دفاعا عن الوطن “ دفاعا عن حرية الصحافة


بقلم : عزازي علي عزازي

قبيل الفجر بقليل كانت ضاحية 'المعادي'ترتعد فجر الاثنين، وهي تستقبل عربات الأمن المدججة بالعتاد والجنود للقبض علي مصطفي ومحمود بكري، استيقظ الناس عنوة وفزعا، ففركوا أعينهم دهشة في الشرفات ، لكن الزميلين المعروفين بنومهما الثقيل، كانا يغطان في سبات عميق، ومطلق الاحساس بالأمان في الوقت الذي كانت قوات تنفيذ الأحكام قد تسللت سرا دون إخطار القيادات الأمنية بمهمتها الليلية المستعجلة 'هو ما أكده تصريح اللواء حبيب العادلي وزير الداخلية، والذي أحال قيادة قوة التنفيذ للتحقيق، وذلك للتوقيت والطريقة التي جري بها تنفيذ الحكم الصادر بحبس الزميلين مصطفي ومحمود بكري، والذي صدر من محكمة النقض قبل ساعات من تحرك قوات التنفيذ الحريصة علي أداء واجبها الوطني في حراسة الأمن والعدالة وقد انعكس هذا التصريح بالطبع علي المعاملة المتميزة التي يلقاها الزميلان.
اقتحمت قوة تنفيذ الأحكام (8 عربات أمن) العمارة التي يقطن بها الزميل مصطفي بكري وكذلك مسكن الزميل محمود بكري وذلك قبل أن يهربا للخارج، وينطبق عليهما قرار النائب العام بعدم ملاحقة المتهمين بالفساد المالي إذا ردٌوا ما أخذوه من البنوك!!

بواب العمارة الذي شبع ضربا من ضباط التنفيذ لم يدر بخلده حينما سألوه بغلظة وعنف عن مخبأ بكري! أن الأستاذ مصطفي الرجل الصعيدي الشهم صاحب النفوذ والعلاقات والأحاديث التليفزيونية سوف يتحول في ظلمة الليل وهدأة الفجر إلي متهم مطارد، أما الفتي الصغير أحمد مصطفي بكري، والذي أفزعته من نومه الخبطات العنيفة علي باب الشقة، فلم يجد سوي اللوذ بأبيه أثناء مهلة الدقيقتين اللتين منحتا للمتهم الأب ليجهز نفسه للسجن، كانت الحركة سريعة ومباغتة ولا مناص من الاستسلام، البيت محاصر والقلب محاصر بالهم والغم والكرب العظيم.

في الطريق من المعادي إلي قسم حدائق القبة كان الشقيقان يضربان كفا بكف: نïحبس في محبوس؟ نïتهم في فاسد محكوم عليه؟
استدعي مصطفي في ذاكرته منطوق الحكم الذي تلاه المستشار وصفي ناشد رئيس محكمة أمن الدولة العليا، في جلسة الحكم علي الفاسد والغادر الغشاش والمخادع والمدعي والمدلس والمبتز وغائب الضمير 'وكلها أوصاف رئيس المحكمة للمتهم محمد عبد العال المحكوم عليه بعشر سنوات سجنا' يقول منطوق الحكم: 'ومن أسف أن تسلل إلي هذه المهنة الشريفة المقدسة قلة من أدعياء العمل الصحفي ومن خلال عملهم حاولوا أن يلوثوا الثوب الأبيض، وذلك من خلال تصرفاتهم، التي غاب عنها الضمير الصحفي المسئول وجعلوا الصحافة مطية لجشعهم ضاربين بمواثيق الشرف الصحفي عرض الحائط، بأن سخروها في ابتزاز بعض رجال الأعمال والحصول منهم علي مبالغ مالية.. ثبت من التحقيقات أن المتهم لا يعرف للحقيقة سبيلا، إنما هو عنوان خادع للقراء' ويواصل حكم المحكمة وصف المتهم بما يستحقه من أوصاف، وينتقد الحكم تقاعس نقابة الصحفيين والمجلس الأعلي للصحافة عن القيام بدوريهما في رقابة الأداء الصحفي.

وبعد ذلك هل نحبس في متهم لم نقل فيه نصف ما قاله القاضي الذي حكم عليه؟
يستعيد محمود أجواء القضية في صيف 1998، حين صدر حكم الحبس عليه وعلي شقيقه في جنحة السب والقذف التي رفعها المدعي الدعي ثم وقف تنفيذ الحكم لحين البت في الطعن عليه، ماذا حدث؟

كانت قطرات الندي تتساقط علي زجاج سيارة الشرطة، ومعها خيوط النور التي ألقت بضوئها الشفيف علي مقال مصطفي بكري الافتتاحي في 'الأسبوع' تحت عنوان 'ليس وحده' خاصة المقاطع التي يقول فيها: 'نعم عبد العال ليس وحده، لكن أمامنا حقا وجوها كثيرة، حان قطافها والأمل دائما في قضاء مصر العادل والنزيه.. إن القضية ليست لفرد منحرف وفاسد بل هي قضية مناخ عام بدأ يسود حياتنا السياسية والثقافية والاجتماعية، فأحدث انقلابا في كل قيم المجتمع ورخص المعاني النبيلة وأفقد الناس ثقتهم في كل شيء..' وفي هذا المقال الصادر في 2 يونيو 2003 قبل القبض علي الزميلين بساعات يتساءل مصطفي بكري: 'من الذي كان يوجه الدعوة لهذا المتهم للمشاركة في المؤتمرات والاحتفالات واللقاءات التي كان يجريها السيد الرئيس وكان المدعي يجلس دائما في أوائل الصفوف ويتقدم رؤساء الجامعات ومسئولين كبارا في وقت كان يحاكم فيه بتهمة الرشوة والابتزاز..؟! ألم يجد التليفزيون المصري سوي هذا المدعي ليحدثنا عن إنجازات الرئيس ومواقفه والكل يعرف أنه يحاكم بتهمة الرشوة وأن مجرد ظهوره وحديثه هو إساءة للنظام بأسره'؟!
انقطع سيل الاستدعاء والتفكير عند الشقيقين في اللحظة التي دخلا فيها قسم حدائق القبة، ربما توقع الأخوان بكري أن في الأمر خطأ ما وسرعان ما سوف تعتذر أجهزة الأمن عما حدث.

حينما اقتربت الساعة من تمام العاشرة صباحا، كان الاخوان بكري قد انتهيا من طقوس 'الفيش والتشبيه' في مديرية أمن القاهرة، ربما لمضاهاة هذه البصمات ببصماتهما في مانشيتات مطاردة الفساد وسيناريوهات الهيمنة الأمريكية.. عاد شبح الفساد ثانية يخيم علي الأذهان في المسافة القريبة بين المديرية ومحكمة جنوب القاهرة في شارع بورسعيد، وفي المحكمة حدث أول استفتاء علي مصداقية 'الأسبوع' فقد تسارع المواطنون الحضور في ردهات المحكمة علي السلام والقبلات والأحضان مع مصطفي ومحمود ، وهم البعض باخراج شكاوي لنشرها، والوعد باحضار وثائق تدين مفسدين جددا، لم يدر هؤلاء البسطاء أن مصطفي ومحمود مقبوض عليهما وأنهما في طريقهما للسجن.

في الردهة المواجهة لمكتب رئيس نيابة غرب القاهرة جلس عامل البوفيه يتصفح عدد 'الأسبوع' ويقرأ لمصطفي بكري تحت عنوان 'حدوتة مصرية' قوله: 'وبعيدا عن الحسرة والألم التي يشعر بها كل مصري أمام الكشف عن كل قضية فساد جديدة، فهناك حقيقة يجب أن نعيها، أن للفساد حماته ورجالاته... بالأمس كان يوسف عبدالرحمن، وقبله وبعده كثيرون، واليوم طارق السويسي وتوابعه.. وهنا نتساءل: من الذي اختاره لهذا الموقع؟ وما هو الثمن؟... لكن الأمور تمضي كما هي دون حساب لأسباب يعرفها الجميع.. ثم دعونا نتساءل: أليس من الأجدي أن نحاكم الرؤوس المسئولة التي هيأت وساهمت وفتحت الأبواب لعمليات السرقة والنهب وتهريب الآثار، ثم نحاسب بعد ذلك الذيول التي راحت تلف خيوطها العنكبوتية لتخنق مصر وتعزل كل شريف علي أرضها؟..'

يهز عامل البوفية رأسه، ربما وصل إلي تفسير لما يراه الآن من وجود مصطفي ومحمود بكري، يتم تجهيزهما لاستراحة المحاربين في سجن مزرعة طرة.
كان عامل البوفية يخط بالقلم خطوطا أسفل سطور مصطفي: 'أصحاب الكروش الذين جهزوا لنا النعوش بعد أن خربوها وبقوا علي تلها... تري كم من الأبناء يمتلكون ويقومون بمشروعات تعدي حجمها مئات الملايين؟ الاجابة كثيرون.. ان هؤلاء لن يتعظوا أبدا، لن يتوبوا، ولن يتوقفوا عن عمليات السلب والنهب والابتزاز، ولذلك فالحل هو في التغيير'.
ابتسم المصري البسيط حينما مرٌî أمامه مصطفي بكري، وضرب له تحية تعظيم سلام، كما يفعلها مع كبار الضباط.

حينما وصل الركب إلي سجن المزرعة في عز ظهيرة الاثنين، دفع مصطفي شقيقه أمامه بمرح قائلا: ادخل المزرعة برجلك اليمين، ضحك محمود ورد: كان نفسي من زمان أكون صاحب مزرعة، كده الحمد لله الأمنية تحققت!
.. علي الجانب الاخر تحول الجورنال إلي خلية نحل، مواطنون بسطاء وصحفيون ورؤساء تحرير وقيادات سياسية ونواب مجلس شعب ومثقفون، جاء الجميع يتضامنون في مظاهرة حب تمثل أجمل استفتاء علي مصداقية 'الأسبوع' وخط الجريدة... استاء أحد القراء المتضامنين مع بكري: كيف تكتب بعض وكالات الأنباء خبر القبض علي مصطفي بكري مقرونا بصفة الصحفي القريب من أجهزة الحكم؟
ما هو الدليل علي ذلك، لقد اعتقل مرات وأغلقت له ثلاث صحف واسقطوه في انتخابات مجلس الشعب، ماذا تبقي لكي يتأكد للجميع أن انحياز بكري طوال تاريخه الصحفي كان لثوابت الأمة والوطن وللبسطاء المطحونين تحت رحي الفساد في مصر!!
وفي نقابة الصحفيين كانت جموع أخري تدعم استفتاء المصداقية، من مختلف الصحف والمجلات، وعلي مدخل النقابة تتعالي هتافات الجميع 'لا لحبس بكري لا لحبس الصحفيين'.. الهواتف في الجريدة لا تنقطع، كبار الصحفيين يعرضون خدماتهم، كبار المثقفين والفنانين قراء من كل حدب وصوب، رسائل وفاكسات وبيانات.. توقيعات علي بيان يطالب بالأفراج الفوري عن الأخوين بكري...
والغاء المادة الخاصة بحبس الصحفيين في قضايا النشر.
.. يارب.. حتي من كانت لهم خصومة مع 'الأسبوع' جاءوا يعرضون خدماتهم ويدعوننا لمواصلة المسيرة وفضح رموز الفساد.
.. لا لم ينجح أصحاب الكروش في اطفاء الأمل واغتيال الأحلام، فها هي الجماهير المصرية بمعدنها الأصيل النبيل تنجح في كل امتحان، وتعبر بعد كل كبوة بشرط أن يحظي صاحب الرأي بالحرية التي يرتع في ظلها الفساد في مصر..فقد بات الدفاع عن حرية الصحافة دفاعا عن الوطن.

حينما شددت علي يد الزميلين مصطفي ومحمود بكري بعد انتهاء الزيارة في المزرعة عصر الخميس الماضي، كانت الرؤية أكثر وضوحا، لم تكن القضية مجرد خلل في الاجراءات فات علي محامي الجريدة، فالثقة في عدالة قضائنا لم تكن أبدا محل تعليق أو نقاش، لكن القضية كانت ومازالت وسوف تظل مقاومة الفساد والهيمنة والقبح والتسلط، وعلي المقاوم أن يدفع ضريبة موقفه طائعا راضيا كما دفعها مصطفي ومحمود بكري.