استغلال الأمازيغية من حيث هو اعتراف بها!
قراءة على ضوء تصريحات نجل الرئيس الليبي
بقلم/التجاني بولعوالي
شاعر وكاتب مغربي مقيم بهولندا
tijanib@yahoo.com
25 ايلول 2005


في الحقيقة، كنت قد تابعت التحول الجديد الذي طرأ على النظام الليبي، فيما يتعلق بموقفه من القضية الأمازيغية، وهو تحول لافت للنظر، ومسترع للانتباه، لأنه أولا تم على يد من له صلة مباشرة وقوية برأس هذا النظام، وهو نجل الرئيس، وثانيا لأنه يتضمن حيثيات وأفكارا تنبئ بأن الأمازيغية، سوف تصبح في ذلك القطر على حال يحسد عليها! لكن، كعادتي، لم أهرع لمباركة أو لمناوءة ذلك الموقف، وإنما اخترت أن أترك الأمور تمضي، وأنتظر ما تأتي به الأيام، ربما لأنني سئمت من تلك المبادرات النازلة علينا من الفوق مثل وابل المطر، فهي إما تكون رحمة لنا، فهذا نادر! وإما أن تكون نقمة علينا، فهذا هو الطاغي، إذا ما نحن تريثنا عند مختلف المشاريع الثقافية والتنموية المزيفة، التي تتبناها الأنظمة العربية للخروج بشعوبها من ردهات الأزمة، ومزالق التأخر.

إنني أومن دوما بالآخر، كيفما كان توجهه الديني والفكري والأيديولوجي واللغوي وغير ذلك، من هذا المنطلق أتبنى ذلك الفكر الذي ينزع إلى الاستفادة من مختلف العطاءات والإنجازات الإنسانية، لكن في حدود ما تمليه علي عقيدتي، وهي حدود، نادرا ما، تتقاطع وتلك العطاءات والإنجازات، وأرى أن على النخبة العربية أو الأمازيغية أو الإسلامية أو غيرها، أن تستفيد من كل الإمكانات والفرص التي تتسنى لها، ولو جاءت على يد خصومها، وهذا لايعني التواطؤ معهم، أو التماهي مع خطاباتهم السياسية والاستغلالية، وإنما ترسيخ الموقف الذي يقفونه، وتركيز المبادئ التي يومنون بها، ندا لند، لأن الغياب التام للنخبة، بداعي أنها لا تريد أن تفتح الحوار مع النظام، لأنه مستبد ودكتاتوري وغير ذلك، هذا يعني نفي حضورها، مما يفسح المجال أمام النظام وأذياله من جهة، فيغيب من ذاكرة المواطنين أي وجود لها من جهة ثانية.

بناء على هذا، أعتقد أن النخبة الأمازيغية مدعوة اليوم، إلى أن تغتنم كل فرصة، يمكن من خلالها خدمة الأمازيغية، وتحقيق ولو قسطا ضئيلا من حقوقها المهضومة، وهذا ما سار عليه العديد من المثقفين الذين استثمروا المرونة، التي طرأت على مواقف النظامين المغربي والجزائري من الأمازيغية، فاستطاعوا ان يحققوا في زمن قياسي أكثر من مكسب، وأهم تلك المكاسب هي الاعتراف الرسمي بالأمازيغية، لغة وثقافة، وهذا لايعني أنه بتحقيق هذا المكسب نتوقف عن النضال، وإنما يعني ذلك أن الخطوة الأولى من النضال الحقيقي قد أزفت! أو أن الجهاد الأكبر قد بدأ، بعدما حققنا الجهاد الأصغر، لأن هذه الأنظمة مطبوعة بالخداع السياسي، وقلما يكون تبنيها لمشروع معين خالصا وحقيقيا، وتجربة المغرب خير شاهد على ذلك، خصوصا وأن تبني القضية الأمازيغية رسميا، ودعمها بشتى الوسائل القانونية والأكاديمية والإعلامية، إنما أصبح ينم عن بعض الزيف في ذلك التبني، الذي يمكن أن نجزم بأنه مسكون بالنظرة الاحتوائية للقضية الأمازيغية، حتى يقطع طريق الكفاح الذي يشقه المثقفون الأمازيغيون الشرفاء!

من هذا المنطلق، فأنا أدعو الإخوان الليبيين إلى التعامل الواقعي مع الموقف الأخير، وأن يحاولوا الاستفادة من حسناته وإيجابياته، لكن بعيدا عن أي تواطؤ مع أطروحة النظام، ربما قد يسئ فهمي البعض، فيؤول كلامي على غير مقصده، ويستخرج منه ما لا أعنيه، إلا أنني أظل أقول، حاولوا الاستفادة ولو الشكلية من كلام نجل الرئيس، ولو أن الأمازيغية براء منه! لأن أهم ما ينطوي عليه ذلك الكلام هو شئ واحد لا أكثر، وهو الاعتراف بالأمازيغية، لأنه بهذا الاعتراف تكتسب الأمازيغية بليبيا صيتا دوليا، فتخرج القضية من محاضر الشرطة وكواليس الساسة، إلى منابر الإعلام وملفات الدارسين والحقوقيين.

في نهاية المطاف، أود أن أختم بملاحظة كان علي أن أبدأ بها ورقتي، وهي لماذا تم تبني ملف الأمازيغية بليبيا من قبل نجل الرئيس، وليس من الرئيس نفسه، لأننا عهدنا من القدافي أنه، بين فينة وأخرى، يخرج بطرح جديد يستقطب مختلف وسائل الإعلام، إنني لا أستبعد أن تكون اختلاق ملف القضية الأمازيغية فكرة (قدافية!) أملاها على ابنه، في هذا الظرف الحساس سواء من تاريخ القضية الأمازيغية، أم من تاريخ المنطقة العربية، ليس حبا منه في عيون الأمازيغية التي ظلت مضطهدة على يده طوال أكثر من عقدين، وإنما تهييئا لنجله، الذي بدأ يظهر على مسرح الأحداث السياسية، وذلك على غرار الأسلوب الذي سلكه أولا الرئيس السوري حافظ الأسد، ثم بعده الرئيس المصري حسني مبارك، والآن دارت الدائرة على الرئيس الليبي، الذي حس بأن الشيخوخة بدات تدب ليس عليه فقط، وإنما على نظامه، الذي بدأت تهدده أصوات المعارضة الداخلية والخارجية، فرأى في الورقة الأمازيغية غير وسيلة لصرف تلك الأصوات من جهة، وتلميع صورة نجله في عيون الليبيين الأمازيغ من جهة ثانية.