مشاركة السـنة في حكـومة الجعفري
هل تنقذ العراق من المخطط الأمريكي ؟؟
الدكتور عبدالله يوسف الجبوري
أستاذ عراقي مقيم في ألمانيا



في خضم الأزمة الأمريكية في العراق ، تحاول بعض القوى ان تتظاهر بأن امور العراق باتت هينة وغير بعيدة عن الإنفراج بأتجاه تأسيس حكومة ثالثة بعد الإحتلال والأولى بعد الإنتخابات التي جرت في 30 يناير 2005 ، والتي لم تستطع ان ترى النور حتى يومنا هذا وربما سيطول الزمن امامها كي تولد ويا خوفنا من ولادة مشوهة او غير متجانسة لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون . وإذا كان المشروع الأمريكي يعتمد كليا في نجاحه على نجاح التجربة العراقية في الديمقراطية وبناء المؤسسات التي قبلت ان تخضع لإشراف امريكي مباشر ، فإنه من غير المتوقع ان تقبل شرائح المجتمع العراقي كلها في ان تكون تحت وصاية امريكية الى ما لا نهاية ، وهذا سوف يجعل مجيء أية حكومة مرهون بقبول امريكي لكنه سيواجه رفضا شعبيا عاجلا ام آجلا ، وهذا سوف يقود الى حقيقة مفادها ان التركيبة الجديدة لحكومة الدكتور إبراهيم الجعفري ، قد تصاب بأكثر من هزة سواء من داخل التركيبة نفسها بسبب أن ما جرى من توافق ليس صلبا بالشكل الذي يقدر ان يجعل تجاوز أية أزمة أمرا سهلا ، كما أن التصريح بوجود أزمة ترتكز على مقاطعة شريحة مهمة وأساسية في الحكم ، تمنح الأزمة دفعا الى الأمام ، وهذا ما حدا بالبعض الى التصريح وبأعلى صوته ولا سيما أركان الرئاسة الجديدة او بعض الشخصيات من القوى التي باتت فاعلة في الساحة العراقية ، من ضرورة إشراك مكون أساسي ورئيسي وهم السنة في إدارة البلاد او في كتابة الدستور أو المشاركة في الحكومة الجديدة ، وهذا ما دفع بالبعض ممن يحاولون تجيير موقف السنة او تجيير اليافطة السنية لصالحهم ، امرا لا يعطي قيمة للمشاركة او عـدمها لا سيما وأنهم من القـوائم التي حصـلت على الفتات في إنتخابات الثلاثين من يناير .


وإذا كانت التحركات قد أفضت الى مكسب يعتبر كبير في نظر الحكومة وهو ما صرحت به هيئة علماء المسلمين وأفتت به من ضرورة مشاركة الكل في أجهزة الأمن الوطني والحرس الوطني والجيش العراقي ، وهذا أعتبره البعض بداية لتقارب مهم على هذا الصعيد ، وهو ناتج إيجابي لدعوة الرئيس العراقي الجديد الدكتور جلال الطالباني الذي بدت تصريحاته تصعق البعض ممن حاول تهميش جميع الأوضاع والتركيز على حصد اكبر قدر ممكن من المناصب السيادية منها او غير السيادية ، وبهذا يمكن للدكتور الطالباني ان يلعب دورا أفضل بأتجاه ترجيح التقارب السني مع العملية السياسية بالضد من دفع غالبية السنة الى البقاء بعيدا عن ساحة التعامل مع الحكومة الجديدة . وهذا بدوره أيضا يؤكد ان حرص الأكراد على مشاركة السنة جاء بناء على الرؤية الصائبة لرئيس الجمهورية ، وهو ما يؤكد أن الدكتور الطالباني ينظر الى السنة من وجهة نظر تختلف كليا عما يمكن ان ينظر له بقية أطراف التحالفات الأخرى ولا سيما قائمة الإئتلاف العراقي الموحد، ولكي نبقى في إطار العملية السياسية وإمكانية مشاركة السنة لا بد من تناول مسألة المقاطعة وأسبابها او كحد ادنى عزوف السنة عن هذه المشاركة من البداية وهل هذا كان مبررا أو غير مبررا ؟؟ وهل ان السنة ممثلين بمرجعية حقيقية تستطيع ان تفرض رأيها سواء بطريقة الفتوى او بطريقة إصدار التعليمات وتعميمها على تابعيها او لمن تدعي انها تمثلهم ؟؟


وللإجابة على ذلك لا بد من توضيح مسألة في غاية الأهمية وهي ان دخول القوات الأمريكية الى العراق وإسقاط النظام رافقه تصعيد عدواني من قبل بعض التنظيمات السياسية ، هذا التصعيد العدواني اتهم السنة بأنهم أيتام النظام السابق وأن كل سني يمثل عدوانية صدام وهو خطر يهدد العملية السياسية برمتها ، وقد خلق هذا التجني إحتقانا في الشارع العراقي ، هذا الإحتقان تمثل في عمليات تصفية جسدية لبعض من قوى وعناصر الأمن العراقي في السابق في زمن النظام العراقي المنهار ، وهنا لا بد من الإشارة الى ان التصفية والملاحقة غير القانونية من قبل المليشيات السياسية التابعة لبعض احزاب مجلس الحكم الإنتقالي السشابق ، طالت بالتحديد العناصر السنية حصرا مما شكل ردة فعل مزدوجة ، الأولى : ردة فعل بسبب قانون إجتثاث البعث والذي عمم الموقف العدواني من البعثيين قاطبة ، والثاني : بسبب الإحتلال الأمريكي الذي توجه الى مدن وقرى محددة اتهمت بأنها تأوي عناصر النظام السابق وتجاوزات القوات المحتلة على قيم المجتمع العراقي والدين الإسلامي ، وهذا كان بعضا منه بعلم بعض أحزاب مجلس الحكم الإنتقالي ، أو بتشجيع منها ، مما حدا بالبعض الى أن يتصور ان لا دولة هناك وان الأمر بات محسوما لصالح هذه الميليشيات التي شكلت عامل تهديد حقيقي لطائفة واسعة هي الطائفة السنية ، وعليه يجب القضاء على كل ما هو سني وهذا ما بدأ يروج له بعض من الإعلاميين التابعين لبعض هذه الميليشيات ، وان الدولة القادمة يجب ان تكون إما محصورة بين سلسلة جبال حمرين غربا أي شرق دجلة مكونة بذلك دولة كردستان المستقلة )) ودولة شيعية متمتد من سامراء الى الفاو في الجنوب ، وهذا يعني انك سوف تقضي على ما يزيد عن خمسة الى ستة ملايين سني لتكوين هاتين الدولتين ، وهذا مـما زاد من مخـاوف السنة وفرض عليهم واقع تنظـيم المقاومة وإعتمادها بأسلوب خاص حفاظا على مصالحهم ودرءا للمخاوف التي تواجهـهم .


لقد زاد النعيق الإعلامي غير المسؤول من هذه النبرة وبما ان التصفية الجسدية باتت أحد ادوات البعض الذي يريد تصفية حساباته القديمة مع النظام المنهار ، فقد حدثت ردود فعل مقابلة لذلك ، تمثلت ببعض التنظيمات التب تدعمها القاعدة ، وتم جلب الصنيعة الأمريكية الجديدة (( أبو مصعب الزرقاوي )) ووجدت في الخوف السني تربة خصبة لتأجيج نار الفتنة الطائفية والتي وإن لم تنجح إلا انها أنبتت البذرة التي باتت تنمو بشكل بطيء ولكنها لم تمت حقيقة وللأسف يزداد إرواؤها بدفق النمو شيئا فشيئا .


أسهمت مؤسسة الزرقاوي الأمريكية بقدر كاف في سبيل ميل البعض الى ضرورة الوقوف بجانب القوى التي عانت من المظلومية الطائفية والمظلومية العرقية في زمن النظام السابق ، وإلتحق بها عدد من المتطرفين السنة ولا سيما بعض التنظيمات السلفية ، وبعض أصحاب القرار في الحكمة الجديدة ، الذين لهم منافع من تأجيج الوضع الطائفي ، وقد أسهمت هذه التفاعلات جميعا وربما يشار وبشكل خفي الى دور حقيقي لبعض ميليـشيات حزبـية في المـساهمة في عملـيات التفجير والإغتـيال لصالح أزمة طائفية وقد نجـحت الى حد ما في ذلك .


إذن لكي نبقى في صلب ما نحن فيه من قضية مشاركة السنة في حكومة الجعفري ، فإنه لا بد من القول وبصراحة هل فعلا كانت الأحزاب السياسية الكبرى جادة في تأطير العمل الوطني بإتجاه إنتخابات تضـمن للجميع المشـاركة فيها بغض النظر عن المسميات التي إعتمدت في بنائها ؟


لقد قاطع السنة العملية السياسية في ظل الإحتلال وليس العملية السياسية كهدف وطني يرمي الى بناء عراقي ديمقراطي إتحادي موحد ، وهنا لا بد من التنويه الى أن مجيء الحزب الإسلامي العراقي الى العملية السياسية الممثلة بمجلس الحكم الإنتقالي ، غير قابلة لتمثيل السنة وهذا أضاف معضلة جديدة حيث كان السنة بعيدين عن قضية الإعتراف بتمثيل ديني لهم او تمثيل سياسي بالطريقة التي أفرزها الإحتلال ، كما ان مشاركة البعض من أعضاء الأحزاب العراقية الأخرى في العملية السياسية من السنة لا يعني ان السنة سوف يكونون قريبين حقا من الجسم السياسي الجديد لدولة تخضع بكامل كيانها السياسي والإقتصادي والأقليمي والدولي تحت إحتلال لا يفهم من حاجة العراق سوى مصالحه ومشاريعه التي كانت ولا زالت تعتمد على تحويل العراق الى قاعدة للإنطلاق بإتجاه إسقاط الأنظمة المجاورة للعراق .


إذن عملية الإدعاء بتمثيل السنة في العملية السياسية أضحت غير متكاملة حقا وما تولد عنها كان مشوها وغير قابل للتطبيق ، والآن وما دامت حكومة الدكتور إبراهيم الجعفري غير قادرة على فهم واقع السنة في العملية السياسية ، فمن غير الممكن تدجين عدد من السـنة بثوب طائفـي وسحبـهم الى موقع في الحكومة الحالية وعندها يقال ان السـنة أشتركوا بالعملية السياسية ، ولو كان ذلك حقا فلماذا تعاني الحكومة من كل هذا العسر في الولادة ؟


أن يمثل السنة ،، أرى انه من الواجب ان تسود الصراحة في الطرح وتكون الشفافية عنوان التعامل مع كل الأطراف ، بغض النظر عن حصد المغانم لصالح طرف على حساب بقية الأطراف ، وأجد أنه من المفيد التأشير الى ضرورة ان تبرز مساندة من القوى الممثلة في المجلس الوطني العراقي الجديد ، لما يريده ويدعو إليه السيد جلال الطالباني ، وللحقيقة أن هذه الدعوة نجد فيها نفسا مخلصا وبعيدا عن الخوف مما يمكن ان يتوقعه البعض في المجاميع السنية ، وأول هذا الخوف هو مسألة رحيل القوات المحتلة من العراق ، ومسألة الإعتراف بالمقاومة العراقية ، وهو امر لا يمكن تجاهله فأمريكا بادرت من جانبها بهذا التوجه وما يقوم به وزير الدفاع الشعلان ليس بعيدا عن هذا الوضع ، كما ان مسألة إجتثاث البعث هي الأخرى تعتبر حساسة ودعوة السيد جلال الطالباني الى ضرورة التعامل مع المكونات العراقية من خلال ماضيها أهي في خانة الإجـرام ام في خانة المـواطنة ، وما جرى في العهد السابق عبارة عن شيء تتحمله أسماء معـينة في الساحة العراقيـة ؟؟


إن قصية مشاركة السنة ربما تكون عامل إيجابي وهذا امر شبه مؤكد ولكن من هم السنة في نظر الحكومة الحالية .. هل هم عناصر المقاومة ؟؟ هل هي هيئة علماء المسلمين ؟؟ هل هم أعضاء المجلس الوطني العراقي من الطائفة السنية ؟؟ أم هل هي مناطق جغرافية وإجتماعية واسعة تمثل أربعة الى خمسة محافظات وتمثل أكثر من 40% من سكان العراق وربما مساحته .


يبقى على الحكومة الحالية ان تنظر الى ضرورة أن تكون هذه المساهمة ليس من باب الترضية أو تقريب وجهات نظر على حساب القضية الوطنية ، بل يجب ان تنظر لها على انها عامل دفع قد يتحول بإتجاه المساهمة الفاعلية ومنح العراق فرصة للتحرر من القيد الأمريكي ، وهنا لابد للسنة من دعم أي موقف إيجابي للحكومة بهذا الصدد ، وأعتقد ان السيد جلال الطالباني بات بأسلوبه السياسي ودوره الوطني يبدد الى حد ما مخاوف السنة جميعا وهو ربما يكون قادرا على تبديد مخاوف اكثر من فئة وشريحة إجتماعية ربما تكون محسوبة على السنة ولكنها في النهاية هي من هذا الجسيد الوطني . وأن تدخل القوات الأمريكية بكل صغيرة وكبيرة بات مسألة حساسة ، وما زيارة السيد رامسفيلد وتصريحاته الأخيرة وإجتماعه بالحكومة وتشكيلاتها السياسية إلا دليل على ان السنة لا يريدون لأمريكا ان تتدخل أبعد من ان تعلن موقفها من قضية جدولة الإنسحاب ، وأن يتم حسم هذا الأمر الى جانب الإعتراف بالمقاومة ، ربما يكون موقف السنة المتشدد من هذا التدخل عامل إيجابي لصالح مستقبل العراق السـياسي وأستقلاله وبناء علاقات داخلـية واضحة المعالم على المدى القريب والبعيد .


إن الأكراد ليس من مصلحتهم الآن ولا من مصلحة السنة أيضا أن يحتدم الخلاف الوطني وفق مسميات طائفية او عرقية ، فلكلاهما يحتاج الآخر ، وهما أيضا لا يمكن لهم ان يتصرفا بمعزل عن الشيعة العرب الذين ربما يرون في إبتعاد السنة مسألة غير مقبولة لا من الناحية القومية ولا من الناحية الدينية او الوطنية ، فعليه مطلوب الان أن يتم تنظيف البيت العراقي من الداخلي ويتجه الجميع الى ساحة العمل الوطني وفق شـرط رحيل القوات الأمـريكية بأسرع وقت ممكن ، ومشـاركة وطنية بدون محاصصة ، وتكامل وطـني بدون طائفية او عرقية .