|
الإنتماء الطائفي
وتدني مستوى الشعور بالمواطنة ..
نحو إعادة تأهيل العقل الوطني العراقي
الدكتور عبدالله يوسف الجبوري
أستاذ عراقي مقيم في ألمانيا
بات من غير الممكن ان تصمت الكتل الإجتماعية عما يجري من تهشيم البنية الفكرية
عند المواطن العراقي والتي تستند في كل جوانبها على الإنتماء الطائفي او العرقي
، بعد ان طغت المفاهيم الطائفية على العقل العراقي وبعد ان كان هذا العقل
بالأساس خاضعا بشكل قسري لعملية تخدير او تجميد إجبارية طيلة اكثر من ثلث قرن ،
وفيها تم إخضاع العقل الوطني لعملية تأهيل إجبارية لإنهاء عملية الإنتماء
الوطني وإستبدالها بعملية الإنتماء السياسي والولاء المزدوج بين السياسة
والفردية ، وهنا بقيت خلايا العقل الإجتماعي نائمة بإتجاه التهيوء للإنتماء
الطائفي او العرقي في إية لحظة بعيدا عن أي إنتماء آخر ، وساعدها في ذلك الصحوة
الموهومة (( الصدمة والترويع )) والصاعقة في عملية غزو العراق وسقوط النظام
السابق الذي لم يهتم بقضية المواطنة إلا في بعض من المفاصل التي تخدم سياسته
الحقيقية ، والتي يراد منها الخضوع للفكر السياسي الفردي بغياب أية نظرية أخرى
.
عندما نتاول هكذا موضوع فأنه ليس من الترف الفكري او محاولة إلقاء اللوم على
طرف أو تبرئة أطراف أخرى مما يجري الآن في العراق ، ولكن نريد ان نهز العقل
العراقي ، وعقل النخبة الفتي تتزاحم للوصول الى السلطة ، مرة ثانية بإتجاه قبول
عملية التأهيل والقضاء على عدد من حواجز تغليف العقل العراقي ، وهذا التغليف
بدأ يعاني من التراكم الكمي لمفردات باتت تفوق ما كانت تبثه بشكل متواصل ومكثف
الماكنةالإعلامية العراقية في عهد النظام السابق ، حتى أضحت المفاهيم الفردية
والإجتماعية تصنع في القصر الجمهوري وتصبح بمتناول وزير الإعلام لتصحح في عقول
الأفراد وبإشراف عناصر الحزب الحاكم وكوادره المتقدمة ، ولم تجد المفردات
الوطنية مناصا من الخضوع للمفهوم الفردي ولا سيما إزاء قضية المواطنة والإنتماء
الوطني .
ونحن لا نريد أن نلقي اللوم الان على مخلفات النظام السابق والسبب يكمن في أن
الذين كانوا يحملون أفكار التغيير باتوا يوظفون هذه الأفكار بإتجاه قتل الفكرة
السابقة تحت مسميات الديمقراطية والتغيير ويستبدلونها بمفردات الإنتماء الطائفي
وما يفرضه هذا الإنتماء من خضوع لمشيئة الهيئات المشرفة على العملية الطائفية
يعاونها الفكر السياسي المستورد لصالح عملية إنهاء فكر المواطنة وإلحاق الفكر
الفردي بفكر الإنتماء الطائفي حتى لو تطلب الأمر ان يتخلى الفرد عن كل شيء في
سبيل إرضاء الفكر الطائفي على حساب المواطنة والإنتماء الوطني .
لقد تمت محاربة الفكر الوطني (( المواطنة )) قبل محاربة مفاهيم النظام السابق ،
وهنا تم الخلط بين قانون إجتثاث البعث وقانون تحرير العراق ، وبين التنظيم
الجديد للمجتمع العراقي وتقسيمه على أساس المحاصصة الطائفية ،، فالفكر السلفي
كان موجودا في عهد النظام السابق ولكنه لا يمكن ان يتحرك إلا في نطاق ضيق ، ولم
تتحول لديه العقيدة التكفيرية الى عملية دموية واضحة ، وهنا لا بد ان نرى ان
هناك تخلي الآن عن الإنتماء الوطني والإلتحاق بالأنتماء العقيدي والمذهبي ،
الأمر الذي جعل المجتمع يشعر بأن العراق غير موجود وما بقي له هو مجموعة
إنتماءات طائفية او عقائدية فرضت عليه ان يتخلى عن مواطنته ، ويتصور تابعي بعض
الولاءات السياسية او الطائفية أنهم يمكنهم الذهاب بكل هدوء الى بلد الفكر
المصدر الينا !! ففي عهد النظام السابق كانت العقيدة الوطنية مرتبطة بالعقيدة
السياسية وهي الى حد ما ربما تبدو أفضل من التخلي الكلي عن المواطنة لصالح
الفئة والطائفة ، بسبب ان النظام السابق منح المواطنة العراقية عمقا قوميا لا
يمكن لنا إنكاره او تجاهله ، وأضاف للمفهوم الوطني بعدا جغرافيا آخر حيث كانت
المواطنة تعني الدفاع عن المقدسات والحدود وما الى ذلك ، رغم تصرفاته غير
المسؤولة إزاء رجال الدين وإزاء الطوائف الدينية والعرقية ، في حين ان الإنتماء
الطائفي بات اليوم مما يمكن ان يفرض على الذين لديهم ولاءات حقيقية إتجاهه أن
يدافعوا عن الولاء الطائفي ونسيان المواطنة ، وهذا يشكل خطرا حقيقيا على العراق
بأسره .
فالعراق مقسم من حيث البنية الإجتماعية الى ولاءات عشائرية بحسب الإنتماء
العربي او غير العربي ، وفيه تقسيمات دينية واضحة تعتمد على التعدد الأثني
الديني والإجتماعي ، وهذا امر ربما يشكل عاملا إيجابيا لتشكيل وحدة وطنية إلا
أن هذا التنوع لم يوظف في المرحلة الحالية بالشكل الإيجابي ، بل بالعكس تم قلب
المعادلة من الوطنية الى الطائفية ، فالسنة يرون في بعض من مذاهبهم حالة عمق
ديني وإجتماعي وهذا ربما يدفع بالبعض الى رؤية الأنتماء الطائفي هو إنتماء
لصالح مصدر المذهب وهويته الوطنية ، كما هو الحال في السلفية ، والأكراد يرون
في المذهب السني لهم إنتماء الى كتلة قومية لها طرائقها الدينية التي تساعد على
التعامل مع المفهوم القومي عندهم ، وهكذا ينسحب الأمر الى الشيعة التي يبرز
الآن ولاءهم الديني الطائفي الى إيران اكثر من ولاء هم الوطني أو القومي ، وهذا
يجعل هناك هشاشة في المفهوم والبناء الوطني ، وينعكس على طبيعة إنتماء الفرد من
حيث مفهوم المواطنة ومستلزمات تفعيلها بعيدا عن الإنتماء الطائفي الضيق .
صحيح ان امريكا أسهمت في خلخلة المفهوم الوطني عندما جلبت بعض من القوى التي
تؤمن بالإنتماء الطائفي أكثر من إيمانها بالإنتماء الوطني ، لكن ذلك لا يمنع ان
يتحرك المثقف الشيعي والمثقف السني والمثقف الكردي وبقية المثقفين من الفئات
الدينية او العرقية لتحويل هذه الإنتماءات الى حالة ثانوية تأتي في المرتبة
الثانية من حيث أهمية الأنتماءات .
لقد كان المسيحيون في العراق يرون ان امريكا بالنسبة لهم المنقذ من خطر العرب
المسلمين ، وكان الضعف في المنحى القومي لديهم يزداد على حساب المواطنة ، مما
دفع بغالبيتهم ونتيجة للحملات الإعلامية الأمريكية المدعومة من الكنيسة الى
التفكير أن ملاذهم وإنتماءهم يجب أن يكون في الجانب الأمريكي ، وهنا نجد الهجرة
المسيحية فاقت حد التصور بعد ثورة 14 تموز 1958 .
وكان المفهوم الطائفي في العراق آنذاك أقل تحفزا من المفهوم الوطني ولكن وبسبب
تخلي السياسة عن المنهج الوطني الحققيقي وقلب المعادلة لصالح الإنتماء الفكري
والإبتعاد عن الإنتماء الوطني نجد ان المواطنة باتت في المرتبة الثانية من حيث
إحساس المواطن بمن يؤيه فيما لو تخلت عنه السياسة وهذا ما حصل في الطائفة
الشيعية التي كانت تنتمي من حيث الأصل الى إيران ، وبدأت المرجعية الشيعية في
إيران تضرب على وتر الطائفية لتقلل من اهمية الإنتماء الوطني وترفع من مؤشر
الإنتماء الطائفي ، وقد أسهمت السلطات الحكومية في العهود السابقة وأخص منها
عهد النظام السابق ، في تنمية وتعميق روح الإنتماء الطائفي عندما أقدمت على
ترحيل وطرد الملايين تحت قرارا التبعية الإيرانية وهنا قدم النظام خدمة مهمة
للقضاء على الإنتماء الوطني وحفز الإنتماء المذهبي أكثر مما كان يمكن للمرجعيات
ان تقوم به ، ولكن الذي حصل ان تم إكتشاف حقيقة العلاقة ما بين السياسة
الإعلامية وما بين العلاقة وضرورة الوقوف الى جانب الفئات المهجرة قسرا .
وفي هذا الإطار يمكن ان نتطرق الى الإنتماء التركماني أيضا ، والإرتباط
العقائدي والروحي بينهم وبين تركيا الأم بالنسبة لهم ، وحتى ان البعض كان ولا
زال يدرك أن تركيا لا يمكن لها ان تضمن للتركماني مواطنته إليها ، إلا أنهم لا
زالوا يرون فيها المنقذ وهذا يسهم في إضعاف الإنتماء الوطني .
فتركيا تحاول ان تلعب بالوقة التركمانية لصالح سياستها في العراق وفي المنطقة
المحيطه به ، ولكنها لا يمكن ان تتخلى عن مصالها في سبيل مجموعة بشرية صغيرة ،
لكنها تدرك أن مصالحها تقتضي أن تستمر بذلك ، وهي تواجه جانبا خطيرا في
الإنتماء التركماني لها وهو خلل ليس لصالحها ، ذلك ان الشيعة التركمان يرون كما
يرى بعض الشيعة العراقيين ان مصيرهم الروحي مرتبط بإيران ، وهنا سوف تقضي
النزعة الطائفية عند التركمان على النزعة العرقية إتجاه تركيا . فتركيا تدرك أن
التركمان وإنتشارهم في اكثر من مدينة عراقية وتطور بنيتهم الإجتماعية التي باتت
تذوب شيئا فشيئا ضمن المجتمع الكردي او المجتمع العربي السني أو المجتمع العربي
الشيعي ، يقلل من أهميتهم ، لأن القوى السياسية تعيش حلما غير قابل للتحقيق حتى
المدى البعيد ، وهذا يدفع بإتجاه ضمور المفهوم الوطني وتنامي المفهوم العرقي او
الطائفي للتركمان ، وما نقوله عن التركمان ربما ينطبق على فئاتن أخرى صغيرة في
المجتمع العراقي .
إذن لا يمكن ان يقبل من السنة إرتباطهم بالمذهب السلفي في السعودية او المذهب
السني في الأردن ، لأن ذلك يجب ان لا يطغى على تفكيرهم ويجعلهم يتخلون عن
الإنتماء الوطني ويتجهون الى الإنتماء الطائفي ، لأن هذه الدول لا يمكن ان
تعترف للمواطن العراقي بإنتماءاته الطائفية على حساب قوانينها ونظمها السياسية
والإجتماعية والدستورية ، وهنا يمكن ان نؤكد أن من يسير وراء ذلك ربما يعيش
حالة وهم حقيقية ، ولكننا نحمل المسؤولية في ذلك علىالنظام السابق والقوى التي
جاءت كبديل له ، فكلما يشتد تدني هذه المفاهيم وإضطرابها ينعكس ذلك على البنية
الفكرية والإجتماعية وأخيرا يتحول الوطن الى مجموعة ولاءات خارج الحدود
الإقليمية للوطن .
هنا لا نريد ان نوجه الإتهام لفئة دون فئة اخرى ، ولكن نريد ان نتلمس ملامح
العلاقة بين المواطن وبين الوطن ، وبين المواطن وبين إنتماءه السياسي أو
الطائفي ، لأننا ندرك ان العراقي الذي تم تهجيره من قبل النظام السابق وهو من
التبعية الإيرانية لم يقبل في إيران على أنه لإيراني ، بل بالعكس عانى حالة من
الذل لا يمكن لأحد أن يتحملها ، او يمكن إنكارها ، ولكن ذلك لا يمنع من إعتراف
إيران بأنها حاولت وتحاول ان توظف هؤلاء لمساعيها السياسية والطائفية وهذا امر
حقيقي ولا يجوز ان ننكره ، فالعديد ممن رحلوا الى إيران لم يمتلكوا لحد هذه
اللحظة أية مستمسكات إيرانية حتى تلك المتعلقة بالجوانب الإنسانية ، وهنا نجد
ان هؤلاء يرفضون الإنتماء العرقي لإيران ولكنهم لم يتخلوا عن الإنتماء الطائفي
بسبب ان المرجعية الدينية بقيت تقدم لهم بعض المسلتزمات واهمها الدعاية للمذهب
وتعميق مفهوم المظلومية لديهم ، في حين ان الذي هربوا من ظلم النظام في معسكر
(( رفحا )) السعودي بعد الإنتفاضة الشعبانية تلقوا مساعدات إنسانية ومادية ربما
تفوق ما يقدمه الجانب الرسمي الإيراني لمن هم ظلموا بأسم التبعية لإيران .
فالأحزاب السياسية الحالية في العراق لم تتنبه للمفهوم الوطني في العلاقة بين
المواطن والدولة ن ولكنها حرصت على تأكيد المنهج الإنتمائي للسياسة او للطائفة
او للعرق وتجاهلت التوازن في العلاقة بين المواطن وبين المواطنة . هنا يمكن ان
نتوقف امام الحالة الكردية فقط ، فهي الوحيدة التي خلقت للمواطن الكردي إنتماء
وطنيا مرتبطا بكردستان وهنا عممت مفهوم كردستان الكبرى داخل العقل الكردي
وتجاهلت المفهوم الوطني العراقي ، مما جعل الفرد الكردي يتوجه الى مسافات أبعد
عن المحيط الوطني الحقيقي فبات ينظر الى المواطنة تلك التي ترتبط ببناء
كردرستان الكبرى ، وهنا لم يتنبه القادة الساسيون الأكراد الى حقيقة الفوارق في
البنى الإجتماعية الكردية لدى المجتمعات المختلفة في التفكير وفي الإسلوب ولكن
ركزت على هدف ذات جانب واحد هو الحلم الأكبر في العقل السياسي ربما ولكنه لم
يتكامل في العقل العام بالمعنى الواسع .. وفاتهم ان ذلك ينطبق على الوحدة
العربية التي باتت حالة من التشبث غير المنطقي بسبب السياسة العربية متعددة
الإتجاهات ، وفاتهم ان كل العرب ، وبخاصة الرؤساء الى ضرورة إقامة الوحدة
العربية ، ولكن كل رئيس يريد ان يصبح هو القائد للوحدة العربية وينكر على
الآخرين رؤيتهم التي هي مشابهة لرؤيته ، وهذا سينعكس على الشعب الكردي حيث
سيظهر لنا اكثر من سياسي وأكثر من فكر وكلها تحمل خصوصياتها الفردية
والإجتماعية والفكرية ، وهنا ستتحطم الخارطة الساسية بسبب عدم وجود وعي منطقي
يرتبط ببيئة جغرافية وسياسية وإجتماعية محددة .
ما نريده إذن هو أن قضية المواطنة يجب ان تنهي العديد من الولاءات الجانبية
وتتمسك بالولاء الوطني الحقيقي وليس بالشعارات ، فالطائفة تمتد الى أبعد من
الوطن والقومية تمتد الى أبعد من العرق ضمن الإطار الوطني ، والإنتماء السياسي
ربما يخضع لمشيئة قوى خارجية ترعاه وتقدم له الدعم ولكنها لا تقدم المواطنة مع
الدعم المادي والإعلامي والمعنوي ، إذن نريد من القوى السياسية العراقية أن
تفكر بالمفهوم الوطني وتتخلى عن العواطف الطائفية او العرقية او الولاءات
المرتبطة بقوى خارجية وتلتفت الى عملية إعادة تأهيل العقل العراقي الوطني
وتخلصه من الولاءات الطائفية والعرقية ، وترسخ مفهوم المواطنة بأي ثمن بعيدا عن
التشبث بقضايا خارج حدود الوطن كالإنتماء العرقي او الإنتماء الطائفي ، فلا
يمكن ان تكون سوريا مثلا بديلا وطنيا للمواطن العراقي ، او ان تكون السعودية
بديلا وطنيا للمواطن العراقي ن او تكون الكويت ملاذا حقيقيا للمواطن العراقي في
مواجهة التهديد بالمخاطر الخارجية ، ولا يجوز ان نعتبر ان قم يمكن ان تقدم
للشيعة بديلا عن النجف من حيث فهم الخصوصية العراقية في التعامل مع مستجدات
الواقع الوطني والإجتماعي ، فهذا يفرض إعادة التفكير في التحرك نحو تأكيد
المواطنة والإرتباط بها بشكل يختلف عن تفكير الإنتماءات الجديدة . |