هوامش المسألة العراقية:

                                                الأزمة المستحكمة للمؤسسة العسكرية العربية
د. بشير موسي نافع

عن القدس


أسس الجيش العراقي علي مجموعة من الضباط العراقيين الذين تلقوا تدريبهم وبنوا تاريخهم العسكري المهني في الجيش العثماني الحديث، جيش ما بعد الانكشارية. كان بعضهم قد ترك الجيش العثماني وانضم لقوات الثورة العربية بدافع قومي، كنوري السعيد والبعض، كجعفر العسكري، لم يدر ظهره لولائه العثماني حتي وقع في الاسر البريطاني، اما البعض الاخر، كياسين الهاشمي فقد قاتل دفاعا عن الدولة العثمانية حتي لحظة انهيارها. ويعتبر الجيش العراقي ثاني اقدم جيش عربي بعد الجيش المصري الذي تعود جذوره الي 1820 عندما بدأ والي مصر الشهير في بناء جيش حديث، وكما الجيش المصري فقد حافـظ الجيش العراقي علي تاريخ وتقاليد متصلة منذ تأسيسه مباشرة بعد ولادة الدولة العراقية في اعقاب هزيمة الدولة العثمانية وتقسيم ولاياتها العربية بين الاستعمارين البريطاني والفرنسي. هذا التاريخ وهذه التقاليد وصلت الي نهايتها بهزيمة الجيش العراقي الساحقة في حرب الثلاثة اسابيع الانكلو ـ امريكية علي العراق، ثم اعلنت هذه النهاية رسميا في قررا بول بريمر، المندوب السامي الامريكي في بغداد يوم 23 نيسان (ابريل) الذي تضمن حل الجيش العراقي نهائيا وحل كل القوي العسكرية وشبه العسكرية المرتبطة به.
انهار الجيش العراقي كمؤسسة عسكرية، انهار كوحدات وافراد، وانهار كأحد اهم ادوات الدولة في العراق الحديث. وقد تلت الانهيار عملية تدمير منظمة وشاملة لمعسكراته ومراكز تدريبه ومقاره الادارية ومراكز تحكمه، بما في ذلك بنايات وزارة الدفاع في العاصمة بغداد. خلال الشهرين الماضيين تراوحت تفسيرات هذا الانهيار بين الجد والهزل. استعاد بعض المعلقين العرب مقولة ماكو اوامر الشهيرة التي عبرت منذ عقود عن التباس القرار السياسي العربي في حالة الحرب، او عن عجز الجيوش عن الحفاظ علي خطوط اتصالاتها، او عن غيبة القيادة الفعالة في لحظات الحرب الحرجة. واشار اخرون الي الاستراتيجية الرديئة التي اتبعتها القيادة العراقية، والي التكتيكات الاكثر رداءة التي خاضت بها الحرب. احد اهم التفسيرات هي تلك التي تشير الي الانفصال الفادح بين القيادة العراقية وشعبها، الانفصال الذي وضع الشعب العراقي بأكمله خارج المعركة وجعل من خطة المشاغلة وحرب العصابات التي اتبعها النظام مجرد حلم قصير، فالحالات المحدودة من المقاومة كانت حالات فردية لوحدات صغيرة وضباط وجنود شجعان ووطنيين ومتطوعين بواسل. كل هذا بالطبع صحيح، ولكنه بالتأكيد غير كاف لايضاح جوهر ازمة المؤسسة العسكرية العربية المستمرة منذ عقود والتي عبرت عن نفسها مؤخرا بانهيار واحد من اكثر الجيوش العربية عراقة وتجربة واعمقها جذورا.
ولد الجيش العراقي وهو يحمل في داخله عدة توجهات في آن واحد. كان هناك اولا الميراث العثماني العسكري للتعامل مع الجغرافيا البشرية للعراق، الميراث الذي حمله القادة المؤسسون للجيش من الضباط العراقيين العثمانيين. وكانت هناك الرغبة البريطانية في ان يساهم الجيش الجديد في تحمل قسط كبير في حماية المصالح البريطانية داخل العراق وفي محيطه الاقليمي. وكانت هناك بالتأكيد الحاجة الوطنية العراقية لقيام جيش وطني يحافظ علي كيان الدولة الجديدة ويكون اداتها في الان نفسه، جيش يعزز من تماسك الدولة ويعبر عن الطموحات الكبري التي حملها رجالات العراق الجديد في تحويل بلدهم الي مركز لوحدة عربية وقائد لهذه الوحدة. خلال العقود القليلة التالية علي ولادة العراق الحديث، قام الجيش العراقي وتعهد هذه المهام معا. قاتل الجيش العراقي الاكراد، قاتل العشائر المتمردة علي السلطة المركزية، قاتل الاشوريين، تصدي للتهديد الذي تجلي في الصراع الهاشمي ـ السعودي، قدم عونا خفيا وعلنيا للثورة الفلسطينية في 1936 ـ 1939 انقلب علي الاحتلال البريطاني في 1941 ودعم حكومة رشيد عالي الكيلاني المناهضة للسيطرة البريطانية، ابلي بلاء حسنا في الحرب العربية ـ الاسرائيلية الاولي في 1948، كان احد اركان حلف بغداد في الخمسينات، الي ان انقلب علي النظام الملكي وامسك بمقاليد الحكم في 1958. خلال العهد الجمهوري، وبالرغم من تحول الضباط الي رؤساء للجمهورية ووزراء وحكام، فان الجيش العراقي لم يتوقف عن الانخراط في المعارك، سواء في حروب قمع حركات التمرد الكردية المضنية، في حربي 1967 و1973 العربية ـ الاسرائيلية، في الحرب الدموية الطويلة التي شنها العراق علي ايران، في حرب الكويت، وصولا الي معركة التصدي للغزو الانكلو ـ امريكي الاخير.
هذا جيش يختزن تجربة عسكرية طويلة، ولا يكاد يوجد جيش عربي اخر، بل ولا جيش في اي من دول العالم الثالث، خاض هذه السلسلة من الحروب والمعارك خلال ثمانين عاما من تاريخه. وهذا جيش حديث، بمعني انه اتبع دائما وسائل وانماطا عسكرية حديثة، واستهلك دائما نسبا عالية من ميزانيات الدولة العراقية من اجل تجهيزه بما هو متاح سياسيا من عتاد عسكري حديث، كما ضمت صفوفه طبقة من الضباط الذين تلقوا مستويات تعليم رفيعة ومتميزة، علي الأقل خلال السنوات الثلاثين الاخيرة.
يضاف الي هذا كله اتصال موروثه المؤسساتي بلا انقطاع يذكر. ولكن ثمة مشتركا اعظم يوحد سجل الجيش العراقي بسجل الجيوش العربية الرئيسية جميعا، بل وبأغلب جيوش دول الثقل في العالم الثالث.
ويمكن تلخيص هذا المشترك في القاعدة التالية: ان الجيش العراقي قد انجز مهماته العسكرية بدرجات نجاح ملحوظة نسبيا في اغلب الحملات التي شنها ضد قوي داخلية او اقليمية، وانه فشل فشلا ذريعا في كل حرب خاضها ضد الجيوش الغربية الحديثة.
هزم الجيش العراقي هزيمة فادحة امام الحملة البريطانية في 1941 وعجز عن حماية الحكومة الوطنية، شارك الجيش العراقي وتحمل مسؤولية جزئية علي الاقل عن الهزيمتين العربيتين في 1967 و1973، هزم امام قوي التحالف الذي قادته الولايات المتحدة في 1991، ثم تلقي هزيمته الاخيرة والقاضية في مواجهة الحملة الانكلو ـ امريكية قبل شهرين. هذا السجل من الفشل امام الجيوش الغربية يكاد يكون السمة السائدة لكل المواجهات العسكرية التي شهدتها المنطقة منذ حملة نابليون علي مصر في نهاية القرن الثامن عشر. الجيش المصري، الاكثر عراقة واعمق تاريخا من الجيش العراقي، سيطر علي الجزيرة العربية وبلاد الشام وكاد الوصول الي اسطنبول في ثلاثينات القرن التاسع عشر ولكنه هزم علي يد الاسطول البريطاني في 1840. في عصر الخديوي اسماعيل، وصل الجيش المصري الي منابع النيل وسيطر علي معظم القرن الافريقي، ثم هزم ثانية علي يد البريطانيين في 1882. ومنذ مطلع العهد الجمهوري، تعرض الجيش المصري لعدة هزائم في 1956 امام العدوان الثلاثي، وفي 1967 امام الاسرائيليين، ثم خرج متعادلا مع الاسرائيليين وبصعوبة بالغة في 1973. النتيجة التي يمكن استخلاصها من دروس المئتي عام الاخيرة ان الجيوش العربية، وبغض النظر عن تفاصيل الاستراتيجيا والتكتيك، التسلح والتدريب، طبيعة النظام او علاقته بشعبه، غير قادرة علي احراز النصر، وربما علي الصمود، في مواجهة الجيوش الغربية الحديثة.
لا يعود هذا السجل من الفشل الي عجز خاص في الانسان العربي او الي رداءة بنيوية خاصة في المؤسسة العسكرية العربية. في حالات عدة قاتل العرب ببسالة نادرة، سواء في معارك صغيرة ومحدودة او في حروب شاملة. وقد اوضح تاريخ النضال العربي في فلسطين وجوارها ان لدي المقاتلين العرب تصميما علي القتال وتحمل تكاليفه لم يعرفه العالم من قبل. يقاتل الفلسطينيون عدوا متفوقا منذ قرن من الزمان. وقد قاتل اللبنانيون ذات العدو بكفاءة عالية جاءت في النهاية بنصر قاطع. يحمل تاريخ العرب الحديث، من الجزائر الي عدن، سجلا حافلا للثبات والتضحية ونفس المقاومة الطويل. ولكن هذه كلها ليست حالات لحروب نظامية حديثة، وهذا هو ربما جوهر المسألة. الم يكن مدهشا ان يصمد اقل من مئة من المقاومين الفلسطينيين في مخيم جنين علي مساحة لا تزيد عن كيلومتر مربع واحد لتسعة ايام متواصلة وان لا تصمد مدينة بغداد المحاطة بجحافل الحرس الجمهوري والتي تزيد مساحتها عن مساحة مدينة نيويورك اكثر من ثلاثة ايام؟
عندما يتعلق الامر بالجيش العربي الحديث فان المشكلة ليست في الجيش بل في الحديث . الجيوش العربية التي بنيت علي المثال العسكري الغربي الحديث لا تستطيع الانتصار علي مثالها، سواء كان هذا المثال بريطانيا، فرنسيا، امريكيا او اسرائيليا. منذ الحروب النابليونية، قادت اوروبا ثورة هائلة في بناء الجيوش والآلة العسكرية، نقلت عوامل التفوق العسكري من الشجاعة والمهارة الفردية وحنكة القيادة وايمان الجندي بقضيته والكثرة العددية الي قوة النيران والانضباط والتنظيم المحكم والقدرة علي المناورة والحركة. ساهم في اطلاق هذه الثورة واستمرارها الارتباط الوثيق بين الثورة الصناعية والتقنية والمؤسسة العسكرية الغربية. خلال المئتي عام الاخيرة، وضع العقل الصناعي والتقني الغربي (في بريطانيا وفرنسا والمانيا والولايات المتحدة وروسيا) في خدمة القوة العسكرية وهدف التفوق العسكري، من الاستخدام الواسع النطاق للمدفعية الميدانية في الحروب النابليونية، الي سفينة الدفع الذاتي البخارية، الي البندقية الرشاشة، الي الغواصات، الي سلاح الجو، الي سلسلة التطورات العسكرية التقنية المتلاحقة في القرن العشرين. اضافة الي ذلك، وفي موازاته، لعبت القدرات الاقتصادية للدولة الغربية الحديثة دورا بارزا في دفع الة التطور العسكري والمحافظة علي التفوق. فكلما تعاظم الفائض الذي تستطيع دولة ما تخصيصه للانفاق العسكري كلما تعاظمت قدرة الدولة علي تحقيق هدف التفوق، ومن ثم سيلعب التفوق العسكري من جديد دورا مركزيا في تحقيق الهيمنة الاقتصادية وتأمين دورة الانفاق العسكري والهيمنة. لقد وصل العالم في نهاية القرن العشرين الي ان اصبح الجندي مجرد آلة قتل فائقة التدريب، لا تلعب شجاعته او حنكته او ايمانه بقضية ما اي عامل رئيسي في موقعه او دوره العسكري، يخوض المعارك كجزء من آلة اكبر وأعظم من المعدات وادوات السيطرة وطاقة النيران.
الجيش الحديث هو نتاج غربي اصلا، وكل من يقعون خارج الدائرة الغربية يلهثون علي مسافات متفاوتة من الجيوش الغربية الحديثة. لم يسمح في اي حقبة طوال القرنين الماضيين لأي قوة خارج المنظومة الغربية الصناعية، حتي تلك الصديقة او المتحالفة مع القوي الغربية، ان تصل الي المستوي العسكري او الكفاءة والقدرات العسكرية لقوي المنظومة الغربية الرئيسية. من يقود حركة التحديث المستمرة في العالم يقف في مقدمة القوي العسكرية الحديثة، هذا هو قانون علاقات القوي في العالم. وقد وصل هذا التباين بين القوي ذروته بدخول الولايات المتحدة الي الساحة الدولية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث وظفت القدرات الامريكية الهائلة لنشر قوة عسكرية تتفوق علي كل القوي الاخري مجتمعة، بما في ذلك الشركاء في المنتدي الاطلسي. لم تصنع القدرات الامريكية الهائلة التفوق الامريكي فحسب بل ادت في النهاية الي افلاس الاتحاد السوفييتي وانهياره في لعبة المنافسة والتفوق التي دامت اربعة عقود. اليوم، لا تستطيع القوة العسكرية الامريكية اجتياح دولة كالعراق فقط، بل ربما اجتياح اية دولة اوروبية غربية ارادت.
هذا هو جوهر ازمة المؤسسة العسكرية العربية، وشبيهاتها في العالم الاسلامي والعالم الثالث. بالرغم من نسب الانفاق العسكري المرتفعة في العالم العربي، الانفاق الذي يثقل كاهل الشعوب وطموحات التنمية، فان وظيفة الجيوش العربية محدودة جدا، ولا تتعدي ربما تحقيق اهداف سيطرة الدولة الداخلية. هذه المؤسسة غير قادرة علي الدفاع عن مقدرات وطنها في حال واجهت قوة عسكرية غربية، او حتي قوة اسرائيلية طالما استمرت علاقة التحالف الوثيق بين الدولة العبرية لا يمكن الخروج من هذا المأزق بدون ثورة حقيقية في الفكر العسكري العربي، ثورة تعيد النظر في بنية المؤسسة العسكرية، مجمل وظائفها، عقيدتها وتوجهاتها. لا بد اولا ان تقام الجيوش العسكرية العربية علي اساس حاجات الدفاع لا الغزو، ولا حتي لهدف لعب ادوار وهمية في توازنات القوي الدولية. لم تستطع قوة عربية خلال المئتي عام الماضية ان تتوسع كما توسعت مصر محمد علي في النصف الاول من القرن التاسع عشر. ولكن مصر في النهاية تلقت هزيمة بالغة امام الاسطول البريطاني. ينبغي ايضا ادراك عبثية هذا التكديس المستمر للعتاد العسكري الحديث، وبناء الجيوش علي اساس ارتباطها بالشعوب والجماعات الاهلية وليس بالدولة او قادة الدولة. ينبغي قبل ان يؤخذ في الاعتبار تدريب الجنود علي الطائرات والدبابات الحديثة، ان يؤخذ في الاعتبار معرفة الجنود بالارض التي يدافعون عنها وبالناس الذين يعيشون علي هذه الارض. ينبغي ان تؤسس علاقة طبيعية ودائمة بين الجيوش والشعوب وجماعاتها الاهلية، علاقة تبادلية تجعل من الجيش جيش الشعب. ينبغي ان يعاد الاعتبار لعناصر الايمان والشجاعة للجندي الفرد بحيث يمكن التوصل ولو الي معادلة نسبية لقوة النيران الهائلة التي تمتلكها الجيوش الحديثة. قبل ذلك وبعده، ينبغي الادراك بأن الخلل الفادح في توازن القوي العالمي يعني ان الدفاع عن الوطن والذات يتطلب تضحيات جمة، تضحيات بلا حساب، سواء علي مستوي الامكانات والانسان.