الغامق من سبتمبر
علي الرز
الاثنين 01 سبتمبر 2003
الرأي العام الكويتية


لا يفهم الليبيون المساقون قسراً إلى الاحتفال بذكرى انقلاب سبتمبر سببا حقيقيا للفرح، بعدما أصبح كل ما يمت بصلة إلى الفاتح >غامقا< في ألوانه ونتائجه.
الانقلاب نفسه لم يكن طبيعيا، و>المساعدات< التي قدمتها الولايات المتحدة لإحباط أول انقلاب على الانقلاب لم تكن طبيعية... لتتوالى المشاهد القاتمة شيئا فشيئا وصولا إلى الوضع الحالي، حيث الوطن مخطوف والليبيون رهائن والدولة تعيش بلا دستور منذ نحو 53 عاما.
جمع النظام الليبي خلاصة قهر غالبية الديكتاتوريات في العالم، فلم يضيّع وقته في الاستنباط والابتكار. من >ليلة السكاكين الطويلة< الهتلرية التي أودت بحياة قياديين في مجلس قيادة الثورة الليبي ، إلى ثورة ماو الثقافية التي استعرضت عمليات الاعدام في الملاعب لكل >من تحزب وخان<، إلى الاضطهاد الستاليني بمعاقبة جماعية لأفراد ومناطق، إلى تلزيم >فرق الموت< في نماذج غواتيمالا والسلفادور وكولومبيا، قرارات الحل والربط عبر ما عرف بـ >اللجان الثورية<، إلى تحويل ليبيا ورقة في ملف أجهزة الأمن المتماهية مع >ستازي< في ألمانيا الشرقية سابقا، وهي الأجهزة التي خطفت وأفقرت إحدى أغنى وأكبر الدول العربية بممارساتها >النضالية< ضد الأبرياء والمدنيين في الخارج والداخل... وصولا إلى تجربة صدام حسين واختزال العراق بشخصه وقيادته وقسوته في قتل المعارضين وسجله المفتوح على مقابر جماعية.
ما نام الليبيون على >واجب قومي< بدعم حركات دولية إلا وصحوا على >واجب< آخر، وما فقدوا يوما شخصية سياسية أو فكرية إلا واستفسروا عن غيرها بعد فترة، وما خرجوا من مواجهة مع >الاستكبار< ورفعوا شعار قائدهم الشهير >طز فأمريكا< إلا ودخلوا مواجهة أخرى مع >استكبار< آخر... وصولا إلى الاعتراف لاميركا وغيرها بمسؤولية الإرهاب الدولي، وتجرّع كأس العقوبات والمحاسبة، فيما الناس ضحايا بطريقة أو بأخرى لتفجير الطائرات والملاهي.
وأصعب ما في القضية الليبية، تداخل المبادئ والقيم بالمصالح والثروات والموقع، إذ أصبحت ليبيا رمزا حقيقيا لانفصام شخصية العالم الحر الذي ينادي بتطبيق كل ما يخالف سلوك النظام الليبي، ثم يهادنه رغم الإدانة الواضحة لهذا السلوك والاعتراف الرسمي الليبي بالخروج على الشرعية الدولية... ففي باطن ليبيا نفط وفي سمائها مشاريع وفي خزائنها مليارات تكفي لدمج التعويض الاخلاقي بالتعويض المالي، ومع كل هذا وذاك، في ليبيا الآن خطاب سياسي منسجم تماما مع ما تريده دوائر بعينها داخل الادارة الأميركية سواء لجهة حل النزاع العربي - الإسرائيلي، أو لجهة الطريقة التي تصاغ بها مفردات مواجهة الإرهاب الدولي والاتهامات التي تساق الى هذه الدولة العربية أو تلك.
النظام الليبي برّر سلوكه بانه >اشترى الشر الدولي<، والليبيون يرون انه سيبيع الشر الذي اشتراه في السوق الداخلي، مادام أَمِن الآخرين، ويتوجسون من مزيد من القهر والقمع وخنق الحريات كون الضمير العالمي لا تهزه إلا مآسي الغربيين.
alirooz@hotmail.com