|
بسم الله الرحمن الرحيم
د. أحمد صبحى منصور
تفكيك فهمى هويدى
ردا على مقالته( تفكيك الاسلام )المنشورة بالأهرام وغيرها يوم الثلاثاء الأخير
من مارس 2005
ليست هذه هى المرة الأولى التى يهاجمنى فيها فهمى هويدى ولن تكون الأخيرة .
انه يتهمنى بالعمل مع آخرين على تفكيك الاسلام، مع ان الاسلام الذى أومن به لا
مجال فيه للتفكيك لانه القرآن الكريم فقط وهو المحفوظ من لدن الله تعالى
والمنزه عن التحريف وعبث البشر. قد يقال انه يخلط بين الاسلام والمسلمين و
يتهمنى بالعمل على تفكيك المسلمين. ولكن تفكك المسلمين الى فرق قد بدأ فى عهد
الصحابة والفتنة الكبرى، ثم تطوروتشعب. ومنذ عشرة قرون وحتى الآن فالمسلمون قد
تفككوا الى ثلاث طوائف كبرى هى السنة والشيعة والصوفية. وكل طائفة منها تفككت
داخليا الى مذاهب وفرق مختلفة. طائفة السنة تفككت الى اربعة مذاهب فى القرن
الثالث الهجرى، أشدها تزمتا المذهب الحنبلى ، ما لبث الحنابلة ان تفككوا أيضا
الى تيارات متشددة مخنلفة كان أشدها تشددا ابن تيمية فى القرن الثامن الهجرى،
من خلال التيار التيمى نبت تيار أشد عنفا وتطرفا فى العصر الحديث هو الوهابية
فازداد بها السنة تفككا. والى الوهابية ينتمى فهمى هويدى يعتبرها وحدها الاسلام
نافيا كل المسلمين الآخرين ومتهما كل من يناقش الوهابية بالعداء للاسلام او
تفكيك الاسلام ويقوم بالتحريض عليه. ويعتبر الارهابيون تحريضه فتوى بالقتل
فيفقد المفكر أو المثقف حياته علنا – كما حدث مع الدكتور فرج فودة- أو يختفى
دون أن يستدل عليه أحد – كما حدث مع الكاتب الصحفىرضا هلال، أو يضطر للهجرة كما
حدث معى ومع حامد أبو زيد، أو يصرخ محتجا مرتاعا من المصير الذى ينتظره كما حدث
مع الدكتور سعد الدين ابراهيم وآخرين. ان ضحايا فهمى هويدى كثيرون ، منهم من
قضى نحبه ومنهم من ينتظر !!
لنقرأ معا مقالته " تفكيك الاسلام"لنتعرف معا على تلك الحالة المسماة فهمى
هويدى.
تحدث هويدى : "عن مساع يبذلها الكاتب الأمريكي المتطرف
دانيال بايبس لانشاء معهد اسلامي تقدمي يمثل اصوات المسلمين الليبراليين في
الولايات المتحدة ".ويقول:. "مشروع بايبس أسفر عن إنشاء مركز تقدمي باسم مركز
التعددية الاسلامية, أعلن ان الهدف منه هو تشجيع الاسلام المعتدل في الولايات
المتحدة والعالم, ومحاربة نفوذ الاسلام المسلح, واحباط جهود المنظمات ذات
التوجه الوهابي المتطرف, من خلال وسائل الاعلام, وبالتعاون مع المنظمات
الحكومية الأمريكية". ويقول:" في مقالة تالية نشرتها الوكالة للكاتب ذاته
في2005/2/24 معلومات أخري مهمة عن مسئولي المركز وعن مصادر تمويله. فمديره
امريكي مسلم اسمه ستيفن شولتز, ... أما مساعده فهو مصري, كان قد فصل من
الأزهر في الثمانينيات بسبب انكاره للسنة النبوية, وسافر الي الولايات
المتحدة لبعض الوقت, ثم عاد الي مصر ليصبح أحد أركان مركز ابن خلدون(!) ـ
وبعد المشكلات القضائية التي واجهها المركز ومديره في عام ألفين اختفي من
مصر, وظهر مرة أخري في الولايات المتحدة, ليصبح أحد دعاة الاسلام الأمريكي
المعتدل, وقد أورد اسمه دانيال بايبس ضمن آخرين في مقالة تحت عنوان التعريف
بالمسلمين المعتدلين نشرتها له صحيفة ذي نيويورك صن( في2004/11/24)" .
ويقول:"مقالة دانيال بايبس التي نشرتها ذي نيويورك صن ذات أهمية خاصة, لأنها
تكشف عن جهود الاحتشاد المبذولة للتبشير بالاسلام الأمريكي من خلال تفكيك
الاسلام واقصائه. فقد اعتبر أن ذلك الاحتشاد من قبيل الأنباء السارة حيث زف
الي القراء نبأ انخراط بعض المسلمين في حملة مناهضة أنشطة الاسلاميين( يقصد
المتطرفين والراديكاليين) وقال إن هولاء رفعوا أصواتهم بعد أحداث11
سبتمبر. وذكر في هذا الصدد أسماء سبعة اشخاص, من بينهم الدكتور صبحي منصور
المفصول من جامعة الأزهر, والدكتور بسام طيبي, وهو من غلاة العلمانيين
السوريين." ثم يقول :"لعلي لاأكون مخطئا إذا كنت قد أخرجت تلك الجهود من
دائرة البراءة, علي الأقل فيما يتعلق بالوسائل والمقاصد, اذ من حق المرء ان
يستريب فيها, حين يجد ان الذين يساندون الاعتدال الاسلامي والتجديد هم نفر من
عتاة المعادين للاسلام والمسلمين والمتحالفين مع اسرائيل, ومن حقه ان يثير
العديد من علامات الاستفهام حول العلاقة بين تلك الأنشطة, وبين حرب الأفكار
التي أعلنتها الادارة الأمريكية في أعقاب11 سبتمبر, واستهدفت بها العمل علي
اعادة تشكيل العقل الاسلامي, بالتوازي مع اعادة رسم خرائط المنطقة في اطار
مشروع الشرق الأوسط الكبير. كما ان من حقه ان يثير علامات استفهام اخري حول
علاقة تلك الأنشطة بالمقترحات التي تضمنها تقرير مؤسسة راند الأمريكية
للأبحاث, لتفكيك الاسلام واعادة تركيبه تحت عنوان الاسلام المدني والديمقراطي
خصوصا ان بعض تلك المقترحات وجدت لها ترجمة وتجسيدا في الأنشطة التي مررنا
بها, سواء في منطلقاتها العلمانية أو في استحداث واجهات وقيادات جديدة بديلة
لما هو قائم, أو في الهجوم علي الاسلام المحافظ والتقليدي, أو في تشجيع
تيار التصوف. ومن حق المرء أيضا ان يتساءل عن أصداء تلك الأنشطة التي تجلت في
العالم العربي مؤخرا, وتمثلت في بعض المراكز والمنظمات العلمانية التي تصدت
للشأن الاسلامي, وخاضت في مسألة تغيير الخطاب الديني, وتعديل مناهج
التعليم, ومحاولة اصطناع قيادات فكرية اسلامية ملتزمة بالأجندة العلمانية."
ونعلق عليه بايجاز:-
أولا:ان كل تلك المعلومات التى ينقلها هويدى
منشورة ومعلنة على الملأ فى المجتمع الامريكى المفتوح الذى يفرض حرية المعلومات
ويمنع حظرها، والاعلان عن كل هذه الانشطة مسبقا يدل على انعدام المؤامرة .
ثانيا: الاتجاه السلفى الذى ينتمى اليه فهمى
هويدى يقوم على تقسيم العالم الى معسكرين : 1- دار الاسلام – وفيها يحتكر
المذهب السنى دين الاسلام لنفسه ويتهم المسلمين الشيعة والصوفية بالكفر والشرك
ويضطهدهم فى تسلطه السياسى كما يضطهد أهل الكتاب من أصحاب البلاد الأصليين
الذين تمسكوا بدين آبائهم وأجدادهم. 2.- دار الحرب وهى بلاد الغرب الواجب
قتالهم لنشر الاسلام وارغامهم عليه ، واعتبار ثقافته غزوا فكريا وتفسير المصائب
التى تحدث لنا على انها بسبب تآمر ذلك الغرب علينا. هذه هى الخلفية التى تنبع
منها مقالات فهمى هويدى وأمثاله. ومقاله " تفكيك الاسلام " دليل على هذا.
فالعنوان " تفكيك الاسلام"يشير الى اعتقاده باحتكار الاسلام بحيث ان أى مسلم
آخر لا يجوز له ان يفكرأويجتهد خارج الاطار الذى يعرفه هويدى والا أصبح مفككا
للاسلام. والأمريكيون الذين دخلوا فى الاسلام عن غير طريق المذهب السنى لا يحق
لهم ان يختاروا طريقا للعبادة غير طريق السلف وما وجد عليه السلفيون آباءهم
والا أصبحوا مفككين للاسلام . وكالعادة لا يرهق هويدى نفسه فى المناقشة لآراء
المخالفين له لأنه ليس متخصصا فى الاسلام وعلومه ولا تتعدى معارفه الاسلامية
معرفتى الشخصية بجزيرة كوبا، ولذلك يسرع الى اتهامنا بالتآمر على الاسلام .
ثالثا: منذ 1977 وانا أحمل على كاهلى مشروعى
الفكرى لاصلاح المسلمين سلميا بالقرآن، فتعرضت للاضطهاد داخل الأزهر وخارجه من
الفصل من جامعة الازهر الى السجن والملاحقة الأمنية الى النفى مرتين . فى المرة
الأولى التى هربت فيها الى أمريكا سنة 1988 بعد خروجىمن السجن كان السبب فيها
هو فهمى هويدى. لم يشأ هويدى ان يهاجمنى وأنا فى السجن لا استطيع الدفاع عن
نفسى وأنا أتلقى هجوم عشرات الاقلام تتهمنى بانكار السنة. انتظر هويدى الى بعد
خروجى من السجن مرعوبا ليقذفنى بهجوم هائل تحت عنوان " السنة بين الافتراء
والاجتراء" ملأه بهجوم على شخصى بالاسم والوصف مؤكدا تكفيرى بكل ما يستطيع من
فتاوى. فى اليوم التالى قابلت صدفة بعض الرفاق القدامى من المنتمين للجماعات
فرايت الرعب فى وجهه ونصحنى بسبب المعرفة القديمة بالاختفاء لأن مقال فهمى
هويدى قد وضح حياتى فىمربع الخطر. جاءت اشارات اخرى تحذيرية من أخوة أزهريين
وسلفيين شرفاء، كنت قد بعثت لهويدى برد ادافع فيه عن نفسى وارسلت منه نسخة
للاهرام ولكن لم ينشر الرد، فاضطررت للهرب بحياتى الى أمريكا ومكثت فيها عشرة
أشهر حتى زال تأثير مقال فهمى هويدى فرجعت .
مشروعى الفكرى يؤكد بالقرآن أن الاسلام هو دين العدل والديمقراطية والتسامح
والسلام وحرية العقيدة وحقوق الانسان، وان الله تعالى بعث محمدا رحمة للعالمين
وليس ليقاتل الناس ليكرههم فى الدين ويقسم العالم الى معسكرين، وانه تعالى
خلقنا أخوة من اب واحد وأم واحدة وجعلنا شعوبا وقبائل لنتعارف لا لنتقاتل وان
أكرمنا عند الله تعالى هو أتقانا وذلك ما سيتم تحديده يوم القيامة وليس الآن
حتى لا يتظاهر بعضنا بالتقوى ليركب ظهورنا باسم الدين ، وان الله تعالى جعل لنا
ولأهل الكتاب شرائع مختلفة لنتسابق فى الخيرات لا لنتسابق فى التعصب والاثم.
وتأسيسا على هذا المنهج الفكرى عملت بعد عودتى لمصر مع فرج فودة الى أن قتلته
فتاوى فهمى هويدى،ثم عملت مع منظمات حقوق الانسان، واشتركت مع مركز ابن خلدون
فى نضاله التنويرى ومشروعاته الاصلاحية ومنها مشروع اصلاح التعليم المصرى
وغيرها، وفى كل هذا النضال كانت مقالات هويدى تلاحقنا تحرض الأمن والارهابيين
الى ان أغلقت الديكتاتورية المصرية مركز ابن خلدون وقبضت على الدكتور سعد الدين
ابراهيم واعتقلت بعض أصحابى القرآنيين فاضطررت للهرب ثانيا الى أمريكافى
اكتوبر2001.أثناء اشتداد موجة العداء للاسلام بعد تفجيرات الحادى عشر من
سبتمبر.
مشروعى الفكرى تحدث بالانجليزية فى أمريكا مدافعا عن الاسلام موضحا التناقض
بينه وبينه الفكر المتطرف الذى انتج ابن لادن.ودائما ما كنت أرسل أبحاثى وسيرة
حياتى لتنشر على الانترنت والى المثقفين الامريكان مما أسفر عن تراجع موجة
العداء للاسلام وتوجيه التهمة الى مذهب ابن لادن الارهابية فقط ، وعرفوا ما
اصبحوا يسمونه بالاسلام المعتدل.ابحاثى جذبت اهتمام الدكتور بايبس الذى يتهمونه
بالعداء للاسلام والمسلمين ،مع انه يكتب الآن ما يدل على احترامه للاسلام
وحضارته الا انه يناهض مثلى التطرف المسلح . بل انه الآن يقوم بمناظرة اولئك
الذين لا يزالون يتهمون الاسلام كدين ولا يفرقون بينه وبين الارهابيين، وبنفوذه
الفكرى ونشاطه المستمرراجع كثيون مواقفهم، ولكن هذا بالطبع لن يجعل المنظمات
السلفية الوهابية ترضى عنه حتى يتبع ملتها وهذا ما لن يحدث بعون الله تعالى.
كان لا بد من التعاون بيننا ضد التطرف وثقافته الارهابية، هم يريدون الدفاع عن
بلادهم وانا أريد الدفاع عن دينى .
رابعا: أمريكا تتبع القاعدة القرآنية "لا اكراه
فى الدين" فيوجد فيها حسب اعتراف هويدى نفسه1586 جماعة دينية منها 700 جماعة
غير تقليدية، أى ان كل انسان فى أمريكا حر فيما يعتقد او فيما لايعتقد .و
المتطرفون من أتباع "ابن لادن" ابرز من استغل هذه الحرية الدينية الامريكية،
فتوسعوا فى انشاء المساجد الجديدة والسيطرة على القائم منها وشراء الكنائس
وتحويلها الى مساجد ، وهم يسيطرون على نحو 80% من عدد المساجد البالغ عددها
حوالى 1200 فوق التراب الامريكى .وهم يلعنون امريكا فيها ليل نهار باسم الاسلام
فى خطبهم وصلاتهم ومنشوراتهم مستغلين التسامح الامريكى والتبرعات الامريكية
لبيوت العبادة. وهناك عشرات الجمعيات التى ترعى هذا النشاط وتدافع عنه وتبتز
السياسة الامريكية الى درجة ان تعلن نفسها الممثل الوحيد للاسلام والمسلمين فى
أمريكا ، وتدخل البيت الأبيض مدعوة اليه بهذه الصفة. ومعروف انه ما من بلد
"مسلم" يتمتع أبناؤه أو الأقلية فيه بتلك الحرية. الا ان هويدى لا يكفيه الحرية
التى يتمتع بها اخوانه المتطرفون فى حربهم لامريكا فوق أرضها لأنه لا يرضيه
وجود مسلمين شيعة وصوفية فى أمريكا لم ينخرطوا بعد فى الوهابية.
خامسا: .أمريكا فى حرب معلنة بعد اعتداء الحادى
عشر من سبتمبرالذى يوضح من هو الطرف المتآمرالذى يرسل الدعاة والجنود الى "دار
الحرب" مستغلا الحرية الامريكية والانفتاح الامريكى. اكتشفت أمريكا بعد احداث
سبتمبر ان التطرف قد سيطر على أغلبية المساجد والمدارس "الاسلامية" والجالية
المسلمة الأمريكية. اذن هى تحارب ليس فقط اسامة بن لادن وانما اتباعه فى الداخل
الامريكى والفكر الذى ينتمى اليه والذى يسيطر على عقول الملايين من المسلمين
الامريكيين. لو استعملت امريكااسلوب الحكام العرب لأغلقت تلك المساجد وأعدمت
اربابها واعتقلت روادها وحظرت فكرها وصادرت مطبوعاتها، وما كانت فى حاجة لقانون
طوارىء لانها فى حالة حرب مع عدو غير مرئى يستعمل حرب الافكار ويحول الشاب
المتدين العادى الى قنبلة تسعى على قدمين يدمر نفسه والآخرين، وعلى التراب
الأمريكى ملايين من المرشحين لأن يكونوا قنابل انتحارية اذا استمر الشحن
الوهابى فى المساجد والمدارس يغسل عقول الشباب المسلم باسم الاسلام. لو كانت
أمريكا متعصبة ضد الاسلام لاختارت هذا الحل واغلقت كل المساجد متهمة الاسلام
بأنه دين الارهاب مستدلة بزعم الوهابيين بأنهم يحتكرون الاسلام ويتحدثون باسمه.
الا أن التحضر الامريكى اختار الطريق الصعب , فأكد الرئيس بوش على حقيقة ان
الاسلام دين السلام ، ودعى رؤساء المنظمات "الاسلامية" الوهابية الى البيت
الأبض ليستميلهم الى طريق الصواب. وبدلا من حرب الاسلام نفسه وبدلا من اللجوء
الى العنف كان الحل سلميا هو اصلاح المسلمين – فى الداخل الامريكى وفى الوطن
العربى – بالاسلام المعتدل فى تصورهم أو الاسلام الحق كما أقول.
ينقم هويدى على أمريكا حريتها الدينية وحقها فى الدفاع السلمى عن نفسها داخل
ترابها ويرى ذلك تفكيكا للاسلام ومؤامرة تستوجب العقاب يقول محرضا علينا فى
نهاية المقال: " يبدو الاسلام والمسلمون في هذا المشهد كما لو أنهم اصبحوا ساحة
مستباحة لكل من هب ودب, وهي استباحة لاحدود لها, ولا رادع لمن يجترئ
عليها, لاقيمة ولا كرامة لأهلها, الأمر الذي يدعونا الي اضافة سؤال آخر الي
ماسبق, عمن يستحق اللوم ازاء ذلك الذين تطاولوا واجترأوا, أم الذين سكتوا
واستكانوا وانبطحوا؟!"
وبعد .. لقد هربت بحياتى خوفا من تحريض فهمى هويدى وأراه
حتى الآن يلاحقنى محرضا على حياتى حتى وانا فى أمريكا. الى اين أهرب منه بعد
أمريكا؟
لم يعد لى من سبيل لحماية حياتى سوى اللجوء الى الأمم المتحدة..
أن هذا المقال اقدمه شكوى علنية الى الأمم المتحدة ضد الصحفى المصرى فهمى هويدى
الكاتب بجريدة الاهرام المصرية وضد كل من ينشر له مشاركا له فى جريمة التحريض
على حياتى وحياة الدعاة للاصلاح.
قضايا و اراء
43212 السنة 129-العدد 2005 مارس 29 19 من صفر 1426 هـ الثلاثاء
حمــــلة تفكيــــك الإســــلام
بقلم : فهمـي هـويـــدي
حين أقيمت صلاة الجمعة بكنيسة واشنطن, وتولت الخطابة والامامة فيها إحدي
السيدات, لأول مرة في تاريخ المسلمين, فإن ذلك لم يكن مجرد فرقعة أو صرعة
أمريكية, وإنما كان جزءا من حملة واسعة تسعي الي تفكيك الإسلام, سواء باسم
تحديثه أو بدعوي محاربة التطرف والارهاب.
(1) أثناء إحدي الزيارات التي حضرت خلالها مؤتمرا للمسلمين في شيكاغو, توجه
مسلم أمريكي إلي أحد العلماء المشاركين بالسؤال التالي: هل يمكن ان تؤدي صلاة
الجمعة يوم الأحد؟ ـ وبرر سؤاله بأن مواعيد العمل لاتمكنه من صلاة الجمعة, في
حين أن الفسحة واسعة في عطلة الأحد, بحيث يستطيع ان يؤدي الواجب ويعطيه حقه
وزيادة. بدا السؤال مضحكا لأول وهلة, لكن السائل كان يتحدث بجدية بالغة,
وبدا حزينا حين قال له إن صلاة الجمعة ينبغي أن تتم في يوم الجمعة, وإذا لم
يمكن المسلم من أدائها بسبب ظروف عمله, فهو معذور ولا تثريب عليه.
بالنسبة لعدد غير قليل من المسلمين الأمريكيين كان السؤال منطقيا وطبيعيا.
ذلك أن مايتعذر انجازه يوم الجمعة, لن يتأثر نظام الكون لو أنه أنجز يوم
الأحد. تماما كما أن بعضهم تساءل عما إذا كان يمكن الدخول في الاسلام
بالتقسيط, بحيث يتدرج المرء في إقامة الصلوات وبعدها ينتقل الي الصيام ثم
الزكاة.. الخ. ذلك أن بعضهم ممن يتعاملون في كل شئون حياتهم بالتقسيط, في
شراء الثلاجة والسيارة الي شراء البيت, لم يجدوا غرابة في أن يقترحوا نقل
نظام التقسيط إلي كيفية الدخول في الاسلام. وهي ذات العقلية التبسيطية التي
دفعت المسلمين السود في البداية لأن يخلطوا بين نقمتهم علي المجتمع الأمريكي
الأبيض وبين اعتقادهم, فقالوا بأن الله أسود وأن الشيطان أبيض البشرة,
عيناه خضراوان وشعره أصفر!
حين يقترب المرء من العقلية السائدة في المجتمع الأمريكي يدرك ان ذلك التفكير
التبسيطي ليس ناتجا فقط عن السذاجة أو البراءة المفرطة التي يتسم بها قطاع عريض
من الناس, وإنما هي أيضا وثيقة الصلة بثقافة التعامل مع مايسمونه بالروحانية
الجديدة, التي تنطلق من الحاجات, وليس من التكاليف أو الواجبات. وهي من
أصداء التفكير العلماني الذي ينصب الانسان في مكان الإله. إذ حين يستبعد
الغيب ويهمش, فان الانسان يصبح وحده صانع قدره ومصيره, بالتالي فأي
تعاليم, حتي وإن كانت سماوية المصدر ليست عنده آخر كلام, وإنما هي قابلة
للتعديل والتبديل والحذف والاضافة, بحيث يفصل كل واحد التزاماته الدينية حسب
القناعات التي يستريح اليها.
كانت نتيجة ذلك التخليط ان اتخمت الولايات المتحدة بالمعتقدات, حتي أشارت
موسوعة الأديان الأمريكية إلي وجود1586 جماعة دينية بها, بينها700 جماعة
غير تقليدية, بمعني أنه يتعذر تصنيفها كمذاهب أو فرق داخل الأديان العالمية
التاريخية المعروفة.
(2) خارج إطار البراءة يرصد المرء أنشطة عبثية وتفكيكية منسوبة الي
الاسلام, تتحرك في اتجاهين, أحدهما يركز علي ماهو سياسي وثقافي, والثاني
معني بما هو قيمي وأخلاقي. والملاحظة المثيرة والخطيرة في أنشطة التفكيك هذه
أنها تقوم علي عنصرين أساسيين هما, مجموعة من المسلمين المخترقين أو
المتعصبين لأفكار معينة, ومعهم بعض الأمريكيين اليهود المناصرين لاسرائيل,
والمعادين لكل ماهو عربي وإسلامي.
سلط الضوء علي جانب من الأنشطة التي تتحرك في المجال السياسي باحث امريكي اسمه
جيم لوب, في مقالة مهمة بثتها وكالة انترناشيونال برس سيرفيس(
في2004/4/7) كشف فيها الستار عن مساع يبذلها الكاتب الأمريكي المتطرف دانيال
بايبس في مساندته لاسرائيل وكراهيته للعرب ـ والفلسطينيين خاصة ـ لانشاء معهد
اسلامي تقدمي يمثل اصوات المسلمين الليبراليين في الولايات المتحدة وبايبس هذا
يدير مؤسسة باسم منبر الشرق الأوسط للأبحاث, ومقره ولاية فلادلفيا, وله
كتابات عدة ومواقف مشهودة تراوحت بين التخويف من اختلاط العقيدة الاسلامية
بالاسلام المسلح, والتحذير من وجود المسلمين في الولايات المتحدة وما قد
يمثلونه من خطر علي نفوذ اليهود, وانتقاد خطة شارون للانسحاب من غزة.
مشروع بايبس أسفر عن إنشاء مركز تقدمي باسم مركز التعددية الاسلامية, أعلن ان
الهدف منه هو تشجيع الاسلام المعتدل في الولايات المتحدة والعالم, ومحاربة
نفوذ الاسلام المسلح, واحباط جهود المنظمات ذات التوجه الوهابي المتطرف, من
خلال وسائل الاعلام, وبالتعاون مع المنظمات الحكومية الأمريكية. في مقالة
تالية نشرتها الوكالة للكاتب ذاته في2005/2/24 معلومات أخري مهمة عن مسئولي
المركز وعن مصادر تمويله. فمديره امريكي مسلم اسمه ستيفن شولتز, كان شيوعيا
متطرفا( تروتسكيا),
ثم دخل في الإسلام من باب التصوف. وفي تصوفه فإنه تطرف أيضا وأصبحت معركته في
الحياة هي مواصلة الحرب ضد الإرهاب.
أما مساعده فهو مصري, كان قد فصل من الأزهر في الثمانينيات بسبب انكاره للسنة
النبوية, وسافر الي الولايات المتحدة لبعض الوقت, ثم عاد الي مصر ليصبح أحد
أركان مركز ابن خلدون(!) ـ وبعد المشكلات القضائية التي واجهها المركز ومديره
في عام ألفين اختفي من مصر, وظهر مرة أخري في الولايات المتحدة, ليصبح أحد
دعاة الاسلام الأمريكي المعتدل, وقد أورد اسمه دانيال بايبس ضمن آخرين في
مقالة تحت عنوان التعريف بالمسلمين المعتدلين نشرتها له صحيفة ذي نيويورك صن(
في2004/11/24)
أما تمويل ودعم مركز التعددية الاسلامية فتشترك فيه أطراف عدة. حيث ذكر جيم
لوب أنه إلي جانب مايقدمه مركز الأبحاث الذي يديره بايبس, فهناك تجمع
الأمريكيين الشيعة, والمساجد التي تحررت من الفكر المتطرف. ومن أبرز
الداعمين للمشروع نائب وزير الدفاع الأمريكي بول وولفووتيز( مهندس الحرب علي
العراق وأحد ابرز اليهود الناشطين بين المحافظين الجدد) وجيمس وولسي مدير
المخابرات المركزية السابق. ولا داعي لايراد بقية الأسماء, لأن دلالة
الاسمين فيها الكفاية, لكي نتعرف علي اتجاه مركز التعددية الاسلامية,
وطبيعة الاعتدال والتقدمية في أنشطته ومقاصده.
لم يكتف السيد دانيال بايبس بتحريكه لمشروع مركز التعددية, وإنما سعي أيضا
لانشاء مؤسسة اخري مهمتها مناهضة أنشطة الاسلاميين في الولايات المتحدة.
وهدفها الحقيقي هو محاربة الجهود التي تبذلها المنظمات الاسلامية الأمريكية,
التي يصفها بايبس بأنها تمثل الاسلام الراديكالي
علي صعيد آخر فثمة مؤسسة ثالثة باسم ائتلاف المسلمين الأحرار ضد الارهاب,
أنشأها في واشنطن أمريكي مسلم من أصول فلسطينية اسمه كمال نعواش. له محاولات
لم تنجح للانخراط في العمل السياسي, فوجد ضالته في حمل لافتة مقاومة
الارهاب, ومساندة الجهود التي تبذلها الادارة الأمريكية علي ذلك الصعيد(
في2004/8/5 أجرت معه محطة تليفزيون فوكس نيوز ذات التوجه الصهيوني والمعادية
للاسلام والمسلمين والعرب جميعا, حوارا قال فيه ان50% من المسلمين متطرفون
وفاشيون واتهم المنظمات الاسلامية المعروفة في أمريكا بالتحيز للاسلام
الراديكالي)
(3) مقالة دانيال بايبس التي نشرتها ذي نيويورك صن ذات أهمية خاصة, لأنها
تكشف عن جهود الاحتشاد المبذولة للتبشير بالاسلام الأمريكي من خلال تفكيك
الاسلام واقصائه. فقد اعتبر أن ذلك الاحتشاد من قبيل الأنباء السارة حيث زف
الي القراء نبأ انخراط بعض المسلمين في حملة مناهضة أنشطة الاسلاميين( يقصد
المتطرفين والراديكاليين) وقال إن هولاء رفعوا أصواتهم بعد أحداث11
سبتمبر. وذكر في هذا الصدد أسماء سبعة اشخاص, من بينهم الدكتور صبحي منصور
المفصول من جامعة الأزهر, والدكتور بسام طيبي, وهو من غلاة العلمانيين
السوريين.
تحدث أيضا عن ظهور منظمتين جديدتين هما, ائتلاف المسلمين الأحرار ضد
الارهاب, الذي أسسه كمال نعواش, وسبقت الاشارة اليه, ثم المنبر الأمريكي
الاسلامي للدفاع عن الديمقراطية, وقد أسسه شخص اسمه زهدي جاسر.
مايستوقف المرء أيضا في القائمة التي أوردها بايبس, إنه ضم الي الأخبار
السارة تلك المذكرة التي أعدها ثلاثة من غلاة العلمانيين العرب المؤيدين
لاسرائيل والمعادين للتوجه الاسلامي( أحدهما عراقي والثاني أردني والثالث
تونسي), وطالبوا فيها باقامة محكمة دولية لمن سموهم فقهاء الارهاب, وفي
المقدمة منهم الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي. وهي المذكرة التي قدمت الي الأمين
العام للأمم المتحدة قبل اسبوعين, وقيل إن أربعة آلاف من المثقفين العرب
وقعوا عليها( بايبس قال إنهم2500, من23 بلدا مسلما)
غني عن البيان ان هؤلاء الأشخاص وتلك الجهات ليست وحدها الناشطة في مجال تفكيك
الاسلام وتشويهه, فالولايات المتحدة تكتظ بمثل هذه النماذج,( فيها أيضا
نماذج منصفة ومحترمة تحارب ولايسمع لها صوت للأسف) ـ ولكن ماأشار اليه بايبس
يمثل الجهد الجديد الذي يبذل للترويج للاسلام الأمريكي من خلال استخدام اسماء
وواجهات اسلامية. كما إنه يراد لتلك الواجهات ان تكتسب شرعية لتحل محل
المنظمات الاسلامية الأخري الموجودة في الولايات المتحدة منذ أربعة عقود علي
الأقل.
(4) في إطار الاحتشاد الثاني تتحرك مجموعات ترفع راية الاسلام التقدمي,
وتدعو الي التساهل ـ التجاوز ان شئت الدقة ـ في الالتزام بمنظومة القيم
والأخلاق والتقاليد المتعارف عليها في مجتمعات المسلمين. وثمة موقع علي
الانترنت باسم يقظة المسلم, يعبر عن ذلك التوجه, ومسألة الجنس تحظي باهتمام
خاص من جانب المسئولين عن الموقع, الذين خصصوا في إطاره زاوية دائمة عن الجنس
والأمة ومن أشهر الناشطات في تلك المجموعة سيدة ـ باكستانية الأصل فيما يبدو ـ
أنجبت طفلا من خارج الزواج وتقود حملة لتغيير موقف التفكير الاسلامي في
الموضوع, للاعتراف بصحة ماأقدمت عليه, أو قبوله علي الأقل. هذه المجموعة
التقدمية ـ التي تضم عشرات الأشخاص ـ ليس أكثر ـ هي التي تبنت الدعوة الي إمامة
المرأة في صلاة الجمعة, والسيدة الباكستانية التي أشرت اليها توا كانت من
زعماء الاستعراض الذي تم في كنيسة واشنطن للفت الأنظار واشهار الوجود.
بشكل مواز مع هؤلاد تتحرك مجموعة أخري أكثر تحررا تقودها سيدة مسلمة باكتسانية
الأصل, من الشاذين جنسيا, وقد ألفت كتابا في الموضوع بعنوان المشكلة داخل
الاسلام ويجري تسويقها في الاعلام الأمريكي باعتبارها مصلحة اجتماعية وقيادة
فكرية اسلامية كبيرة, تسعي الي تحديث الاسلام وتحريك الجمود فيه.
(5) لعلي لاأكون مخطئا إذا كنت قد أخرجت تلك الجهود من دائرة البراءة, علي
الأقل فيما يتعلق بالوسائل والمقاصد, اذ من حق المرء ان يستريب فيها, حين
يجد ان الذين يساندون الاعتدال الاسلامي والتجديد هم نفر من عتاة المعادين
للاسلام والمسلمين والمتحالفين مع اسرائيل, ومن حقه ان يثير العديد من علامات
الاستفهام حول العلاقة بين تلك الأنشطة, وبين حرب الأفكار التي أعلنتها
الادارة الأمريكية في أعقاب11 سبتمبر, واستهدفت بها العمل علي اعادة تشكيل
العقل الاسلامي, بالتوازي مع اعادة رسم خرائط المنطقة في اطار مشروع الشرق
الأوسط الكبير.
كما ان من حقه ان يثير علامات استفهام اخري حول علاقة تلك الأنشطة بالمقترحات
التي تضمنها تقرير مؤسسة راند الأمريكية للأبحاث, لتفكيك الاسلام واعادة
تركيبه تحت عنوان الاسلام المدني والديمقراطي خصوصا ان بعض تلك المقترحات وجدت
لها ترجمة وتجسيدا في الأنشطة التي مررنا بها, سواء في منطلقاتها العلمانية
أو في استحداث واجهات وقيادات جديدة بديلة لما هو قائم, أو في الهجوم علي
الاسلام المحافظ والتقليدي, أو في تشجيع تيار التصوف. ومن حق المرء أيضا ان
يتساءل عن أصداء تلك الأ |