكر
أنه لم يكن هناك هدف للضباط الأحرار إلا تطبيق الإسلام، وحتى الدارسون
المسيحيون يقولون ذلك أو ما يؤدي إليه، فهاهو سليم نجيب يذكر أن جمال عبد
الناصر كان يقوم بتدريب التنظيم السري العسكري للإخوان المسلمين وإمداده
بالسلاح مع أنور السادات .
سوف نقول أيضا أن عشرات الصور الفوتوغرافية عن تلك المرحة بين زعماء الإخوان
وقادة الثورة ، هذه الصور موحية تماما، لكن لمن يراها، ونقول أكثر أن العلاقة
بين المرشد العام للإخوان وبين جمال عبد الناصر كانت تسمح للأول أن يدعو – أو
في الحقيقة يستدعي – الثاني إلى منزله عندما تكون للاجتماع ضرورة.
***
هل هذا السر الذي لا يستطيع حتى هيكل – بل وربما بالذات هيكل- البوح به؟ وهل
هذا السر هو الذي يقبع خلف ما تصوره: خروج العرب من التاريخ، وما يوشك هو بنفسه
أن يفعله عامدا متعمدا بالتوقف عن الكتابة كما أعلن.. أي الانسحاب من
التاريخ؟!.. أقول بالذات هيكل .. والتخصيص هنا ليس لأنه أسوأهم.. على العكس..
لأنه أفضلهم.. وما لم يعد يُخجل الآخرين البوح به يذبحه هو أن يبوح به أو أن
يعترف.. و أنا واحد من الناس ما زلت بحسن الظن أظن أن هيكل لم يسع إلى الباطل
بل وقع فيه، و أنه عندما وقع في الغواية فقد وقع استدراجا وتعرض لخيانة مركبة
معقدة .. لم تقتصر على الأجنبي .. والآخر.. بل اشترك فيها بعض نفسه ضد بعضها
الآخر حين تخلى عن المرجعية الإسلامية ففقد درعه الواقي وترياقه الذي كان يمكن
أن يحميه من سموم الخيانة..
كان هيكل أفضلهم.. ولذلك لم يستطع الاستمرار..تماما كما لا يستطيعه الآن..
الآخرون استطاعوا أما هو فلم يستطع..
و أنا أدرك أزمة هيكل.. فلا هو يستطيع الرجوع إلى وراء ولا التقدم إلى الأمام
ولو لخطوة واحدة..
إنه لا يستطيع – بعد كل ما جرى – أن يزعم أنه كان على صواب.. كما أنه لا يملك
أن يتقدم إلى فكر عاداه طول عمره.
أزمة هيكل أنه كاتب حقيقي وصحافي حقيقي ومثقف حقيقي..
و أزمته الأكبر ربما كان القرآن الكريم سببها.. فلقد حفظه عن ظهر قلب في صباه..
والآن هو لا يستطيع العودة إلى ظلاله التي تفيأها ذات يوم.. في الوقت الذي لا
يوجد فيه أي ظل آخر..
***
والآن لندلف إلى الواقعة الأولى من الوقائع الثلاث:
قضية الأسلحة:
بطل هذه الواقعة هو المجاهد حسن عشماوي، من مواليد عام 1921م وأتمّ دراسته
القانونية بكلية الحقوق سنة 1942م. مارَس أعمال النيابة العامة والقضاء ثم تفرغ
للمحاماة، وللعمل في جماعة الإخوان المسلمين.
***
كان اللقاء الأول بين "حسن عشماوي" و"جمال عبد الناصر" سنة (1371هـ-1951م) ،
بعد إلغاء معاهدة سنة 1936م ، وكان الإخوان يشاركون في معارك قناة السويس دون
إعلان، وكان الضباط الأحرار يتعاونون مع الإخوان في المعركة، واختير "حسن
عشماوي" ليكون همزة الوصل بين الجماعة وتنظيم الضباط الأحرار في أمور معارك
قناة السويس، وفي غيرها من الأمور. وكانت علاقة الإخوان بعبد الناصر قبلها عن
طريق الضابط محمود لبيب.
كانت كفاءة "حسن عشماوي" محل تقدير على الرغم من صغر سنّه، الأمر الذي جعله
أهلا لأن يكون عضوًا في لجنة وضع الدستور المصري سنة (1953)، وأن يرشَّح
للوزارة. وقد أوفده عبد الناصر في مهمة رسمية إلى الكويت عام 53.
***
والآن لنتناول قضية الأسلحة.. والتي كانت بداياتها الأولى في منتصف الأربعينيات
حين كان جمال عبد الناصر وبعض الضباط الأحرار يشتركون في تدريب الإخوان على
استعمال الأسلحة في النظام السري من عام 45 ـ 1947 بقصد إجادة استخدام هذه
الأسلحة لمحاربة اليهود والإنجليز ، كان عبد الناصر أيضا أحد مصادر شراء السلاح
للإخوان. كان هناك أسلحة مخبأة عند عبد الناصر وعند مجدي حسنين – من الضباط
الأحرار- بكان وفي يوم 26 يناير 1952 – يوم حريق القاهرة - اتصل عبد الناصر
بحسن عشماوي واستنجد به لنقل الأسلحة - وكانت معدة لنقلها إلى منطقة قناة
السويس- لخوفه من تفتيش المكان بمناسبة الحريق وذهب عدد من الإخوان ( منير دله
وعبد القادر حلمي وحسن عشماوي) بسياراتهم ونقلوها برمتها إلي عزبة حسن العشماوي
ثم إلي قصر والده المرحوم محمد العشماوي بالشرقية. وكان الوحيدون الذين يعرفون
مكان هذا المخبأ هم أفراد هذه المجموعة من الإخوان بالإضافة إلى عبد الناصر
نفسه. وتم بناء هذا المخزن بواسطة الإخوان في مدى ثلاث ليال في سرية كاملة علي
حسب التصميم الذي وضعه جمال عبد الناصر. ونقلت الأسلحة والمواد المتفجرة إذ هذا
المخزن في سرية تامة كذلك . وظلت حتى نجاح الحركة، وكان حسن عشماوي قلقا من سوء
التخزين لأن المخزن بنى في سرعة علي عمق ثلاثة أمتار من سطح الأرض الأمر الذي
كان يخشى بسببه من تسرب المياه إلي أرضية المخزن وتلف الأسلحة ، ولذلك كان
يستعجل صديقه جمال عبد الناصر في نقل محتويات المخزن لكن جمال عبد الناصر كان
يطلب التريث لعله يحتاج إليها يوما ما. وكان حسن عشماوي يتصور أنه ربما كان في
عزمه مواصلة الكفاح في قناة السويس . وثبت بعد ذلك أنه لم يكن يريد استعمالها
في قناة السويس بل في ميدان آخر، ففي يناير سنه 1954 تحققت حاجة عبد الناصر إلي
هذه الأسلحة فعلا حين ألقي القبض على حسن عشماوي مع بقية الإخوان – ومنهم
المرشد العام حسن الهضيبي وسيد قطب- واتهمهم بتخزين أسلحة ومفرقعات تفكي لنسف
القاهرة ! ! وأطلق ألسنة الصحافة بالكلام عن مخازن الأسلحة هذه التي كانت معدة
لمحاربة الثورة . . . لا لإنقاذ الثوار من براثن الشرطة يوم حريق القاهرة ! !
دخل المرحوم حسن العشماوي السجن في يناير سنه 1954 متهما بإحراز أسلحة عبد
الناصر ، وكانت مانشيتات الصحف الصادرة في يوم (18 من يناير 1954م) على صدر
صفحتها الأولى عن عثور قوات الأمن على مستودع كبير مليء بالأسلحة والمواد
الناسفة بعزبة تمتلكها أسرة "حسن عشماوي".
في التحقيق، وجه حسن عشماوي كلامه لوكيل النيابة بأنه ممتنع عن الإدلاء بأية
أقوال، وعن الإجابة على أي سؤال حتى يحضر "جمال عبد الناصر" الذي يعرف كل شيء
عن هذه الأسلحة، ويعلم قصتها.
***
يا قراء.. فلنحاذر من أن نموت في البحر غرقا أو أن نتوه في الصحراء.. ولنتجنب
رصد فترة تعمد الكل ألا ترصد، وتعمد الكل تجاهل ما رصد منها، من فترة أصبحت
متاهة وأرض تيه، فلنحذر إذن، نحن لا نقدم موجزا للتاريخ، لكننا فقط نلتقط
علامات موحية من هنا وهناك..
في يناير 1954 ومع أزمة نجيب الأولي كان القبض على الإخوان المسلمين الذي
ذكرناه على الفور، وتغيرت الظروف بشدة داخل الجيش وفي الشارع، فاضطر عبد الناصر
إلى التراجع الكامل، و في25 مارس سنة 1954أعلن عبد الناصر إلغاء قراراته
السابقة و الإفراج عن الإخوان، وفي حركة استرضاء يسبق المرشد العام إلى بيته كي
يكون في انتظاره هناك عند وصوله بعد الإفراج عنه ، وهناك يلاحظ غياب حسن
العشماوي ويسال عنه فيقال له هو " غاضب من سلوكك معه ومع الإخوان "، فيضحك عبد
الناصر ملء شدقيه ويعقب: " أنا شهرته في الجرائد بما يساوى عشرة آلاف جنيه ! !
"
***
أما عن الموقف القانوني فقد حُفظ التحقيق في قضية الأسلحة التي كانت تكفي لنسف
القاهرة عشر مرات، وكان هذا يعني أن الاتهام باطل، وأن هذه الأسلحة إنما هي ملك
"جمال عبد الناصر" وهو الذي أخفاها عند "حسن عشماوي".
***
يا الله |