الأردن... (كومة حجار ولا هالجار)
محمد حسن الموسوي
 


الجار قبل الدار بهذا يوصي العرب من اراد شراء دار جديدة. فالجار اهم من الدار ذاتها لانها جماد لا أذى من ورائها ولا ضرر لكن الاذى ُكلّ الاذى يأتي من الجار اذا كان والعياذُ بالله سيئاً مزعجاً. ولهذا يوصون بانتقاء الجار قبل شراء الدار درءاً لشبح الجيرة السيئة والتي لا تولد سوى العراك والشجار(ودوخة الراس) و تنغيص الحياة ولا يُحسد من ابتليّ بجار سوء. ولأهمية الجيرة في استقرار حياة الناس اوصت السماء بالجار ودعت للاهتمام به قال الله تعالى(وبالوالدين احسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجُنُب).

وعندما سُئل الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم عن حق الجار قال: (إن استقرضك اقرضه وإن استعانك أعنـه وإن احتاج أعطيته وإن مرض عدتّـه وإن مات تبعت جنازته وإن أصابته مصيـبة ساءتك وعزيته. ولا تؤذه بقتار_اي برائحة_ قدرك...).

وعن الامام علي عليه السلام قال:(الله الله في جيرانكم , فانه وصية نبيكم , مازال يوصي بهم حتى ظننا انه سيورثهم). ومن المعلوم ان الارث من نصيب اهل الميت ومن الحديث يظهر منزلة الجار اي انه كالأهل. الى غير ذلك من النصوص المقدسة التي تشير الى اهمية الجيرة والجار. ومع ذلك اذا جاور المرء جاراً سيئاً فان بامكانه اتقاء شره بالانتقال الى دار اخرى وجار افضل لكن ذلك غير ممكن مع الشعوب والدول فليس باستطاعتها جغرافيا الانتقال لتغيير جارها السيء وان كان الانتقال السياسي ممكنا وهذا هو حال العراق اليوم مع جيرانه لاسيما مع الاردن.

ومدعاة هذا الحديث هو مواقف الاردن السيئة من العراق. سوف لن اتحدث عن العلاقة التأريخية المتأزمة بين البلدين بل سأكتفي بذكر بعض مواقف الاردن خلال العاميين المنصرميين اي منذ التحرير في التاسع من نيسان وولادة العراق الجديد والى لحظة كتابة هذه السطور. ومن المواقف السيئة للجار الاردني التالي:

اولاً خلافاً لكل الاعراف والتقاليد الدولية في تسليم القتلة والمجرمين الفارين من وجه العدالة والمطلوبين في دولهم, رفض الاردن نداءات المسؤولين العراقيين المتكررة في تسليم عائلة الطاغية البائد وتحديدا ابنته رغد التي ثبت بالدليل القاطع والبرهان الساطع دعمها وتمويلها للارهاب في العراق, وكذلك رفض طرد البعثيين الفارين اليه وهو الذي كان لا يتوان عن طرد العمال والكسبة العراقيين الذين تنتهي مدة اقامتهم فيه. وُعذر الاردن في ذلك هو ان رغد وبقية البعثيين ضيوفه واصول الضيافة(العربية) لاتسمح بطردهم. والسؤال هو لماذا لم يراع الاردن اصول الضيافة عندما طرد قيادات حركة (حماس) الفلسطينية بطلب من(العدو) الاسرائيلي ؟

هل ان باء الاسرائليين (الاعداء) تجر وباء العراقيين (الاشقاء) لا تجر؟ في الواقع ان اصرار الاردن على (استضافة) بنت الطاغية بدءت تثير الكثير من التساؤلات خصوصا مع تردد اشاعات في الاوساط السياسية عن وجود علاقة غير اخلاقية بين رغد وأحد اركان العائلةالاردنية المالكة. نتمنى على العاهل الاردني تكذيب هذه الاشاعات بطرد الارملة الشابة من قصره عاجلا.

ثانياً لايزال الاردن بسلوكه السيء يؤذي جاره المكلوم العراق. وبدلاً من ان يمد له يد العون ويؤازره في محنته تطبيقاً للحديث الشريف نجده يتسلى بنكئ جراح العراقيين وذلك بالسماح باقامة مهرجانات دعم الارهاب في العراق تحت يافطة (الجهاد) بينما لا يُسمح (للمجاهدين) الاردنيين بعبور نهر الاردن والتوجه للجهاد في فلسطين بل لا يُسمح حتى بالحديث عن الجهاد هناك من قريب او بعيد رغم ان 70% بالمئة من الاردنيين ينحدرون من اصول فلسطينية. لا يجد العراقيون تفسيراً مقنعاً لموقف الاردن هذا سوى ولع الجار الغربي بأيذاءهم ولسان حالهم قول الشاعر: اسدٌ عليّ وفي الحروب نعامةٌ.

ثالثاً وعلى ذكر الجهاد الاردني يتسائل العراقيون عن سر كون اكثر الاعمال الارهابية شراسة في العراق تقع في المنطقة الغربية منه وتحديدا في المناطق المجاورة للاردن وسورية كالفلوجة والقائم بينما مدينة تكريت مسقط رأس الطاغية الهالك هادئة؟ تساؤل برئ تردده شفاه العراقيين المنكوبين بهذه الجيرة السيئة وبهذا الجار الذي سمح لنفسه وفي غفلة من الزمن بسرقة اراضي عراقية بعمق 70 كيلومترا والكل يعرف انه لا يوجد خلاف حدودي بين الاردن والعراق فلماذا قبل الاردنيون لانفسهم مشاركة الطاغية البائد بسرقة تلك الاراضي التي وهبها لهم من لايملك؟ ويتسائل العراقيون ايضا هل للعنف المستمر في مناطق غرب العراق علاقة بالمستشفى التي بناها الاردن في الفلوجة وما حقيقة تلك المستشفى اللغّز التي (تبرع) الجار (مشكورا) ببناءها هناك بعد سقوط النظام مباشرةً علماً ان تلك المناطق لم تشهد قتالاً حينها ؟

رابعاً لايجد العراق جواباً مقنعاً او تفسيراً مقبولاً للتدخل الاردني المستمر بشؤونه منذ سقوط صنم البعث وهبل القومية قبل عامين والى يومك هذا. وتزداد الدهشة والحيرة عند البحث عن الصفة التي خولت الاردنيين التحدث باسم السنة العراقيين وكأن سنة العراق اجانب او وافدين او قاصرين لا مدافع عن حقوقهم التي غيبها التغيير كما يزعم الاردنيون سوى الاردن! اليس في ذلك اساءة بالغة للسنة انفسهم؟ وهل يقبل اي سني وطني للاردنيين الغرباء ان يستغلوا اسمه ذريعة للتدخل بالشأن الداخلي العراقي؟ اليس في ذلك محاولة خبيثة لزرع الفتنة الطائفية بالعراق؟ ثم هل يقبل الاردنيون للعراق التدخل بالشأن الداخلي الاردني بحجة الدفاع عن حقوق فلسطيني المخيمات الذين يعيشون وضعاً ماساوياً لا يعيشه حتى فلسطينيو الاراضي المحتلة؟

وليت الامر اقتصر على هذا الحد بل بلغت وقاحة الجار الاردني ان سمح لنفسه وعلى لسان عاهله التدخل في الشأن الاداري للعراق عندما انتقد مرة رئيس هيئة اجتثاث البعث لا لشئ الا لكونه شيعي! وقد غاب عن هذا الملك (الفلتة) ان العراق موطن التشيع منذ ان دخله الاسلام وان العراقيين بقضهم وقضيضهم شيعة اذا اعتبرنا التشيع انتماءاً اجتماعياً طبع بلاد النهرين بطابعه الانساني فلم تعد قادراً على تمييز السني او المسيحي او الايزيدي او الكاكائي من الشيعي!

بل اكثر من ذلك تطاول ملك الاردن على العراقيين حينما استكثر عليهم الديمقراطية ودعى الى اعادة الديكتاتورية حين قال في تصريح لا مريح (ان العراق يحتاج الى حاكم قوي)! اي يحتاج الى جلاد كصدام يجوع العراقيين ويبدد ثرواتهم على (الاشقاء).

ترى هل يُلام العراقيون بعد كل هذا الاذى الذي لحق بهم من جارهم السيء الاردن اذا ما رددوا مثلهم الشعبي المُعبر(كومة حجار ولا هالجار)؟ وصدق ربُك القائل( وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ).