العالم العربي والقضيّة الكرديّة
 يحي أبوزكريا
Tuesday March 24, 2009



على الرغم من أنّ القضيّة الكرديّة تقع ضمن النسيج الجغرافي والتاريخي والحضاري للعالم العربي والإسلامي , إلاّ أنّ هذا الأخير لم يول القضيّة الكردية الإهتمام الفعلي الذي تستحقه , علما أنّ الأكراد ساهموا على مدى حقب تاريخيّة عديدة في إرفاد الحضارة العربيّة والإسلامية بكل أسباب القوة والتنوّع . وعندما نتحدّث عن العالم العربي والإسلامي لا نقصد بتاتا الشعوب العربيّة والاسلاميّة المغلوبة على أمرها التي لم تساهم قطّ في رسم أيّ سياسة داخليّة أو خارجيّة , كما لم تستشر في أي قضية جوهريّة أو ثانويّة أقدمت عليها الأنظمة العربيّة الرسميّة . ودائما كانت هذه الأنظمة محكومة بالفرار إلى مواقع جغرافيّة تنأى عن مواقعنا بعشرات الأميال الفكريّة والحضاريّة لترتبّ علاقة مع هذه القضيّة أو تلك و يتضح بعد سنين أنّها لم تكن القضيّة التي كان يجب أن تراهن عليها هذه الأنظمة . ومن الأسباب المركزيّة التي حالت دون إهتمام العالم العربي الرسمي بالقضيّة الكردية أنّ هذه الأنظمة لم تنصف الأقليّات وحتى الأثنيات الموجودة في دوائرها الجغرافيّة , فكانت دوائر القرار ترى أنّ الاهتمام بهذا الملف الكردي وإيلائه الإهتمام السياسي والإعلامي اللازم سيؤول إلى فطنة الأقليات في هذا الأقليم أو ذاك وبداية مطالبتها بالحقوق السياسية والثقافيّة , بالإضافة إلى أنّ الأنظمة العربيّة توافقت ضمنيّا على ضرورة عدم إثارة الملفات الداخليّة لكل دولة , وتحت عنوان عدم التدخل في الشؤون الداخلية ضاعت حقوق عديدة وأزهقت أرواح ودمرّت جماعات وأبيدت مجموعات بشريّة عن بكرة أبيها . وقد ساهم توزّع الأكراد بين دول وأنظمة سياسية لها تاريخ عريق في المنطقة العربيّة إلى عدم سعي الدول العربيّة في إحراج الدول التي تمسك بالملف الكردي , فعلى سبيل المثال كانت دولة العراق في العهد السابق و قبل أزمة الخليج الأولى والثانيّة تتمتّع بعلاقات إيجابية مع معظم الدول العربيّة اللهمّ إلاّ سوريا في تلك الحقبة التاريخية , وبالتالي كان يصعب على الدول العربيّة أن تفاتح العراق في الملف الكردي رغم المحن الكبيرة التي تعرضّ لها الأكراد منذ شروعهم في المطالبة بأبسط حقوقهم في العراق . كما أنّ العديد من الدول العربية المحسوبة على الخط الأمريكي في المنطقة كانت ترى حرجا في مفاتحة إيران الشاه التي كانت تعتبر شرطي أمريكا في الخليج فيما يتعرّض له الأكراد في إيران من تجاوزات خطيرة وسحق مطلق لهويتهم وفرض التفريس عليهم بقوة الدبّابة والقوانين الصارمة . والأمر عينه ينطبق على تركيا . إنّ اللامبالاة التي أبداها العالم العربي الرسمي تجاه الملف الكردي وعدم المساهمة في حلحلته رتبّ على القضيّة الكرديّة مجموعة أمور منها : التوجّه إلى العنف كحلّ وحيد لإقرار الحقوق السيّاسية والثقافيّة المشروعة والتوجّه إلى الإرادات الدوليّة وعواصم القرار الغربي في محاولة لشدّ الإهتمام للملف الكردي , والأخطر من ذلك بناء جدار برلين بين التيارات التحرريّة العربية والقوى التحرريّة الكرديّة التي إستجابت لردّة فعل تجاه الصمت العربي المطبق من القضيّة الكرديّة . ورغم أنّ الشعوب العربيّة من المحيط وإلى الخليج والشعوب الكردية في المربّع الجغرافي الذي تواجدت ومازالت فيه قد تعرضّت إلى الإضطهاد والإستبداد والظلم والمصادرة إلاّ أنّ الساحة السيّاسية في العالم العربي أو مناطق تواجد الأكراد أو في المنافي لم تشهد ميلاد حركة تنسيقية عربية كردية تحمل شعار مقاومة الظلم وإسترجاع الحقوق المهضومة . بل على العكس من ذلك فإنّ الشارع العربي بات يشكك في الشارع الكردي في أدائه السياسي و الشارع الكردي بات هو الأخر مستاءا من الشارع العربي الذي يتأخّر في نظره في نصرته , وبهذه الطريقة نجحت الأنظمة الإستبداديّة في تمزيق عرى التواصل بين القوى الحيّة في واقعنا العربي والاسلامي .
لكنّ الإشكاليّة التي يحلو للباحثين ترديدها هيّ أنّ الأواصر بين القوى العربيّة التحرريّة والتنويرية مقطوعة , والعلاقات بين القوى الكرديّة معدومة ووصلت في أحيان كثيرة إلى حدّ الصدام فكيف يمكن التوفيق بين القوى العربية التنويرية والقوى الكردية الطليعيّة !!

 العرب والأكراد : المصير الواحد

مبدئيّا يجب أن نشير إلى أنّ العرب والأكراد يشتركون في مساحات تاريخيّة وجغرافيّة وحضاريّة ودينية واسعة للغاية , ويقّر الأكراد كما العرب على أنّ الاسلام أردف شخصيتهم ووجودهم بكثير من المفردات والمعاني ولذلك يمكن جعله قاسما محوريّا بين العرب والأكراد . ولازال العرب يتذكرّون بكثير من الاعتزاز والسمو ماقدمّه صلاح الدين الأيّوبي الكردي للعرب والمسلمين عندما نافح عن بيضة الدين وردّ هجمات الصليبيين عن العالم العربي والإسلامي . ويعتبر الإسلام أهم صائغ للرؤية الكونيّة والعقائديّة التي من خلالها ينظر الأكراد والعرب على السواء إلى الكون وماهيّة الوجود وصيرورة هذا الوجود , وفي ذلك خلفيّة مركزيّة يجب أن يبنى عليها أيّ خطاب سياسي أو فكري لصياغة أي علاقة كرديّة عربيّة . وغير الإسلام فإنّ عامل الزمن قد ساهم إلى أبعد الحدود في تلاقي وتمازج الأكراد بالعرب والعكس , وقد تكرس هذا التمازج من خلال التداخل الجغرافي لمواقع الأكراد ومواقع العرب المكانيّة , فالأكراد وجودهم تاريخي في المنطقة التي نصطلح على تسميتها بالعالم العربي والإسلامي والعرب وجودهم تاريخي في مناطق الأكراد , وحتى إذا تمكنّ الأكراد من إقامة مشروعهم القومي والسياسي فإنّ أقرب حلفائهم المركزيين سيكونون العرب والمسلمين لأنّه من غير المنطقي إهمال حقائق التاريخ والجغرافيّا في مجال المشاريع السياسيّة الكبرى , ولا يمكن أن تكون واشنطن على سبيل المثال هي الحليفة المرتقبة للمشروع القومي الكردي وهي التي جيرّت القضية الكردية لصالح حساباتها السيّاسيّة والإستراتيجية وساهمت مع حلفائها في العالم العربي في وأد القضية الكرديّة وملاحقة رموزها بأثمان باهظة مدفوعة من قبل عواصم المحور الأمريكي في خطّ طنجة جاكرتا ( خطّ عرض العالم الاسلامي ) وبموادها الكيمائية قتل الآلاف في مدينة حلبجة . كما لا يمكن تصوّر أن يقيم الأكراد في حال تحقيق مشروعهم القومي علاقة إستراتيجية مع عواصم القرار الدولي المتورطة في وأد القضيّة الكرديّة والمزودّة الأساسيّة للأسلحة للمحاور الجغرافيّة التي يتمركز الأكراد في نطاقها . ويبقى القول أنّ الحليف الطبيعي للمشروع الكردي هي الشعوب العربيّة والإسلامية , وعلى هذا الأساس يجب أن تعيد الحركة الكرديّة بكل شقوقها بناء خطابها السياسي والفكري بما ينسجم مع حقائق التاريخ والجغرافيّا , كما أنّ هذه الحركة عليها أن تعيد الإعتبار للإسلام الذي أعطى الأكراد الكثير وليس كمّا روجّ له يساريو الحركة الكردية من أنّ الإسلام إستأصل الأكراد من واقعهم الجغرافي والتاريخي والشخصاني . كما أنّ العرب عليهم أن يتخلّوا عن عصبيتهم القوميّة والتي تحول بينهم وبين الإقرار بحقوق الثقافات الأخرى التي كانت متجذرّة في الواقع العربي والاسلامي .
إنّ الاسلام من أكثر العناصر قدرة على إجراء مصالحة تاريخيّة بين العرب والأكراد ومثلما جمعهم في حقب تاريخيّة سابقة في ساحات جهاد واحدة وفي ساحات بناء حضاري واحدة قادر اليوم أن يصيغهم في مشروع متكامل , ولهذا وجب على الأكراد كما العرب إجراء مصالحة مع النفس ومع الذات , وإجراء مراجعة شاملة لمفردات الخطاب الفكري والسياسي الذي صاغ المسلكيّة السياسية للعرب أو للاكراد ومن ثمّ الإنطلاق نحو خطاب إنفتاحي يستوحي مقومات الموروت الحضاري الإسلامي القائم على مبدأ العدل والمساواة في الحقوق والواجبات من أجل رؤية مستقبليّة أكثر إشراقا . وفي هذا السيّاق قد يبادر بعض الأكراد الى طرح اشكاليّة من قبيل أنّ العرب أولى بصناعة خطاب جديد يستوعب الأكراد كأمة ذات استقلاليّة في الخصوصيّة على اعتبار أنّ العرب في مرحلة الدولة والأكراد في مرحلة النضال من أجل الدولة أو من أجل المشروع المستقّل !
وهذه الإشكاليّة وان كانت وجيهة إلى حدّ ما إلاّ أنّه لا ينبغي المزج بين حركة الأنظمة والشعوب وتحديدا عندما يتعلّق الأمر بالعالم العربي والإسلامي , لأنّ النظم العربية والإسلاميّة كانت على الدوام في الإتجاه المعاكس لتطلعّات الأمة وآمالها ومشروعها الحضاري , ومثلما ينافح الأكراد عن مشروعهم السياسي والثقافي وهذا من حقّهم , تناضل الشعوب العربيّة والاسلاميّة من أجل حقوقها في الديموقراطيّة ومبدأ التداول على السلطة وحريّة التعبير وغير ذلك من الحقوق التي باتت في الألفيّة الثالثة من البديهيات لكنّها في العالم العربي والاسلامي من المحرمّات . وبدل الدخول في جدل عقيم حول من أولى بانصاف من ! وفتح ملفات الماضي , فإنّه من الضرورة بمكان إعادة رسم معالم إستراتيجيّة كرديّة عربيّة في الفكر والسياسة والحركة وكل ذلك من أجل الأجيال القادمة التي يراد لها أن تنسى خصوصيتها في زمن العولمة والكوكبيّة .
ولن يتأتّى إحقاق هذه الخطوة بدون فتح حوار موسّع بين الأنتليجانسيا العربيّة والكرديّة والتي بيدها القدرة على نسج هذه الاستراتيجية في ضوء تراكمات التجارب السابقة .
وعلى الإنتليجانسيا العربيّة أن تقرّ بأنّ الشعب الكردي قد تعرضّ إلى مظلوميّة عزّ نظيرها وأنّ المثقف الذي يرفض الظلم في كمبوديّا والفيتنام والجزائر والصومال عليه أن يرفضه في كردستان , حتى لو كان الذي يمارس لعبة إبادة الشعب الكردي نظام يدّعي أنّه على صلة بالعروبة , فالظلم لا إيديولوجيا له ولا قاعدة فكريّة له , الظلم ظلم وهو مستنكر في كل كل الشرائع والأديان والفلسفات البشريّة . ومثلما إهتمّت الإنتليجانسيا العربيّة بكبريات القضايا السيّاسية والفكرية في القارات الخمس , فمن باب أولى إيلاء القضيّة الكرديّة إهتماما من نوع خاص لما لهذه القضيّة من تداخل عميق بواقعنا العربي والإسلامي .
وفي الظرف الراهن لا يمكن المراهنة على الأنظمة العربيّة لإيجاد حلول جذريّة للقضية الكرديّة باعتبار أنّ النظام العربي الرسمي يسجّل باضطرّاد إنهيارات خطيرة في كافة المجالات, ولا يمكن منطقيّا المراهنة على المريض في تفعيل أيّ موقف . المراهنة الوحيدة يجب أن تكون على الإنتليجانسيا العربيّة والكرديّة والتي بدورها يجب أن تتفاعل وفق الأسس السالفة الذكر وخلق خطاب منسجم ونشره بين الجماهير العريضة .
إنّها خطوة كبيرة , ومغامرة غير مسبوقة , لكن يجب أن نبدأ !