From : raheem_alkfajy@yahoo.com
Sent : Thursday, June 2, 2005 11:49 AM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
 

أصحاب العقول
رحيم يوسف الخفاجي


ما بين الفينة والفينة.. يلف شارعنا السياسي ضباب قاتل.. وتتحول اللعبة السياسية إلى (مسرحية) لا حصر لمن يحضر عروضها، ولكن تأثير درامتها تكون وعلى الدوام ملقاة على عاتق هذا الشعب. وعلى الإنسان ان يتعظ موعظة حسنة من صغائر الأمور قبل كبائرها، تلك التي تمر عليه وبشكل معتاد أو عرضي، ويجب مراعاتها وإتقانها على أتم وجه، لأن معضمها عبارة عن حكمة يُيسرها الباري العلي القدير لعبده علّه يغترف من حِكمِها، ولا يمكن للمرء تجاهلها وعلى وجه الخصوص تلك الأمور التي تمر عليه مرّ الكرام.

قبل مدة من الزمن، كنت جالسا بقرب أحد الأخوة الأصدقاء، وكان يسري في حديثه كما البرق، بانفعال تارة وبهدوء يشوبه السكون الذي تسبقه العاصفة تارة أخرى، وبينما نحن في خضم موضوع كنا نخوض غماره بشأن بعض الأوضاع الخاصة بالسوق، النفط، الكهرباء، البطاقة التموينية والوضع الأمني الراهن و.... و....، و....الخ، تلك الأحاديث التي جعلناها ومعظم الناس فاكهة لمجالسنا التي أصبحت لا تخلو منها، فقام صاحبي بإشعال (سجارة) ووضعها في فمه بينما هو متكيء على كرسيه المعتاد.. وأخذ يستنشق دخانها وينفثه في صلب الموضوع الذي يشوبه الدخان أصلا، وقعت جمرة سجارته في جيبه دون أن ينتبه، وعندما رأيت ذلك المنظر شرعت إلى تنبهه بذلك حتى بادر وعلى الفور بإخمادها، ولكن أين!! لقد ضغط عليها في جيبه مباشرة ودعكها بشده، ولا أخفي عليكم سادتي.. لقد انتابتني الدهشة عندما قام من كرسيه وأخذ يخرج بقايا تلك الجمرة على شكل رماد فقط، فسألته مسترسلا معه الحديث هل أصاب قميصك شيء من تلك الجمرة؟ فأجابني انظر بنفسك، لم يصب قميصي سوى رماد أسود وأثر بسيط جدا داخل على القماش الداخلي وهو لا يمكن قياسه بالنتيجة التي لو كنت قد تركت الجمرة على رسلها في جيبي، ثم بادر بالحديث ان الضغط على جمرة (السجارة) بسرعة وهي تسقط على ملابس المرء يجعلها تنطفيء بشكل أسرع ويكون حينذاك أثرها طفيفاً جدا، لربما لسعة بسيطة تترك أثرها البسيط على الأصابع أو رتوش أبسط على القماش، ولكن إهمال وجودها عليه سيولد خرما فيه.

وفي تلك اللحظة اخذت أفكر بالتكوين الخاص لتك الجمرة فوجدت نفسي أصل إلى انها متكونة من وريقات بسيطة يابسة عولجت ببعض المواد وجعلتها متماسكة، وعند إشعالها يحرق بعضها البعض، وعلى وجه الخصوص عند سحب الدخان لتصل إلى نهاية عقبها.. وسرّ اثرها كامن في تجمع تلك الوريقات على بعضها وهي مشتعلة.. ولكن بمجرد أن تضغط عليها قليلا وقبلها على نفسك تجد ان جمرتها تخبو ولا يبقى سوى الرماد.

وهذه حقيقة واقعية ربما ينتبه المرء لمثلها على سبيل الصدفة ولكن عليه أن يضعها في نصب عينيه فإنها تجربة تنفعه في المستقبل كي لا تحترق ملابسه بنار الجمر، أما الذي لا يدخن أصلا فعليه أن يختزن هذه الحكمة لأخوته،اصدقاءه وأحباءه لينصحهم بها.. والشيء بالشيء يذكر، فهناك وفي تلك اللحظة رجعت في مخيلتي إلى البيت الشعري الذي يقول:


تأبى العصــــي إذا اجتمعــــــن تكســـــــرا
وإذا افترقـــــــــن تكسرت آحـــــــادا


حكمة عرضية واردة على الأذهان لكنها تطرق بشكل جديد، ونحن اهل العقل وأهل العلم بلدنا العراق.. وروحنا نخيله.

فإذا كان الجماد يا سادتي من وريقات التبغ وعصي من الخيزران أو ما شاكل، لها قوة في تجمعها وضعف في انفرادها.. ألا نأخذ منها حكمة ونحن أصحاب العقول!!