From : alakiedi@hotmail.com
Sent : Friday, September 23, 2005 9:06 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : التطرف الديني ومفهوم الوطنية
 

التطرف الديني ومفهوم الوطنية
محمد العكيدي
مهندس معماري


عندما نستعرض الجماعات الاسلامية التي بدأت في الظهور في المنتصف الثاني من القرن العشرين، وحاولنا تسليط الضوء على افكارهم المعلنة المتمثلة في كتبهم او بياناتهم الصادرة عن رموزهم القيادية، والتي هي انعكاس واضح لممارساتهم على ارض الواقع، فمن الملح ان نتوقف عند نقطة معينة في افكارهم الا وهي مفهوم الوطنية عندهم. انا لا اقصدهنا الوطنية بمعناها السطحي كشعور نبيل وانما انعكاس هذا الشعور على اعمال المرء ونشاطاته في الحياة. الوطنية ليست موضوعا منفصلا فهو يرتبط بشكل مباشر بمفاهيم اخرى كالمواطنة او الدولة ونظام الحكم والولاء بل وحتى نمط العلاقات الاجتماعية التي تنشأ ضمن التجمعات البشرية.
فلنبدأ بكلمة الوطن كمفهوم مجرد وهو الارض. عندما نسأل احد اللذين ينتمون فكريا لهذه الجماعات عن وطنهم فالاجابة هي: (الكرة الارضية او ارض الله كلها لنا وطن). للوهلة الاولى تبدوا هذه الاجابة وكأنها انعكاس لابعاد روح وثقافة انسانية. ولكن الحقيقة شيء اخر، فهذه الاجابة لا تعدو كونها انعكاسا لحقيقة واحدة وهي عدم الشعور بالانتماء الى الوطن. يترتب على ذلك عدم الاعتراف بالحدود ويبدو هذا واضحا من خلال الاسماء التاريخية التي يطلقونها على البلاد العربية.
تنظيم القاعدة في العراق الذي يتزعمه المتطرف الاردني ابو مصعب الزرقاوي يستخدم اسم(بلاد الرافدين) اشارة الى العراق. الجماعات الارهابية التي بدأت تطفو ا على السطح في سوريا او تلك التي تم القاء القبض على بعض اعضائها في الاردن فانها تستخدم اسم (بلاد الشام) في اشارة الى سوريا ولبنان والاردن وفلسطين. افراد تنظيم القاعدة في السعودية ودول الخليج واليمن يسمون المنطقة ب (شبه الجزيرة العربية) او (بلاد الحرمين). وكذلك هو الحال في بقية الدول العربية. ان عدم الاعتراف بالدول والحدود مدخل الى عدم الاعتراف بالانظمة والكيانات السياسية وعدم الاعتراف بأجهزة الدولة الامنية والمدنية وبالتالي عدم الاعتراف بسيادة القانون.
تتخذ هذه الجماعات من كل شخص يرفع شعارات وطنية عدوا لهم ويصفون الوطنيين بالوثنيين. حسب اعتقادهم فان الولاء للوطن يتعارض مع الولاء لله وان الوطنية مسح للهوية الاسلامية. تنص تعاليمهم على ان القتال تحت راية وطنية كفر بل ان حتى الذي يقتل تحت راية وطنية لا يعتبر في معتقدهم شهيد. لذلك فهم مستعدون للقتال في اي بلد ماعدا بلدانهم ومستعدون للدفاع عن اي بلد ماعدا بلدانهم بل ان حتى مفهوم كلمة (شعب) ليس لها وجود في قاموسهم الفكري!! فلا رابطة لغوية ولا عرقية ولا حتى جغرافية تجمعهم والرابط الوحيد الذي يجمعهم هو عقيدتهم التي لا تمثل في حقيقتها سوى مصالح قادتهم.
بشكل رئيسي يوجد في العالم الاسلامي نموذجين من التطرف الديني وهما تنظيم القاعدة عند السنة والنموذج الخميني عند الشيعة. تنظيم القاعدة يضم بين صفوفه خليطا عجيبا من الجنسيات العربية والافريقية والاسيوية بل وحتى الاوروبية والامريكية في كل ساحات الصراع التي يتواجدون فيها من اقصى الشرق في الفلبين مرورا بالدول العربية وصولا الى اوروبا واميركا في الغرب. خليط يبعث على الشك والريبة. كيف التقوا وكل منهم يحمل خلفية ثقافية وتاريخية مختلفة عن الاخر؟ ودون شك هذا الالتقاء ليس احد اوجه لقاء الحضارات او حوار الثقافات بل اجتماع على امر واحد وهو القتال.غالبا ما يقاتل بعضهم ضد بني وطنه وتحت امرة شخص غالبا ما يكون من غير بني جلدته. زعيم القاعدة في السعودية والذي قتل قبل فترة كان مغربي الجنسية. التنظيمات الاسلامية في كردستان التابعة لتنظيم القاعدة لا تقاتل الا ضد ابناء جلدتهم من الاكراد اي ضد تنظيمات الطالباني والبارزاني. في العراق يتزعم تنظيم القاعدة شخص اردني هو ابو مصعب الزرقاوي. لم يجمعهم سوى هدف واحد هو القتال(المقدس حسب وجهة نظرهم). وجدير بالذكر ان لا ننسى فتوى الشيخ الزنداني في اليمن اثناء قيام اليمن الشمالي بضم اليمن الجنوبي بالقوة العسكرية حيث اصدر الزنداني وقتها فتوى لاهل اليمن الشمالي مفادها اباحة دماء واعراض واموال مواطني اليمن الجنوبي.فأي وطنية هذه؟؟
كذلك هو الحال بالنسبة للنموذج الخميني الذي تقوده الحكومة الايرانية. خليط من شيعة ايران والعراق ولبنان والكويت والبحرين والباكستان وبعض الجمهوريات الاسلامية التي انفصلت عن الاتحاد السوفيتي السابق.

قامت احدى الصحف البحرينية عقب الانتخابات الايرانية بنشر كاريكاتير لعلي الخامنئي المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية الايرانية والذي يعتبر اعلى سلطة حتى من رئيس الجمهورية. فخرج الشيعة في البحرين في مظاهرة احتجاجا على نشر الكاريكاتير. من الممكن تبرير المسألة واعتبارها مقبولة اذا كانت ردة فعل غاضبة نتيجة لاستهداف رمز ديني مقدس لديهم ولكن ان يكون الهتاف الوحيد الذي هتف به المتظاهرون هو (ولائي ولائي لعلي خامنئي) فهذا امر يعكس بوضوح انعدام الشعور الوطني.
اما في العراق عندما طرح موضوع المحاصصة الطائفية كان اول القابلين بها او بالاصح الوحيد الذي قبل بها هم الجماعات والاحزاب ذات الخلفية الدينية. اما بالنسبة للعملية السياسية التي تتم تحت الرعاية الامريكية فبعضهم قد شارك فيها والبعض الاخر قد قاطعها ويرفض المشاركة بها. وهذا لا يعني بالضرورة ان اللذين قبلوا بالدخول في العملية السياسية هم معتدلون وبعيدين عن التطرف وان الذين قاطعوها هم وحدهم المتطرفون. فالحقيقة ان كلاهما متطرف وكلاهما يمارس العنف والضرب تحت الحزام وما اختلافهم حول المشاركة في العملية السياسية الا لان لكل منهم حساباته واجندته الخاصة والغاية تبرر الوسيلة. ونستطيع فهم هذا الموضوع بشكل اوضح اذا استعرضنا بعض فتاوى اية الله الخميني والتي تشرح بشكل واضح ممارسات الاحزاب الدينية في العراق الموالية لايران وما تقوم به من اعمال عنف وارهاب. يقول الخميني في كتابه (تحرير الوسيلة) في الجزء الاول الصفحة 89 :(لايجوز ان يدفن الكفار في مقابر المسلمين بل لو دفنوا نبشوا). وبخصوص المشاركة في حكومة لا تقوم على مبادئهم فيقول اية الله الخميني في كتابه (الحكومة الاسلامية) الصفحة 142:(الا ان يكون في دخوله الشكلي نصر حقيقي للاسلام والمسلمين). ولاعمال السرقة وتبريرها نصيب في كتاب (جامع احاديث الشيعة) في الجزء الثامن الصفحة 532 في باب( وجوب الخمس فيما اخذ من مال الناصب واهل البغي) فيقول نص الحديث :(خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع الينا بالخمس). ان هذه الفتاوى والكثير غيرها تفسر اسباب السلوك الذي تسلكه القوى الامنية العراقية التابعة للاحزاب الاسلامية الشيعية في العراق.
بغض النظر عن ان كانت هذه النتائج الملموسة على الساحة قد اتت من التعاليم الدينية او من الفهم والتأويل الخاطئين لها فيجب على هذه الامة ان تعييد تقييم الكثير من التيارات الفكرية التي تسعى للانتشار بيننا وخصوصا ظاهرة التطرف الديني المتنامية بشكل ملحوظ والا فاننا سنتحول الى شعب مسخ ومشوه ليس له هوية ولا ثقافة.