From : sayid_yusuf@yahoo.com
Sent : Friday, September 23, 2005 3:36 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : تاملات فى مسيرة العلمانية فى الوطن العربى
 

تاملات فى مسيرة العلمانية فى الوطن العربى
سيد يوسف



فى يقينى ان حوار الصم بين الاتجاه العلمانى والاتجاه الإسلامى فى الوطن العربى هو اللغة الشائعة بينهما للتواصل وليس أدل على ذلك من ان المعركة بينهما لا تكاد تهدأ حتى تشتعل عند بداية أى معركة وطنية أو جدل سياسى أو حتى انتخابات ما..

فهل هو خلاف أيديولوجي أم خلاف سياسى بالدرجة الأولى؟

على أياما تكن الإجابة فإننى أريد تبيان تلك المفردات:

هل هناك علمانية إسلامية كما يحلو للبعض ذكر ذلك؟
هل تعنى العلمانية بفصل السلطة الدينية عن باقى السلطات؟
ومن ثم هل من احترام لمن ينادى بغلق باب الاجتهاد؟
هل الاتجاه العلمانى معادى للدين أم للشريعة كمنهج يسير شئون الحياة ؟
هل يعقل ان يفهم بان تطبيق الشريعة يعنى ان يتولى شئون السياسة والاقتصاد والتعليم والجيش وغير ذلك فقهاء الدين أم ان هذا تصور اخرق يردده السذج لأغراض ما فى نفوسهم؟
وأخيرا لنا بعض الملاحظات نوردها فى نقاط عامة

يرى دعاة العلمانية بان العلمانية هى فصل الدين عن الدولة انطلاقا من المفهوم الغربى وإرهاصاته التاريخية لنا ،فى حين يرى بعضهم ان العلمانية تعنى إعلاء صوت العقل على أى صوت حتى لو كان الدين ومن ثم رفض سلطة الدين ،ويرى بعضهم ان العلمانية تعنى ان يتحرر الفرد من قيود المطلق والغيبي ، مرتكزًا على العلم والتجربة المادية،ويرى آخرون ان العلمانية تعنى بفصل الدين عن السياسة فقط دون النظر للجوانب الإنسانية الأخرى .

ويرى د/ حسن حنفى العلمانية كرؤية كاملة للكون تغطي كل مجالات الحياة وتزود الإنسان بمنظومة قيمية ومرجعية شاملة، مما يعطيها قابلية للتطبيق على مستوى العالم.ويتحدث د.حسن حنفي عن الجوهر العلماني للإسلام -الذي يراه ديناً علمانياً للأسباب التالية:

1 - النموذج الإسلامي قائم على العلمانية بمعنى غياب الكهنوت، أي بعبارة أخرى المؤسسات الدينية الوسيطة.
2 - الأحكام الشرعية الخمسة [الواجب-المندوب-المحرم-المكروه-المباح] تعبر عن مستويات الفعل الإنساني الطبيعي، وتصف أفعال الإنسان الطبيعية.
3 - الفكر الإنساني العلماني الذي حول بؤرة الوجود من الإله إلى الإنسان وجد متخفٍ في تراثنا القديم عقلاً خالصًا في علوم الحكمة، وتجربة ذوقية في علوم التصوف، وكسلوك عملي في علم أصول الفقه.

والحق أن هذا تصور يحتاج إلى رؤية أوسع لطبيعة هذا الدين وللخصائص المميزة له عن غيره ويحتاج إلى رؤية المجهودات الإسلامية التى توضح مغايرة الإسلام للعلمانية شكلا ومضمونا وانه إذا جاز الوصف لقلنا ان العلمانية كما طرحها د/ حسن حنفى تلتقى مع بعض التعاليم الإسلامية والشريعة الإسلامية ...لا ان يقال ان الإسلام فى جوهره دين علمانىفالإسلام سابق والعلمانية مسبوقة والإسلام كل والعلمانية جزء والإسلام شامل لكل ضروب النشاط الانسانى (وأمور أخرى ).



ويجدر بنا أن نذكر جهود بعض الغيورين على تبيان حقيقة هذا الدين وبان شريعة الإسلام صالحة لكل زمان ومكان ورؤية حضارية وذلك وفقا لما قدم من مجهودات وبرامج يقف أمامها العقل باحترام شديد: ففى المجال الاقتصادى قدم د/ عبد الحميد الغزالى ويوسف القرضاوى وحسن شحاته تصورات وبرامج تقدم رؤية الشريعة الإسلامية لإشكاليات الزمن وكيف ان مرونة الشريعة كانت واسعة بحيث تستوعب أى فهم مغلوط لهذا الجانب.

وفى المجال التشريعى والقانونى والدستوري قدم المستشار على جريشة برنامج دستور إسلامي يضع الحقوق والواجبات والحريات كما ترى روح الشريعة ودون ان يكون هناك تعارض بينها وبين ثمرات العقل الحر أيا كان موطنه إلا ان يحاكم العلمانيون نيات الناس !!!

وفى المجال العلمى والفلسفى والتربوى والمعرفى هناك جهود رائعة للمركز العالمى للفكر الإسلامى بأمريكا الشمالية وجهود طيبة كان وراءها بعض المخلصين أمثال د/ عمر عبيد حسنة ود/ طه جابر العلوانى وغيرهما.هذا ومعرفة الخصائص العامة للإسلام كدين وكشريعة صالحة للحكم سوف يسهم فى إزالة أى لبس يمكن أن يحدث.(بالمناسبة يوجد كتاب بهذا الاسم للدكتور القرضاوى)فمن السذاجة تصور ان الإسلام حين يحكم فان شئون التعليم والجيش والسياسة والزراعة والاقتصاد سوف يتولى شئونها فقهاء ومشايخ!!!أو أن الإسلام الجميل يصادر الفنون الجميلة.هذا تصور طفولى مبعثه جهل شديد بطبيعة هذا الدين .

ان الإسلام الذى يعلى من قيم العلم والمعرفة والجمال لا يمكنه ان يلغى الكفاية العلمية والمؤهلات المميزة للترقى !!! لا يمكن .وهذا كما ذكرت- جهل شديد بمعرفة طبيعة الخصائص العامة للدين.

وفى يقينى ان من يتقول ذلك فمن الأجدى ان يهمل الرد عليه فهو لا يستحق عناء الرد عليه إذ لديه عقلية طفولية لن تقنع إلا بما فى نفسها من الدين .

وان الجدل والغبش الذى يثيره دعاة العلمانية حول أمثال تلك القضايا :

1/ فلان يتعرض للتهديد من قبل الإسلاميين نظرا لآرائه الخاصة .
2/فلان وفلان وفلان من أصحاب الأقلام الحرة الذين يدافعون عن العلم ضد الظلاميين أعداء التنوير.
3/أخرى .

الحق ان إثارة مثل تلك القضايا وغيرها لا يثيرها دعاة تطبيق الشريعة لكن يثيرها وينميها دعاة تطبيق العلمانية ويتقاتلون حول تلك القضايا ولو أمعنت النظر لوجدتهم يثيرون قضايا تمس أخلاقيات الناس ولو عادوا إلى حقيقة الدين ومنطقه لما وجدوا اختلافا كبيرا ...ولو بحثوا بعمق وبموضوعية لعلموا مدى خبث بعضهم وتشويههم المغلوط لهذا الدين لغرض ما فى نفوسهم ...بل لعلموا كيف يحافظ الإسلام على الحريات وكيف يحمى المجتمع من الرذائل بميزان محسوب يحترم العقل .

ولو بحثوا بموضوعية لعلموا ان باب الاجتهاد مفتوح لأصحاب الكفايات العلمية كل فى مجاله وميدانه.

قبل النهاية

أذكر تلك الملاحظات بهدوءرغم ان مصطلح العلمانية مصلح سيء السمعة عندنا فى البلاد الإسلامية،ورغم دراسة ابن خلدون وملاحظاته التى تؤكد أن البلاد العربية لا يجمعها ولا يوحد صفوفها إلا الدين،ورغم تنوع الدراسات التى ما تزال تدفع الشبهات عن العلمانية،ورغم أن الذين جسدوا العلمانية بشخوصهم فى بلادنا العربية غالبا لا يمثلون العامة ولم يقتربوا منهم أو فشلوا فى الوصول إليهم،ورغم وجود حركات إسلامية عديدة وتحديدا ( الإخوان المسلمين) استطاعت الوصول للجماهير والتعبير عنهم رغم استماتة الأنظمة فى تشويه معالم بعضها،ورغم غموضية العلمانية مقارنة بالشريعة الإسلامية كأساس للحياة ومنهج ممنذج للجماهير،ورغم الصراع المحتدم بين إسلاميي الجماعات وبين علمانيى الحركات المجتمعيةرغم كل ذلك وغير ذلك مما لم ُيذكر فإنى أرى هذه الرؤية بوضوح يمثل وجهة نظر شخصية...

ان دعاة العلمانية فشلوا فى تقديمها للناس .وحينما فهمها مفكروا الإسلام ونقدوها وأظهروا سوءاتها قد أظهروا لنا( أو لى بصفة شخصية) أن دعاة العلمانية لم يفهموا الشريعة الإسلامية جيدا وأنهم ينطلقون لآرائهم من منطلق مغلوط إما عن عمد لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية وإما عن سهو وجهل بالإلمام بالخصائص العامة للإسلام وشريعتة وبالبرامج التى وضعها بعض المفكرين من ذوى النزعة الإسلامية فيما يتعلق بالاقتصاد) أو بالنواحى القانونية والدستورية أو ببقية النواحى.

وبناء على هذا فان الحوار بين دعاة تطبيق الشريعة وبين دعاة العلمانية هو حوار الصم فلن يسمع أحدهما للآخر. وان كانت نظرة المفكرين الإسلاميين أكثر شمولية وواقعية ومناسبة للمجتمعات العربية والإسلامية.

فى النهاية:

نسأل الله أن يلهمنا الصواب والعمل الحسن لخدمة ديننا ومبادئنا .