|
From : sami3x2000@yahoo.com
Sent : Saturday, February 26, 2005 2:12 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
لوحــــة من الصحراء
نضال نعيسة
الحمد لله - الذي لا يحمد على مكروه سواه - أنه لم يدخل العربان الرعيان بلدا
إلا وعم فيها الخراب والفساد والدمار والجهل والظلام,وما ولجوا مجالا إلا تلف
وخرب و"باظ" , ولم يمارسوا شيئا إلا واستحال مضحكة ومسخرة وفرجة وصاروا من
خلاله "كراكوزات" وأكثر من "عواظ" ,ولم يقوموا بفعل إلا وكان ملطخا بالدم
ومجبولا بالحقد والكراهية والغيظ والبغضاء, ولم يخرجوا من باب إلا خلفوا وراءهم
الشرشحة والفضائح والبهدلات ,وما حلوا بأرض قط إلا استحالت يبابا ويباسا
وتصحراوقحطا وخواء, وساد الويل والبلاء, وما كانوا يوما إلا عالة على الحضارة
والبشرية والحياة, ولم يقدموا مايذكر سوى تكريس الفرقة والتشرذم والضياع . ولقد
حفلت أدبياتهم بكل أنواع الخزي والتشهير والتناحر والإقتتال,وقلما تجد من لحمة
ووحدة واجتماع واتفاق,ففي كل يوم انقسام وانفصال وبدعة وفرقة وضلال وتشتت
وشقاق. وكل يوم يطلع لك زرقاوي و"سبعاوي" وسوداوي وصفراوي وصدام وسفاح وحجاج
وجزار وسياف وقصاب ولحام. وتنشطر الشعوب كل يوم وتتشظى وتتناثر قبائل
وطوائف,وعشائر ومللا ,ونحلا وشيعا ,وبطونا ,وسيقانا ,وأصابع وخلايا وأفخاذا
وتكتلات,وتكثر وتتناسل يوميا الألقاب والفرز والتقسيم والأسماء, وكل اجتماعاتهم
غدر وغيبة ونميمة ومكيدة ودسائس وأفخاخ ولا يتحدون إلا بالمؤمرات.وكل لغاتهم
قذف وسب وشتم ولعن وقدح وطعن وذم وتكفيروتشهير وتخوين واتهام وازدراء. وكل
أدواتهم سيوف وخناجر و"جنبيات" وسواطير ورماح ومدى وسكاكين وبلطات وسهام
ونبال,وكل أهدافهم الرقاب والنحور والرؤوس والجيد والأعناق.وماالسر أيضا في أن
الجميع أعداء وخصوم وغرماء ماكرين ألداء؟
فمن يطالع هذه اللوحة الصحراوية الصفراء الجرداء التي رسمها بأيديهم
الطغاة,والقتلة ,والبلطجية الموتورين والدهاة القساة, يدرك مدى براعتهم
واتقانهم لفنون مص الدماء ,وتسويق الموت والهلاك ,وترويج الجهل والغباء.فما من
بلد دخلوها , وحلوا فيها ضيوفا ,أو زوارا أو غزاة سلمت من شرورهم وآثامهم
وحقدهم وغلهم على البشرية والأنام وصبغت كليا بلون الليل والسواد. وصارت
الكائنات في ممالك البطش والقهر والإستبداد التي أقاموها على الجماجم والهياكل
والعظام رعايا وعبيدا وسبايا مقهورين أذلاء ومذعورين ومرعوبين وخائفين وجبناء
وشاردة وقطعان ضائعة وهائمة على وجوهها في الفيافي والبوادي والصحراء.وأصبح
الجميع في حكم الأموات,وسلموا بهذا الأمر لرب العباد ,والسؤال المهم كيف ستكون
النهاية والإخراج,بسيف أم بلطة أم تفخيخ أم تفجير أم تغييب في الظلمات مع
الفئران والجرذان. ويتحسس المرء في كل يوم جسده ليتأكد انه مازال مع الأحياء.
فيما لاتسمع إلا أصوات العويل والنحيب والإستغاثة والنواح والبكاء ولا ترى إلا
الجنازات والنعوات وسرادقات العزاء, والأشلاء المقطعة الأوصال في الشوارع
والطرقات,التي لن يكشف عن أصحابها إلا بتقنية الحامض النووي الذي نفذ من
الأسواق, ولم يبق رداءات وشراشف وبطانيات لتغطية الجثث في الشوارع والزواريب
والحارات.فقصص الموت اليومية صارت تقليدا,ومشاهد مألوفة,وتراثا نعتز به
,وأنشأنا له جامعة خاصة بموظفين محنكين خبراء , للمحافظة على هذه الثوابت
والتراث,ونجاهد في كافة المحافل لإبراز عبقريتنا في إبداع فنون القتل والتصفيات
والإقصاء,ويتبجح بذلك السفراء ,والمبعوثين والوفود و"الأمناء".
وبرغم كل مايجري في العالم من تحولات كبرى وفتوحات في مختلف المجالات , تراهم
يصمون آذانهم ,ويغمضون أعينهم ,ويديرون ظهورهم لكل شيء مصرين على مالديهم من
قباحة وبشاعة وتخلف ومحافظة على ثوابت الظلم والقهر والطيش والطغيان. وأن
الأمور ستكون دائما على هواهم ورغبتهم ورؤيتهم الضيقة,وستستمر هكذا إلى آخر
الزمان متجاهلين نواميس الطبيعة ,وقوانين الحياة.
والمضحك المبكي في ما يقوم به هؤلاء الرعيان هو أنهم الوحيدون, وبعد كل هذا
الفسق والعهر والغلو والفجور والفساد ,الذين يطلقون الحملات العامة في دول
العالم "لتحسين" وتجميل صورتهم في العالم, حيث أصبحوا رمزا للهمجية والبدائية
والوحشية والإنحطاط, التي لن تفلح كل المنظفات التي تنتجها كل مصانع العالم من
إزالة كل تلك "البقع" السوداء والحمراء,ونصيحة لا تصدقوا كل الدعايات
والإعلانات في التلفزيون, عن أي نوع من المنظفات ,لأنها لن تعمل هنا في هذه
"الأثواب" ,ومع احترامي وإعجابي بكل خبراء الكيمياء,وجميع أنواع الغسالات, وحتى
لو كانت من سنغافورة والصين وتايوان.
إنها اللوحات السوداء ..........التي أبدعها الطغاة |