الأوروبيون و إغتيال رفيق الحريري
ستوكهولم / يحي أبوزكريا


تبدي العواصم الغربية إهتماما منقطع النظر بملف إغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري وتداعيات هذا الإغتيال الضخم بحجمه على لبنان ومنطقة الشرق الأوسط إلى درجة أنّ أحد الخبراء الغربيين قال لا شكّ بأنّ الذي خططّ لإغتيال شخصية لها وزنها المحلي والإقليمي والدولي كشخصية رفيق الحريري كان يهدف إلى إحداث زلزال فظيع بمستوى المستهدف .
و لا يمكن كما يقول هذا الخبير أن يكون جسد الحريري هو المستهدف , فالأحداث التاريخية يقول هذا الخبير علمتنا أنّ المشاريع السياسية الكبرى كثيرا ما كانت تبدأ بحوادث مشابهة لحادثة إغتيال الحريري حيث يريد المخططّ أن يرتبّ آثارا سياسية و حتى أمنية كبيرة على حدث إعتيال الحريري.
و إهتمام العواصم الغربية بلبنان ليس وليد الساعة بل يعود إلى بدايات الحركة الإستعمارية التي كانت بلادنا العربية عرضة لها منذ أزيد من قرنين , كما أنّ الذاكرة الأوروبية ما زالت تتذكّر أزمة الرهائن الغربيين في لبنان و التهديد الذي كان يطاول المصالح الغربية في لبنان أثناء الحرب الأهلية المؤلمة التي عاشتها لبنان وبعد الحرب بوقت قصير .
وهنا يستطرد هذا الخبير قائلا إنّ الأجهزة الأمنية كل الأجهزة الأمنية في الغرب تولي لبنان إهتماما خاصا كون أنّ لبنان إرتبط في فترة الحرب الأهلية بإختطاف الرهائن الغربيين والجواسيس الغربيين من قبيل تيري وايت وهيغنز وغيرهم والطائرات و ما إلى ذلك , ولعلّ و حسب هذا الخبير فإنّ الأجهزة الأمنية الغربية إهتمت بلبنان أكثر من القيادات السياسية التي كانت تفوّض هذه الأجهزة بجمع كل شاردة وواردة عن لبنان لأنّه فسيفساء تضمّ كل ما يبحث عنه الغرب من قبيل حزب الله وحركتي الجهاد الإسلامي وحماس و التنظيمات الفلسطينية وحركة المعارضات العربية التي تواجدت في لبنان بحكم الحريّة والديموقراطية السائدتين في لبنان .
وحتى لما شرع الكيان الصهيوني يبحث عن الطيار الإسرائيلي المفقود في لبنان رون آراد كلفّ بعض الأجهزة الأمنية الأوروبية بهذه المهمّة خصوصا وأنّ هذه الأجهزة تملك قدرة على التسلل إلى الساحة اللبنانية على عكس جهاز الموساد والذي يملك معظم رجالاته جواوات سفر أوروبية رسمية ومزورّة .
و بالمعنى الأمني فقد كان لبنان يفتح شهية الأجهزة الأمنية الغربية في جمع أكبر قدر من المعلومات عن الفسيفساء الحركية اللبنانية وعلى رأسها القوى المناوئة للكيان الصهيوني المتحالف إستراتيجيا مع الكتلة الغربية وعن الأداء السياسي العربي وتفاصيل أسراره بحكم أنّ العالم العربي حاضر بتفاصيله في الصحافة اللبنانية التي تملك قدرا كبيرا من الحرية و الدخول في التفاصيل التي تعتبر محظورة أو ممنوعة في معظم الأقطار العربيّة .
والذي زاد في إهتمام الأجهزة الأمنية الغربية سابقا ولاحقا بالموضوع اللبناني هو إنضمام بعض النخب اللبنانية إلى هذه الأجهزة الأمنية والعمل معها في مجال المعلومات , وقوام بعض هذه النخب بعض المثقفين اللبنانيين الذين طلبوا اللجوء السياسي في الغرب أثناء الحرب الأهلية في لبنان و أنضموا إلى سلك الأجهزة الأمنية بإعتبار أنّ طالب اللجوء يجب أن يمرّ بالجهاز الأمني في هذا البلد الغربي أو ذاك قبل أن يحصل على حقّ اللجوء و إذا وجد المحققّ الأمني والإستخبارتي أنّ الشخص المحققّ معه يملك معلومات ما وبإمكانه أن يفيد الجهاز الأمني يمنح حق اللجوء السياسي ويعرض عليه العمل مباشرة مع هذا الجهاز مقابل إغراءات كبيرة و هذا ماحدث مع بعض اللبنانيين من طوائف مينة وحدث الشيئ عينه مع عراقيين ومغاربة وفلسطينيين ومصريين وغيرهم .
وإنطلاقا من هذه الخلفية يقول الخبير الأوروبي إياه تعاملت الأجهزة الأمنية الغربية مع حادثة إغتيال الحريري حيث صدرت الأوامر لرجالاتها في السفارات الغربية في بيروت برصد هذا الحدث وجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات حوله , كما حدث تواصل رهيب بين الأجهزة الأمنية الغربية نفسها لتبادل الإستشارة والمعلومات و تمّ التوجّه إلى الأجهزة الأمنية الفرنسية لتزويد نظيراتها الغربية بوجهة نظرها في الحادثة بإعتبار أنّ هذه الأخيرة حاضرة بقوة في الساحة اللبنانية .
ويقول هذا الخبير الغربي أنّ الذي خططّ لعملية إغتيال الحريري كان يهدف إلى إقحام سورية قصدا وتعمدّا في الموضوع من خلال الإشارة إلى بعض أدائها الذي أزعج فريقا من اللبنانيين وتحديدا ما ورد في الفقرات الأولى لفريق تقصي الحقائق التابع للأمم المتحدة والذي أشار إلأى المناخ السياسي السائد في لبنان , و نحن نعلم علم اليقين كما يقول الخبير الأوروبي أنّ سوريا ليست اللاعب المركزي في الساخة اللبنانية بل هناك عشرات اللاعبين المركزيين و عشرات لاعبي الإحتياط , و لكل أجندته في لبنان و إستراتيجيته .
وفي إطار تحليلنا للمعلومات الأولية حول إغتيال رفيق الحريري قمنا كما يقول الخبير بمدى إستفادة كل لاعب في الساحة اللبنانية من عملية إغتيال الحريري ولا شك كنا نأخذ بعين الإعتبار قدرة هذا اللاعب أو ذاك على الصعيد العلمي والتقني و الإحترافي , فعلمية بحجم إعتيال الحريري تتميّز بدقة متناهية و عالية وهو الأمر الذي يجعل الربط بين هذا التنفيذ المحكم وقوّة الجهاز الذي أشرف على ذلك أمر منطقي ونحن نعرف القدرات الأمنية لهذه الأجهزة أو تلك كما نعرف الأساليب المتبعة هنا وهناك .
ويستطرد هذا الخبير قائلا أنّ هناك معطيات ومعلومات تجمعّت حول الموضوع والمشكلة أنّ المعلومات التي يجمع رجال إستخبارات محترفون ليست للنشر أبدا ومطلقا على عكس المعلومات التي يجمعها الصحفيون وهذا الفرق بين رجال الصحافة ورجال الإستبخبارات , الأولون يبحثون عن المعلومة لإفادة الرأي العام بها و رجال الإستخبارات تصل معلوماتهم إلى دوائر ضيقة للغاية , ولم يستبعد هذا الخبير إرتباط إغتيال الحريري بالمشروع الأمريكي الكبير في الشرق الأوسط والعالم العربي والذي تبشّر به واشنطن .