|
From : ibrahim_awad9@yahoo.com
Sent : Saturday, September 3, 2005 9:02 PM
To :
arabtimesnewspaper@hotmail.com
"شيخة الإسلام السحاقية"
والاجتهاد على الطريقة الأمريكية
بقلم د. إبراهيم عوض
كانت البداية مقالاً بعنوان "الكاتبة إرشاد مانجي تطلق حملة الاجتهاد لدعم
الإصلاح في الإسلام" نشرته صحيفة "صوت الوطن" المشباكي فى 9/ 5/ 2005م ومعه
التعليقات التى علق بها بعض القراء، ومنها تعليقٌ جزى الله صاحبه خيرا أشار فيه
إلى موقع الكاتبةعلى المشباك، وهو بالإنجليزية، فانتقلتُ إليه فى الحال، وهناك
قرأت بعض المقالات عنها، ووجدت ترجمة عربية لكِتَابها "مشكلة الإسلام اليوم"،
إلا أننى لم أجد النص الإنجليزى. لذا اكتفيتُ بمطالعة الترجمة العربية، فألفيتُ
جرأة على الإسلام وقحة وأفكارا خبيثة مدمرة، ووجدت أنه لا بد من التعليق على ما
قرأت، فكانت هذه الدراسة التى سيطالعها القارئ بعد قليل. ولكن علينا أولا
الاطلاع على الخبر.
تستعد المؤلفة الكندية المسلمة من أصل باكستاني
إرشاد مانجي، التي تصفها وسائل إعلام غربية بالكابوس الأسوأ الذي يواجهه أسامة
بن لادن، تستعد لإطلاق حملة "الاجتهاد" من أجل تحقيق تعددية الآراء في الإسلام
وتأسيس هيئة تساعد في خلق جيل من الشباب الإسلامي الإصلاحي لاستكشاف ودعم
المزيد من الآراء الجديدة.
وفي هذا السياق قالت إرشاد مانجي في تصريحات لصحفية "الغارديان" البريطانية إنه
لا يمكن لأي مجتمع أو عرق أو دين البقاء بعيدا عن احترام حقوق الإنسان. وتضيف
مانجي في حديثها لـ"الغارديان" صباح اليوم الاثنين 9-5- 2005 "نحن المسلمون
نتآمر ضد أنفسنا وفي أزمة حقيقة لأننا نجر بقية العالم معنا وإذا كانت ثمة لحظة
مناسبة للإصلاح فهي الآن".
وتوضح مانجي حملتها الجديدة "الاجتهاد" عبر الإشارة إلى عقول إصلاحية عديدة في
الإسلام "إلا أننا جميعا نعمل بشكل منعزل ونتحاج لتطوير علاقاتنا ونعتمد على
بعضنا البعض في ذلك". ويبدو حسب الصحيفة البريطانية أن إرشاد مانجي تزور لندن
حاليا للقيام بسلسة محاضرات حول حملتها الجديدة "الاجتهاد" لجمع المزيد من
المناصرين لها في العالم الإسلامي.
وقالت مانجي أيضا بأنها تشعر بقرب النساء المسلمات منها أينما حطت رحالها و"هن
في شوق لمعرفة كيف يمكن الانشقاق عن الآراء التقليدية المسيطرة والتمسك
بالإيمان في الوقت نفسه". وتتابع "نحن بحاجة الآن لتحويل هذا التوق السري
للتغيير إلى ظاهرة صريحة ومعلنة".
وكانت أصدرت إرشاد مانجي كتابا عن الإسلام هو من أكثر الكتب مبيعا في الغرب
واسمه "الخلل في الإسلام دعوة إلى الصحوة من أجل الأمانة والتغيير" الذي نشر في
باكستان وسينشر قريبا في العراق وتركيا والهند.
ومعلوم أن صحيفة "نيويورك تايمز" وصفتها "بالكابوس الأسوأ" الذي يواجهه زعيم
تنظيم القاعدة أسامة بن لادن كما قالت عنها صحيفة "جاكرتا بوست" بأنها واحدة من
ثلاث نساء تصنعن تغييرا إيجابيا في الإسلام.
والآن إلى الدراسة التى عرضتُ فيها لكتاب المدعوّة "إرشاد مانجى"، صاحبة
"الحملة ”اجتهاد”"، ونبدأ بإيراد السطور التالية من صفحة الشكر فى أول الكتاب:
" شكر وتقدير: إني ألبسُ خاتمين: خاتم يرمز إلى
حبي لله، وخاتم للتعبير عن آصرة ارتباطي بشريكتي ميشيل دوغلاس. لذا سأبدأ بشكر
الله، وأكثر ما أشكره عليه هو ميشيل. فمن بين كل ما منحتْني إياه منحتْني أيضا
التولُّع بالعَدْو. وبسبب هذه الهواية أنهيتُ نصف ماراثون في الأيام الأولى من
تأليف هذا الكتاب. وخلال تلك الساعتين اللتين توقف فيهما العقل رأيتُ أشجارا
على يساري، وشلال ماء على يميني، وأبنية امامي، وشعرتُ من صميم قلبي بالتوحيد،
بوحدة خلق الله، الذي يصدف كونه أول ركن من أركان الاسلام. ومن نواحي أكثر مما
يتسنَّى لي تعدادها فإن ميشيل هي صفحة الشكر والتقدير.
آن كولينز من دار "راندوم هاوس: Random House" تأتي أيضا على رأس القائمة، أولا
لشجاعتها في نشر هذه الرسالة- الكتاب. ولكن هذا ليس كل شيء، فالأمانة التي
تحدثتُ بها عن الإسلام قابَلَتْها آن بأمانة مماثلة في كل ما يتعلق بالمخطوطة.
وآن بوصفها حاضنة تحتاج إلى ممارسة، ولكن بوصفها محررة وناشرة ما كان لي أن
أطمح بأفضل منها. كما يستحق بيل كامبل وفريقه في دار "ماينستريم ببليشنغ:
Mainstream Publishing" كل التقدير لموافقتهم على هذا النص في وقت ابتعد عنه
ناشرون بريطانيون آخرون. وهذا تذكير في محله بأن "الاتجاه السائد" لا يعني
بالضرورة اتجاها "تقليديا".
كان هناك آخرون مَنَّ الله عليّ بهم، فإن بول
مايكلز ساعدني على إقامة اتصالات، وفي مجرى ذلك أصبح صديقا موثوقا. وأنا أعتزُ
بصحبته المتألقة فكريا. والجوقة ذات القلوب الكبيرة في مركز هارت هاوس الطلابي
بجامعة تورنتو، وعلى رأسها مارغريت هانكوك، وفَّرتْ لي مكتبا فاخرا ومكتبة
للعمل منهما. وقد أتاح لي ما وهوبه من مكان أن أنكبّ على عملي في البحث
والتنقيب مع الإبقاء على علاقتي في البيت سالمة. فشكرا هارت هاوس. أشكرُ أيضا،
على ما يبدو في ذلك من غرابة، جهازي المحمول لاستخدام البريد الإلكتروني
"بلاكْبري: Blackberry"، الذي سجلتُ وحفظتُ فيه ملاحظات مستفيضة وَجَدتْ طريقها
إلى نص الكتاب. بل إني حتى استخدمتُ جهازي هذا لكتابة مقطع نقدي لم يتحمل
الانتظار الى أن أمتشق القلم والورق من أجل تسطيره. وفي أوقات كهذه أهيمُ
بتضافر التكنولوجيا والإيمان.
رغم أن هذا الكتاب استغرق زمن حياة كاملة قبل أن يختمر فلم يكن لدي سوى عام
لكتابته. وبمثل هذا الجدول الزمني الضيق أسهم كثيرون بسقْطهم: فإن فال روس وجون
بيرس وكندال أندرسن ساعدوني على تشذيب الأفكار من لحظة الانطلاق الأولى، ونشأ
طابور دولي من المشاركين في مجال البحث ـ والذين تطوروا إلى مساعدين هم سمارة
حبيب وكارولين فيرنانديز وميكي سيراك. وكانت معونة ريك ماثيوز وصموئيل سيغيف
كبيرة في تدقيق الحقائق. وإن مداخلات فرانك كلارك وأماندا ساسمان ولينساي
هندرسن حققت لي لقاءات هامة، في حين أن النقاشات المحتدمة مع جيرالدين شيرمان
وروبرت فولفورد وأنا بورتر وأنا مورغان وأماتزيا بارام ودوغ سوندرز ودون حبيبي
وطارق ونرجس فتاح قادتني إلى معارف هامة (ينبغي أن أُشير إلى أن الزوجين فتاح
يختلفان تماما مع وجهة النظر التي أبديتها عن فلسطين، وكذلك مع ما أُوجهه من
اتهام بوجود تواطؤ إسلامي مع الهولوكسوت (المحرقة). ويفضي هذا إلى سبب آخر
للتعبير عن شكري لهما على عدم سماحهما للاختلاف الحاد بأن يُفسد في الود قضية
). كما كان مهما في ثقافتي عملي مع منافذ إعلامية مختلفة بينها "غلوب أند ميل:
Globe and Mail "، و"ستي تي في: Citytv "، و"ماكلينز: Maclean’s"، و"فيشن تي
في:Vision TV "، و"ناشنال بوست: National Post "، و"غلوبال تي في:Global TV "،
و"هيئة الإرسال الكندية"، و"هُورايْزُونْز: Horizons"، وفي المقام الأول "تي في
أونتاريو: TVOntario"حيث للأفكار الكبيرة أهميتها.
إن الدعم الذي أبداه الأصدقاء في لحظات هبوط المعنويات هو ما أُثمنّه أعظم
تثمين. وفي هذا المجال أخصُّ بالذكر سمانثا هايوود وأدريانا سالفيا وأندرو
فيدوسوف وميشال لامورو ومايكل سافج وعصبة بوشكونغ لايك. أما الذين لا يجدون
أسماءهم في هذه القائمة المختصَرة فبإمكانهم التعويل على وجبة عَشاء على حسابي
(لم أذكر إلا أكثر الأصدقاء بذخا لكي لا ينتهي بي المطاف إلى الإفلاس).
وبمناسبة الحديث عن تفادي الإفلاس فمنِّي أعمق التقدير لوكيل أعمالي مايكل
لايفاين وساعده الأيمن، ماكسين كوينغلي".
هذا ما كتبته المدعوّة إرشاد مانجى الباكستانية الكندية فى كلمة الشكر التى
صدَّرتْ بها كتابها: "مشكلة الإسلام اليوم"، وهو الكتاب التى تقول إنها كتبته
لكى تساعد المسلمين على الخروج من مستنقع التخلف الذى هم فيه، والذى تصوِّر
نفسها عبر صفحاته على أنها فقيهة مجتهدة تعمل على تقديم فهم متنور للقرآن
والإسلام يناسب العصر ويضمن للمسلمين أن يتبوأوا المكان الذى ينبغى أن تشغله
الأمم المتحضرة. وكما يقولون فأول القصيدة كفر، إذ إن الشكر الذى وجهته الكاتبة
لله سبحانه وتعالى هو شكره على أنه قد وهبها ميشيل. أتدرون من ميشيل؟ إنها
صديقتها التى تعيش معها كما يعيش أى رجل وامرأة متزوجين، (................)
وهذا ما قالته البنت المفعوصة التى ضحكوا عليها وأوهموها أنها ستكون مجتهدة
الإسلام للقرن الخامس عشر للهجرة، عصر اللوطيين والسحاقيات فى الغرب وأمريكا
وكندا، و"يا ما فى جراب الحاوى"، وما أكثر ما ستَرَوْنَ أيها المسلمون من
البهلوان الأمريكى العجيب وأرانبه وكتاكيته، وكذلك خنازيره، التى يخرجها من كمه
(أو من قبعته. لا فرق، المهم أنه يخرجها والسلام، وإن كان العرض البهلوانى لا
يبعث على السرور، بل على الغم والهم والرعب لأنه عرض الدمار والخراب والقتل
والأحقاد الشيطانية المتسكنة فى قلوبهم السُّود لم تبرد أو يهدأ لها أُوَار على
مدى القرون الطوال من عينة ما تَرَوْنه فى فلسطين وأفغانستان والعراق، والبقية
تأتى، لا جعلها الله تأتى رغم أننا لا نستحق أن يعفينا الله من العقاب، فنحن
المغفَّلون والخونة لأنفسنا بامتياز! هل رأيتم أمة تقدم رقابها للذبح إلى
الجزار راجيةً إياه أن يشرّفها بالقتل بسكينه المتحضر، ومعطيةً إياه المال
بالمليارات، ومزودةً إياه بالجنود والمخابرات، كى يستطيع إتمام المهمة؟ إذا لم
تكونوا قد رأيتم أو سمعتم، فالمثَل الحىّ أمامكم. إنه نحن: أنا وأنتم على
السواء!). أقلت إنهم ضحكوا عليها وأوهموها؟ لا ضحك ولا يحزنون، بل هو مجرد
تعبير تقليدى مما يجرى على اللسان والقلم دون قصد، لأن أمثالها إنما يذهبون إلى
وكر الشيطان بملء حريتهم، تحفزهم إلى ذلك النجاسة المشتركة والخبث المنحط الذى
يربط بينهما! قالت شيخة إسلام آخر زمن دون أن يختلج لها جفن أو تعتمل فى
أعماقها رفّة ندم أو حياء إن هناك سؤالين تريد أن تطرحهما مدخلا لاجتهادها
الفقهى فى هذا الكتاب، ثم تبدأ بالسؤال الأول قائلة: "كيف يمكن التوفيق بين
المِثْلِيّة والإسلام؟ فأنا سحاقية بصراحة (أّنْعِمْ وأَكْرِمْ!). وأختار
"الإفصاح" عن توجهي الجنسي لأني بعدما نشأتُ في بيت تعيس برعاية أب يحتقر
الفرح، لستُ الآن بصدد تخريب الحب المتبادل الذي يمنحني البهجة في سن البلوغ.
التقيتُ أولى صديقاتي في العشرينات من عمري، وبعد أسابيع أخبرتُ أمي بالعلاقة.
استجابتْ كعهدي بها أمًّا حنونًا (يا للحنان الأموى الرهيف! ألذلك جُعِلَت
الجنة تحت أقدام الأمهات؟). وبالتالي فان مسألةَ ما إذا كان بمقدوري أن أكون
مسلمة وسحاقية في الوقت نفسه بالكاد كدَّرتني. فذاك دين، وهذه سعادة. وكنتُ
أعرف أيهما أحتاج أكثر (وهل فى ذلك ريب؟ السِّحَاق طبعا!). واصلتُ حياتي أدرس
الإسلام بصورة متقطعة، وأتعلم الفن الجميل لإقامة علاقات مع النساء (موضوع كتاب
آخر بحد ذاته)، وأنتج برامج للتلفزيون، وأعيش على العموم الحياة متعددة
الاتجاهات لشابة في العشرين ونيف في أميركا الشمالية.
وعندما جعلني عملي في التلفزيون شخصية عامة أكثر شهرة تطوَّر أملي في التوفيق
بين مثليَّتي والإسلام إلى واحد من انشغالاتي. وكان المشاهدون يريدون مني أن
أُبرِّر حالتي الاستثنائية في الجمع بين هويَّتين. وقد دُفِعْتُ إلى نوبة حادة
من المراجعة، بل راودتني حتى إمكانية التخلي أخيرا عن الإسلام من أجل الحب.
اسمعوا: أيُّ حافز أفضل من هذا الحافز للتضحية بأي شيء؟ ولكني كلما أصل إلى
حافة إقصاء نفسي كنتُ أتراجع ، لا بدافع الخوف وإنما من باب الإنصاف، إنصاف
نفسي. وكان سؤال واحد يتطلب مزيدا من التفكير: إذا كان الله العليم القدير لا
يريد أن يجعلني سحاقية فلماذا خلقني سحاقية؟ (صحيح: لماذا؟ أسعفينا بالجواب،
جزاك الله عنا خيرا) هل خلق أحدا آخر بدلا مني؟
التحديات العدائية لـ"تبرير نفسي" أصبحت حدثا يكاد يكون يوميا بعد عام 1998.
ففي ذلك العام بدأتُ أستضيف برنامج "تلفزيون شاذ: Queer Television"، وهو مسلسل
تلفزيوني يُبَثّ على الإنترنت أيضا عن ثقافَتَيِ المثليين والسحاقيات. وكان
البرنامج يتعلق ببشرٍ مثلنا بعيدا عن الإباحية والخلاعة. ومع ذلك فإن مسلمين
أتقياء انضموا إلى أصوليين مسيحيين في الاحتجاج ضد ظهوري على شاشات
تلفزيوناتهم. وفي الواقع أني ما كنتُ أتوقع أقل من ذلك، ولكن هل كنتُ من
السذاجة كي أتوقع أكثر قليلا من ذلك: مناظرة بدلا من مجرد الإدانة؟".
ولعل القارئ لم يفته أن الذين وقفوا يعضّدون هذه السحاقية كلهم من الغربيين
واليهود، وأن الذين شجعوها على تأليف الكتاب ووفّروا لها الجو والمراجع والمال
وراحة البال (مع مستلزمات ممارسة الشذوذ الجنسى بدءًا بميشيل، وانتهاءً بما لا
أدرى ماذا) ونشروه لها هم مسؤولو دار "راندم هاوس: Random House"، وهى دار نشر
يهودية. وبالمناسبة فالكتاب قد تُرْجِم إلى كل اللغات الرئيسية فى القارات
الخمس، ويوزَّع الآن فى كل أرجاء الأرض على أوسع نطاق مع أنه الكتاب الثانى فقط
الذى يحمل اسمها، كما أن المقالات التى تتناوله بالعرض والتقريظ فى كبريات
المجلات والصحف الغربية لا تكاد تنتهى، إلى جانب البرامج التلفازية التى
تُسْنَد إليها لتقديمها، وكأنه لا يوجد أحد فى عبقريتها. فإذا أضفنا أن الكتاب
يفيض بالتغزل فى اليهود والأمريكان، والغرب بوجه عام، ويرمى المسلمين والإسلام
ورسوله وإلهه بكل نقيصة من أجل سواد عيونهم (أو زرقتها على الأصح) اتضحت لنا
ملامح الصورة، وعرفنا أسرار ما يجرى خلف الأستار! ولكى نزوِّد القارئ بعينة
سريعة مما تلقته من تربيةٍ فى صباها تلك البنتُ السحاقية التى يَسْعَوْن لتكون
أول شيخة إسلام فى التاريخ (وكذلك أول من يلبس من المشايخ الطاقية اليهودية
بدلا من العمامة)، لكى نزود القارئ بعينة مما تلقته من تربيةٍ فى صباها هذه
البنتُ التى تشتم المسلمين فى كل صفحة من صفحات كتابها وتشنِّع عليهم وعلى
دينهم ولا ترى فيه أو فيهم إلا كل شر وقبح وغباء، مثلما لا تستطيع أن تبصر فى
اليهود والغربيين ودينهم إلا كل ما هو نبيل كريم ذكىّ متحضر، أَسُوق هذه السطور
من حديثها عن المدرسة النصرانية التى أخذت تتردد عليها فى بيئتها الجديدة التى
انتقلت إليها أسرتها إثر مغادرتها أوغندا فى أيام عيدى أمين حسبما تقول:
"بعد عامين على استقرار عائلتي اكتشف والدي
توافر خدمات مجانية للعناية بالأطفال أثناء غياب الوالدين، في كنيسة "روز أوف
شارون المعمدانيةRose of Sharon Baptist : Church" (ما أن تقول كلمة "مجانا"
للمهاجر حتى تتراجع الانتماءات الدينية إلى موقع ثانوي أمام الصفقة المتاحة في
اليد). وكلَّ أسبوع عندما كانت والدتي تغادر المنزل لبيع منتجات "إيفون"
بالطواف على البيوت كان والدي، الذي لا يكن حبا كبيرا للأطفال، يترك صغاره في
الكنيسة. وهناك كانت السيدة الجنوب آسيوية المشرفة على دراسة الكتاب المقدس
تُبْدِي من الصبر معي ومع شقيقتي الأكبر سنًّا ما تُبْديه مع ابنها الذي من
دمها ولحمها. وهي التي غرست فيّ القناعة بأن أسئلتي كانت جديرة بأن تُسأل.
وبديهي أن الأسئلة التي كنتُ أطرحها طفلةً في السابعة من العمر ما كان لها إلا
أن تكون أسئلة بسيطة: من أين أتى المسيح؟ متى عاش؟ ماذا كان يشتغل؟ ممَّ تزوج؟
هذه الأسئلة لم تضع أحدا في مأزق، ولكن مقصدي أن فعل السؤال، ثم السؤال، كان
دائما يَلْقَى ابتسامة أخَّاذة.
لعل هذا هو الحافز وراء فوزي، في الثامنة من العمر، بجائزة "أفضل المسيحيين
الواعدين لهذا العام". وكانت جائزتي طبعة مصورة بألوان زاهية لمائة قصة وقصة من
الكتاب المقدس. أنَظْرُ إلى الماضي الآن وأحمدُ الله أن المطاف انتهى بي في
عالمٍَ لا يتعين أن يكون القرآن كتابي الأول والأوحد فيه كأنه الغذاء الروحي
الوحيد الذي تقدمه الحياة إلى المؤمنين. زد على ذلك أن طبعة الـ 101 قصة من
الكتاب المقدس سحرتني بصورها. كيف ستبدو 101 قصة من القرآن؟ في حينه لم أرَ
شيئا من هذا القبيل. واليوم ليس هناك شُحٌّ في كتب الأطفال التي تتناول الإسلام
بما فيها كتاب "حرف الألف مفتاح لكلمة الله" من تأليف يوسف إسلام (المعروف
سابقا باسم كات ستيفينز: Cat Stevens)، فالمجتمعات الحرة تتيح إعادة اختراع
الذات وتَطَوُّر الديانات. بعد فترة وجيزة على فوزي بلقب "أفضل المسيحيين
الواعدين" اقتلعني والدي من الكنيسة، فإن مدرسة دينية إسلامية جديدة ستُفتَح
قريبا، وهذه المتشاطرة الصغيرة لا تستطيع الانتظار. وقياسًا على تجربتي في
مدرسة أيام الأحد ستكون المدرسة الإسلامية مسلِّية، أو هكذا افترضتُ ببراءة".
ولست بحاجة إلى أن أوضح للقارئ أن المدرسة الإسلامية التى أخذت تتردد عليها
السحاقية البريئة الطاهرة أعطتها خازوقا كبيرا، إذ طلعت مدرسة "تقرف الكلب" كما
صوَّرَتْها! وهذا أمر طبيعى تماما، وهل كان يمكن أن نتوقع غيره فى حالة تلك
البائسة؟
وكنت قرأت منذ وقت قريب كتاب "النوافذ المفتوحة" الذى يترجم فيه شريف حتاتة
لنفسه، وهو شيوعى مصرى معروف، فلفت نظرى منه أشياءُ مما لفت نظرى فى كتاب إرشاد
مانجى ككراهيته للإسلام وشعائره، والرقة فى ذات الوقت مع الديانات الأخرى، فهو
مثلا يتقبل كل الأصوات العالية المزعجة فى قريته التى عاد للحياة فيها بعد أن
تقدمت به السن، اللهم إلا صوت الأذان، الذى ينعته بالتشنج والوعيد، ويرى فى
علوّه دليلا على الجهل والكذب والنفاق، مع أن مبلغ علمى أن الأذان فى قريتهم هو
نفسه الأذان فى قريتى وفى كل القرى والمدن المصرية والعربية والإسلامية، وأنهم
فى مساجدهم يقولون مثلما نقول: "حى على الصلاة، حى على الفلاح"، ولا يقولون:
"هيا يا أوغاد! تعالَوْا يا أوباش! إلى الصلاة يا غجر! لعنكم الله أيها
المجرمون!" مثلا. ثم إننى لا أدرى كيف يمكن أن يكون الأذان خفيضا. أتراه يريد
من المؤذنين أن يظلوا يصعدون فى المئذنة حتى تنقطع أنفاسهم، ثم بعد ذلك يكتفون
بالهمس به فى أكمامهم لا يُسْمِعونه أحدا؟ وبالمثل نراه يكره سماع ترتيل القرآن
واصفا قرآن الصبح الذى ينزل دائما على القلوب الطاهرة المؤمنة كالبلسم الشافى
بأنه "ينشر الكآبة فى بداية النهار"، رابطا بينه وبين "أصوات اللهاث الحيوانى
للواط"! (وأغلب الظن أنه لواط الشيوعيين يعضهم ببعض فى السجن كما يوحى السياق).
ومما لفت نظرى عنده أيضا المباهاة دائما، بمناسبة وبغير مناسبة، بتربيته
الإنجليزية المتحضرة على يد أمه (وإن لم ينس أيضا ذكر خليلات أبيه وإدمانه
للقمار وكثرة المشاجرات بين والديه بسبب مصروف البيت)، وأنه قد تلقَّى تعليمه
أثناء صغره فى مدرسة نصرانية، وتحمّس لديانة الصليب وفكّر فى اعتناقها فى تلك
السن وفى تهيئة نفسه للقُسُوسة عندما يكبر لولا أن سارع أبوه بسحبه من المدرسة
وتحويله لمدرسة أخرى. كما أن الإطار اليهودى موجود أيضا فى حالته، إذ كانت أمه
الإنجليزية الجنسية ذات جذور يهودية، وإن كانت قد تنصَّرت تبعًا لأهلها، ثم
أعلنت إسلامها بعد زواجها من أبيه ومجيئها إلى مصر، فشكَّك هو فى هذا الإسلام
مُرْجِعًا إياه إلى دوافع مصلحية، وهو ما لم يفعله حين أشار إلى تنصُّرها
وتنصُّر أسرتها من قبل، بل تقبَّل الأمر تقبلا طبيعيا غير واجد فيه ما يدعو إلى
التشكيك. كذلك هناك هنرى كورييل الصهيونى الدنس الذى كان وراء انتشار الشيوعية
فى مصر هو وأمثاله من اليهود الذين استطاعوا تجنيد أعداد كبيرة من الشبان
المصريين مستخدمين الفتيات فى جر أرجلهم عن طريق العهر والإباحية الجنسية مما
تعرض له الكاتب، كى يكونوا حربا ووبالا على الإسلام لا حبا فى الفقراء كما يزعم
شياطين الصهيونية! وقد ظهر هذا فى كلام الكاتب عن الشبان المصريين المتدينين
الذين كانوا يدعون إلى العفة والاستقامة والطهارة الأخلاقية من أجل القضاء على
الفساد وإخراج المحتل الإنجليزى من أرض الوطن، إذ شعر "كأنهم جاؤوا من زمن آخر
مثل أهل الكهف طلعوا علينا"!
وكمثل كتاب مانجى أيضا هناك نصيب للشذوذ الجنسى فى كتاب "النوافذ المفتوحة"،
فقد وصف لنا صاحبه بالتفصيل الحى، وبالصوت والصورة (واللمس أيضا) ما فعله به
خادمهم النوبى فى صباه حين...حين ماذا؟ يحسن أن يرجع القراء بأنفسهم إذا أحبوا
كى يطالعوا اللوحة الناطقة التى رسمتها ريشة الكاتب لهذه الحادثة فلم تترك
شاردة ولا واردة إلا أوردتها، حتى لهاث الخادم وهو يعمل عملته واحمرار عينيه
وعملية الإنزال والمكان الذى تمت فيه من جسده وما أحسّه من دفء السائل اللزج
على أفخاذه، وكيف ذهب إلى دورة المياه بعدها ليغسل المنىّ عن نفسه وملابسه، وقد
أمسك بالسروال فى يديه بعد أن سقط عند قدميه، وكيف كان حذاؤه يصدر صوتا وهو
يسير فى أرجاء البيت بسبب ما تسرب إليه من ماء أثناء التنظيف! وكنت قرأت فى
الصيف الماضى كذلك كتاب "بيضة النعامة" لأحد الشيوعيين المصريين، وفيه هو أيضا
كلام عن انتشار الميول المثليّة بين الشيوعيين فى السجن وتلذذهم بذلك دون أى
حرج على الإطلاق رغم ما يتظاهرون به أمام الناس من النفور من هذا الشذوذ، وهو
ما أثار حنق الكاتب فاتهمهم بالنفاق والمراوغة، إذ يراهم يستنكرون فى العلن ما
يأتونه فيما بينهم ولا يجدون فيه أدنى مؤاخذة، بل يُضْفُون عليه غلالة شاعرية
دافئة!
كما ينتفض فى الذاكرة الآن ما قرأتُه أوائل ثمانينات القرن العشرين فى رواية
نجيب محفوظ: "رحلة ابن فطومة" مما رآه بطل الرواية فى رحلته إلى البلاد التى
ترمز فى الرواية إلى أوربا وأمريكا من تساهل المسلمين الموجودين هناك فى مسألة
الخمر وقيام طائفة منهم بالتظاهر دفاعا عن ممارسة الشذوذ الجنسى. وقد أثار
استغرابى ألا يجد المؤلف من مشاكل مسلمى الغرب ما يستحق معالجته إلا هذين
الموضوعين، فضلا عما لاحظتُه من تعاطف الرواية مع هاتين النزعتين بشبهة الحاجة
إلى تفهم ظروف المسلمين فى تلك البلاد وما يسودها من نزوع إلى الحرية، مع أن
هاتين القضيتين هما آخر ما ينبغى أن يفكر المسلمون فى تقليد الغرب فيهما، إذ لا
ينقصنا بحمد الله ألوان التقهقر حتى نضيف إليها ما يثبِّت تخلفنا ويضاعف الخلل
لدينا. ومما أثار استغرابى فى الأمر أن مسألة اشتراك مسلمى الغرب فى تظاهرات
المطالبة بحق ممارسة الشذوذ الجنسى لم تكن واردة آنذاك، بل لم أسمع أصلا، وأنا
فى بريطانيا أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن المنصرم، أن هناك
مسلمين شواذ، فضلا عن أن يتظاهروا من أجل تقرير حقهم هم وأمثالهم فى ممارسة
اللواط والسحاق، بل لا أذكر أنه كانت هناك مظاهرات لهذا الغرض قام بها غير
المسلمين. وهذه أول مرة أسمع بأن هناك مسلمين ومسلمات شواذّ فى كندا وأمريكا
وأوربا يعضّدون سحاقيتنا هذه ويشتركون فى مؤتمرات خاصة بالشذوذ الجنسى ويتصلون
بها أثناء تقديمها برنامجها الشاذ فى التلفاز يظاهرونها على ما تقوله وتدعو
إليه، ولهم منظمة تدبّر شؤونهم...إلخ.
من أين استمد نجيب محفوظ إذن فكرته هذه الاستباقية؟ أنقول إنها عبقرية الإبداع
الأدبى التى تستبصر المستقبل قبل وقوعه؟ لكن مبلغ علمنا أن الأستاذ محفوظ لم
يكن يوما من "ضاربى الودع"، بل إنه لم يسافر قط إلى أوربا أو أمريكا، فما الذى
لَمَّ الشامى على المغربى وجعل شيخ الروائيين العرب وتلك المفعوصة الشاذة
ينزعان عن قوس واحدة رغم تنائى الزمان والمكان والبيئة والخُلاّن! ألا إنه لأمر
غريب!
لقد كتبتُ، فى أواسط الثمانينات من القرن
الماضى، دراسة تحليلية لرواية "رحلة ابن فطومة" يجدها القارئ فى الفصل الأخير
من كتابى: "فصول من النقد القصصى"، أبديت فيها
استغرابى لموقف عمنا الكبير، ولم يكن فى حسبانى أن هناك فصلاً آخر لم يئن أوانه
بعد سوف أطلع على أحداثه على موقع من مواقع المشباك بعد نحو عشرين عاما. ولعلنا
كذلك لم ننس ما كتبه توفيق الحكيم فى أخريات حياته عن أفلام ممارسة الجنس التى
شاهدها فى إحدى سفرياته الأخيرة إلى "عاصمة النور" فى ذلك الوقت، والهالة
المتألقة التى رسمها لجو الوقار والاحترام الذى يقول إنه كان يسود صالة العرض
آنذاك، وكأن المشاهدين فى محراب علم، ودعانا إلى أن نتأسى بالفرنسيين فى سلوكهم
هذا الوقور المحترم! وبالمثل ينبغى ألا ننسى شغف الروايات التى يحبِّرها جمال
الغيطانى بالشذوذ الجنسى لدرجة أنه فى إحدى رواياته قد تريث عند مضاجعة أحد
الفحول لصحفى (أو وزير. لا أذكر بالضبط)، وبالصوت والصورة أيضا. كما قرأت
لفاروق عبد القادر فى كتابه الذى صدر العام الماضى فى سلسلة "كتاب الهلال" أن
الغيطانى فى رواية أخرى من رواياته قد أخذ راحته على الآخر فى وصفٍ عجائبىٍّ
(أرجو مسامحتى على استخدامى لهذا المصطلح الذى يتهوَّس به الحداثيون) لِذَكَر
بطل الرواية يدل على خيال غير طبيعى. لا بأس أيها القراء، فنحن فى مولد للشذوذ
الجنسى. شىء لله يا مولد!
ونعود الآن إلى شيخة الإسلام السِّحاقيّة لنقلِّب حججها الشاذة التى تشهرها فى
وجوه خلق الله الأسوياء فى الدفاع عن انحرافها إلى مضاجعة مثيلاتها من بنات
حواء بدلا من الزواج برجل كما تفعل سائر إماء الله الطبيعيات: "ترى إذا كان
الله العليم القدير لا يريد أن يجعلني سحاقية فلماذا خلقني سحاقية؟ وكيف يمكن
للقرآن أن يستنكر في آنٍ واحدٍ المثليةَ ويعلن أن الله يخلق كل شيء على أحسن
تقويم كما جاء فى الآيتين6-7 من سورة "السجدة": "ذلك عالِم الغيب والشهادة
العزيز الرحيم* الذي أحسن كلَّ شيء خلَقَه، وبدأ خَلْق الإنسان من طين"؟ كيف
يفسر مَنْ ينتقدونني حقيقة أن الله ، حسب الكتاب الذي يلتزمون به التزاما
صارما، خلق عن سابق إصرار ما في العالم من تعددية أخَّاذة، وكما جاء فى الآية
26 من سورة "ص": "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا. ذلك ظنُّ الذين
كفروا، فويلٌ للذين كفروا من النار"، وما جاء كذلك فى الآية 48 من سورة "آل
عمران" على لسان مريم عليها السلام: "قالت: ربِّ، أنَّى يكون لي ولد ولم يمسسني
بشر؟ قال: كذلكِ الله يخلق ما يشاء. إذا قضى أمرا فإنما يقول له: كن، فيكون"؟".
ومن بين الحجج التى شهرتها فى وجوه الأنقياء الذين لا يشاطرونها هذا الدنس
قولها عن الاتصالات التى تلقتها تعليقًا على إحدى حلقات برنامجها المرنائى الذى
تقدّمه فى التلفاز الكَنَدىّ عن اللوطيين والسحاقيات والدفاع عن ميولهم
المنحرفة والعمل على ترويجها بين الطبيعيين الذين لم تتلوث فطرتهم الأصلية بهذا
القَذَر المنتن: "كلما كنتُ أبثّ تعليقات معادية للمثليين من مسيحيين يستشهدون
بالكتاب المقدس، كان من المحتم أن يعقبهم مسيحيون آخرون بتأويلات متسامحة
مضادة. هذا لم يحدث قَطّ عندما كان مسلمون يتهجمون عليّ، إذ لم يكن هناك شك،
على ما يبدو، في أن المتهجمين ينطقون باسم الإسلام، كل الإسلام. ولا يعني هذا
أن المسلمين كافةً دون استئناء يعترضون على المثليين، فإن "الفاتحة" (من
الافتتاح الذي يفيد معنى الصدارة في الطليعة) هو اسم مجموعة من المثليين
المسلمين لديها فروع في مدن كبرى في عموم أميركا الشمالية وأوروبا. وفي تورنتو
على الأقل يحقق حفلُ عشائها السنوي حضورَ بعض الآباء والأمهات المسلمين. ولكن
حتى إذا كان الكثير من المسلمين لا يشاطرون إسلامَ الاتجاه السائد |