|
عن الجزائر
والجزائريين
مصالحة يسبقها جدل، خير من مصالحة يمسخها الدجل
محمد تامالت
كاتب وصحفي مقيم في بريطانيا
mohamed_tamalt@yahoo.co.uk
قبل عشرين سنة لم يكن من الغريب في الجزائر أن يشترط البائع في "أسواق الفلاح"
و"المونوبريات" (أسواق موحدة الأسعار تملكها الدولة) شرطا غريبا على ذلك الذي
يقصده للحصول على سلعة نادرة كالزيت أو الزبدة أو الدقيق, كان الشرط اقتناء
قارورة عطر أو كيس حلوى أو علبة بطاريات مما لا يُحتاج إليه عادة مع تلك السلع
المتعسر الوصول إليها, وكانت تلك الظاهرة متفشية بشكل كبير شجعها اختلال ميزان
العرض والطلب ورفعت من حدتها توازنات سياسية كتلك التي تحدث عنها الرئيس عبد
العزيز بوتفليقة منذ أيام؛ علمت في ما بعد من مدير المخابرات آنذاك وهو جنرال
أطاحت به أحداث أكتوبر 1988 أن جناحا داخل السلطة كان أصدر أوامره بأن يتم
إخفاء السلع الضرورية ذات الاستهلاك الواسع من أجل إحراج الحكومة التي وجدت
نفسها أمام وضع لا تحسد عليه جعل الحجر الأخير في جدار الاشتراكية يسقط لتغمر
البلاد سيول الجشع التي اتخذت الليبرالية غطاء لها, ليبرالية ظهر فيها المال
المسروق بشكل لم يعهده الجزائري المسحوق من قبل ليكتشف أن التوازنات التي
أجبرته على شراء كيس السماد مع كيس البن لمحاربة الكساد كانت توازنات صنعتها
أجنحة نافذة متصارعة.
لعل توازنات أسواق الفلاح تلك لا تختلف كثيرا عن التوازنات التي برر بها الرئيس
الحالي قصور الميثاق الجديد الذي سماه ميثاق السلم والمصالحة والذي اكتفى
بمعالجة أمنية للمأساة دون طرح حل سياسي حقيقي لجذور الأزمة التي تستدعي
الإصلاح لصيقا مع المصالحة كي لا تتكرر المأساة, وهي مأساة لم تنحسر بعد. لقد
تعجب الكثير ممن ناقشتهم حول امكانية وقوع حرب أهلية جديدة في الجزائر بعد
الحرب الأولى التي يقال أنها في طريقها إلى النهاية وقال هؤلاء ومنهم عسكريون
ومدنيون إن ما حدث في أنغولا وأندونيسيا وفي دول أخرى عاشت الحرب الأهلية مرتين
لا يمكن أن يتكرر بالرغم من أنهم لم يعطوا قرينة على ذلك، بل إن مثل هذا النقاش
الجريئ الذي لا يتناقض مع إيمان بقدرة الله على حفظهذه الأمة المعطاءة جعل وزير
دولة ورئيس حزب معروف حالي يتهمني منذ أيام خلال عشاء دبلوماسي عقده سفير دولة
عظمى وحضره ثلاثة عشر إعلاميا ودبلوماسيا وسياسيا كنت أحدهم بالجنون لأنني
أعلنت أمامه صراحة بأن تأييد حزبه وشيخه الراحل لانقلاب جانفي 1992 كان حماقة
بل وجريمة في حق الديمقراطية التي لا أظنه كان يوما مقتنعا بها؛ لقد ذكرني
انفعال الوزير صاحب النفوذ المصطنع وصاحب اللحية المشذبة التي تغير حجمها بتغير
التوازنات التي حدثنا عنها الرئيس بوتفليقة بانفعال وزير الدفاع السابق الذي
كان إلى يوم ما الرئيس الفعلي للجزائر كما اعترف بنفسه والذي أبدى ندمه على
استقبالي في بيته لأنني قلت له أن الإجراءات القمعية التي قررها هو ومن معه من
اعتقال تحرزي لأناس أبرياء وفتح معتقلات في الصحراء ومن تأسيس لثقافة انتهاك
حقوق الإنسان والتعذيب كانت السبب الرئيسي لاستفحال شر العنف الذي تحول سريعا
إلى إرهاب والذي ما كان ليجد ما يستظل به لولا توقيف المسار الإنتخابي؛ حدث بعد
ذلك أن هذا الجنرال المتقاعد قال لي بلهجة تدعو إلى الشفقة وفي حضور ما يزيد عن
المئة صحفي في مؤتمر عقده منذ سنوات: "ألم أطلب منك ألا تتحدث معي إطلاقا"! كان
ذلك في وقت كنت أعاني فيه من مضايقات يذكرها الزملاء
إنني أفهم أن سياسيين لهم باعهم في النضال مثل الدكتور سعيد سعدي والمرحومين
الهاشمي شريف وأبو بكر بلقايد قد أيدوا الإنقلاب لخوفهم من الخطاب الأصولي
المتطرف الذي زكته بوضوح أطراف معروفة داخل الجبهة الإسلامية للإنقاذ ولعلني
ألتمس للمذكورين أعذارا ليست بالواهية, لكنني بالمقابل لم أقتنع بعد ولم يقتنع
الكثيرون معي بأن من قام بالإنقلاب كان يهدف إلى حماية الحريات التي شهدت خلال
السنوات الخمس التي تبعت الإنقلاب أسوء ما كان يمكن الوصول إليه, لقد تأبطت
الدولة البوليسية فكرة انقاذ البلاد من مأزق الأصولية الظلامية كما كانت تدعى
ثم سرعان ما اعتلى الفكر البوليسي ظهر الديمقراطية المنشودة جاعلا منه موطأ قدم
لأطماعه وها هي الدولة البوليسة سليلة الدكتاتورية المنبوذة تتستر بمصالحة
وهمية كما تسترت من قبل بانقاذ الدولة ليستمر الوضع على ما هو عليه مع قليل من
الرتوشات التي لا تسمن ولا تغني من جوع. لقد كان على أصحاب إديولوجا الرعب أن
يستمروا في صناعة القرار ويفرضوا منطقهم على الجميع حماية لأنفسهم واستبد بهم
الطمع حتى امتدت يدهم إلى التاريخ يريدونه مطواعا ويريدون الناخب شاهد زور عليه
وكان الميثاق الحالي ابنا مشوها لتوازنات سوف تسيئ للرئيس بوتفليقة إذا استمر
في اعتمادها مرجعية لعمله وقد تطيح به كما أطاحت بغيره وما انقلاب موريتانيا
عنا ببعيد وما عودة أشخاص إلى الحكم بعد أن أطاح بهم الرئيس محمد بوضياف عنا
ببعيدة أيضا، لعل هذه رسالة يفهمها الرئيس الحالي الذي يحفر قبر مرحلته بيده
وهو يزكي الفعل الإنقلابي ويعطيه الشرعية الشعبية.
لقد قال الرئيس بوتفليقة إن تلك التوازنات لا تسمح بأكثر مما سمحت به اليوم
ولكنه بالمقابل عامل أحد طرفي الصراع بأقصى ما تستدعيه الصرامة من دواع وحرص
على دفع الشبهة عن الطرف الآخر بسرعة تدعو إلى الريبة وتدفع إلى الخطأ، إنه
التسرع الذي جعل الوثيقة تحمل أخطاء مطبعية بالرغم من أنها منشورة في أكثر
المطبوعات المفترض فيها المصداقية وهي الجريدة الرسمية وفي مثل هذه المواضع لا
يجوز الخطأ, إن تحميل الجبهة الإسلامية للإنقاذ وحدها مسؤولية الأزمة خطأ
تاريخي لن يغفره من يريدون معرفة الحقيقة بالرغم من أن كل القرائن تدل على
تحملها جزءا كبيرا من تلك الأزمة وإن إستباق القراءات المنصفة الموضوعية للأزمة
بأسلوب استعجالي مشبوه لن يؤدي إلى حل الأزمة بقدر ما سيؤدي إلى إخفاء شررها
مما سيعيدها قوية متجددة وبعيدة عن أعين الحذر المنقذة. لقد كان خطاب إسلاميي
تلك المرحلة متطرفا وإن لم يكن أكثر تطرفا من خطاب خصومهم آنذاك, ولكن كانت
هنالك إرادة واضحة لتضخيم أخطاء الإنقاذيين بل وجعل حسناتهم سيئات, أولم تزعم
وسائل إعلام معروفة أن القيادي الإنقاذي محمد السعيد كان دعا الجزائريين إلى
تغيير نمط عيشهم وشكل لباسهم بعد فوز الجبهة الإسلامية بينما كان هو قد قال إن
الجزائريين لا بد سيتعرضون لحصار من الدول الغربية يجعلهم ينسجون لباسهم
ويزرعون طعامهم, أولم يتم القبض على عباسي مدني وعلي بلحاج وكمال قمازي وغيرهم
بتهمة إعداد وثيقة من 12 نقطة تدعو للعصيان بالرغم من أن الوثيقة لم توزع في أي
مكتب من مكاتب الجبهة الإسلامية ولم يتم العمل بها أبدا خلال الشهر الذي تلا
كتابتها بشكل سري لأن قيادة الحزب قررت التراجع عنها وتمزيقها ولم يمكن الحصول
عليها إلا في محفظة قمازي وهو في مبنى التلفزيون, لقد أصبحت الوثيقة غبير سارية
المفعول دليل اتهام وكأن الدولة أصبحت تحاسب الناس على نواياهم التي لا يحاسب
عليها الخالق ذاته بل إن الخالق يجزي على التراجع عن السيئة ويجعل منها حسنة.
أولم ينشر أصحاب الإنقلاب إشاعة مفادها أن الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد كان
يعد لانقلاب على الجنرالات بالاشتراك مع الراحل عبد القادر حشاني رغم أن
الرجلين لم يلتقيا أبدا ولا كان بينهما أي أنواع من الإتصال ولو هاتفيا, ألا
يذكر أعداء كتابة تاريخ نزيه ومحايد أن الانقلابيين كانوا قد أعدوا وقبل أشهر
طويلة من المواجهات مخطط " نور " العسكري الذي حددوا فيه كيفية احتواء الجبهة
الإسلامية للإنقاذ أمنيا وعسكريا وكأنها عدو خارجي يستحق الإستئصال قبل أن تبدر
من رفاق عباسي وبلحاج أية نية للغدر كما اعترف بذلك جنرال تقاعد أخيرا كان إلى
وقت قريب المستشار العسكري لرئيس الجمهورية وكما أخبر به السعيد مخلوفي قيادة
الجبهة الإسلامية وهو الضابط السابق الذي جنح إلى العنف نتيجة لملاحقته ثم قتل
بشكل مشبوه أيام الإرهاب. إنه كان من المنطقي تحميل الأطراف المتسببة في الأزمة
مسؤولياتها دون ظلم أو التغاضي عن فتح هذا الملف نهائيا أما أن يتحمل وزر
المشكل قوم ويكافأ قوم على خطاياهم فتلك الخطيئة ولا شك
إن هنالك سؤالا مهما سيسأله أبناؤنا وعلينا أن نجيب عنه وإن التهرب عن إعطاء
الجواب اليوم سوف يقود إلى متاهات أكبر, إن أبناءنا سيسألون وإننا كذلك نسأل:
من قتل محمد بوضياف وبوبكر بلقايد وقاصدي مرباح وعبد الحق بن حمودة وعبد القادر
حشاني ويوسف فتح الله وأحمد مراح, من اختطف أو اعتقل الجزائريين الذين يوصفون
بالمفقودين والذين رد رئيس الجمهورية للأسف على والدة أحدهم التي سألته عنه
بأنه ليس في جيبه. لقد تفضل الأستاذ عبد الحميد مهري, ذلك الذي أطاح به
الإنقلابيون لأنه رفض أن يجعل من جبهة التحرير مطية لنفوذهم, فذكر في مقال سابق
بأن الوصول إلى الحقيقة حول المجازر وحوادث الإختطاف والإغتيال لن تعني
بالضرورة تخليا عن مبدأ المصالحة الذي يظل مبدأ إنسانيا نبيلا. إن مصالحة الشعب
مع قتلته من أصحاب اللحى أو من غيرهم ضرورية لاستمرار البلاد ولكنها غير ممكنة
من دون إنصاف وإن الرئيس الذي يدعو الشعب إلى المصالحة لا بد أن يعطي المثل
الحسن فيطلق سراح الصحفي محمد بن شيكو والداعية علي بلحاج لأن الأول اعتقل
حقيقة نتيجة لانتقاده الرئيس وأفراد محيطه السياسي والعائلي لا للأسباب التي تم
ابتداعها على طريقة النظم البوليسية المعروفة, ولأن الثاني كان كما توضحه وثيقة
مكتوبة تحمل النص الكامل لمداخلته في قناة الجزيرة كان يريد الدعوة إلى إطلاق
سراح الدبلوماسيين قبل أن تقطعه القناة , وقد تم التحفظ على الوثيقة من قبل
رجال الشرطة لتسلم إلى قاضي التحقيق في محكمة حسين داي. إن المصالحة مبدأ لا بد
أن يقترن مع الإصلاح السياسي والإقتصادي الإجتماعي وإلا كان مبدأ وهميا, وإن
الرئيس أثبت أنه لا يريد مصالحة نقاش بل مصالحة يملي فيها طرف آراءه على طرف,
بدليل أن وثيقته لم تطرح لا لنقاش ولا لحوار قبل اعتمادها مرجعا غير قابل
للتغيير ولنا في الرئيس الذي يحرم على المواطن التعبير عن مشاكله الإجتماعية في
التجمعات التي يعقدها قدوة حسنة في حرية النقاش
إن العطش والحاجة للمصالحة لن تجعل العاقل يقبل بشيء يطفئ عطشه ثم يقوده إلى
القبر, وإن قبول المبدأ ذاته لا يعني أن الميثاق الحالي هو فعلا ميثاق مصالحة
كما أن استغلال جو اليأس ومناخ انعدام النقاش وظروف انحسار الحريات لتمرير
المشاريع سوف يجعل الأغلبية التي قد يحصل عليها مشروع الرئيس أغلبية قابلة
للمراجعة في أي وقت وتحت أي ظرف, لذلك كله فإن مصالحة يسبقها جدل خير من مصالحة
يمسخها الدجل
|