اعتراف لا بد منه ردا على التلفزيون السوري
نعم ذوقي التلفزيوني فاسد وهذه هي الاسباب
من قلم : اسامة فوزي
20 ايلول 2005


 

 

وردتني رسالة من مسئول يزعم انه من تلفزيون دمشق يتهمني فيها بفساد الذوق تعقيبا على بعض المقالات والاخبار التي كتبها غيري في عرب تايمز عن برامج محطته ... ولم ازعل من رسالته لان ما قاله صحيح والشهادة لله ان ذوقي "التلفزيوني" فاسد رغم اني عملت في سالف العصر والاوان معداً ومقدماً للبرامج في تلفزيون دبي "الملون" ولا تسألوني لماذا كان يسمى ب "الملون" لان من لا يعرف السر في تسمية شيخ جاهل وشبه امي مثل محمد بن راشد المكتوم بشاعر العرب لا يمكن ان يفهم حكاية تلفزيون دبي "الملون" هذه.


اقول: الفضل في افساد ذوقي " التلفزيوني" يعود للتلفزيون السوري الذي كان في الستينات المحطة الوحيدة التي يصل بثها الى الاردن قبل ان تبزر وزارة الاعلام الاردنية تلفزيونها الذي لا زال على "حطة ايدك" منذ ان اسسه محمد كمال وحتى اليوم.


كنا - حتى نلقط بث التلفزيون السوري- نحتاج الى خابور طويل ننصبه فوق المنزل يعلوه انتين طويل ايضاً وكان البث - في احسن احواله- رديئاً ومع ذلك كنا - من القلة- نتجمع حول التلفزيون لمشاهدة مسلسلات غوار الطوشة التي كانت تصل الينا في صورة باهتة واحياناً بلا صوت ... وكنا نسهر حتى منتصف الليل لمشاهدة فيلم السهرة العربي الذي غالباً ما نكون قد شاهدناه من قبل الف مرة.


الذي افسد ذوقي التلفزيوني ليس مسلسلات غوار ولا افلام السهرة وانما ما بينهما واخص بالذكر نشرة الاخبار التي يعقبها (التعليق السياسي)


كانت النشرة تبدأ باخبار رئيس الدولة ورئيس الوزراء القزم واسمه على ما اذكر يوسف زعين ونظل ملطوعين ساعة او يزيد ونحن نرى الرئيس وهو يأكل وهو يشرب وهو يشخ لا مؤاخذة ... ثم تنتقل الكاميرا لتصوير حفلات قص الاشرطة او وضع احجار الاساس وما اكثرها ومع ذلك تحولت المدن السورية في معظمها الى خرائب ... واحد الذين كنا نشاهدهم يقصون ظهر مؤخرا على شاشة الجزيرة ليتحدث عن رفاقه في الحزب وكيف اعتقلوه وعذبوه عاريا وحشوا في مؤخرته خازوقا وربطوه داخل عجل سيارة الى اخر هذه الذكريات السعيدة


جلد المشاهدين بنشرة الاخبار كان الى حد ما محتملاً على الاقل لان الكاميرا كانت تنط من وجه الى آخر ... اما الذي كان لا يطاق فهو التعليق السياسي الذي كان يلي نشرة الاخبار ... يا الهي كم هو مسكين الشعب السوري الذي كان يجلد كل مساء بمثل هذا التعليق الذي لم يكن يفهمه احد حتى كاتبه


كلام خرائي كالذي كنا نسمعه من اذاعة احمد سعيد على اضرط وبنكهة سورية ... وجمل طويلة وحلمنتشية عن تحالف قوى الشعب وانجازات الثورة ومخططات الامبريالية العالمية التي تتحطم على صخرة صمود القائد الرفيق رباح الطويل!! ورباح الطويل هذا كان من قادة الحزب قبل ان يحشي رفاقه في مؤخرته لاحقا نفس الخازوق الذي دحشوه في مؤخرة الرفيق ضيف محطة الجزيرة المشار اليه اعلاه


ولأن جلد المشاهدين بمثل هذا الكلام كان - فيما يبدو- من اهم برامج عمل الرفاق في حزب البعص العربي الاشتراكي - وكلمة البعص هنا مقصودة وليست غلطا مطبعيا - فأن التعليق السياسي كان - في احيان كثيرة- يعاد في الليل بدلاً من فيلم السهرة العربي وكان بعص حزب البعص للمشاهدين - عندما يفعلها- تراه في صبيحة اليوم التالي على وجوه المذيعين والمذيعات ومنهم مدموزيل طويلة شمحوطة كان اسمها فريال وكان لها الفضل في تعريفنا بموضة تسريحات الشعر النسوانية طغت على الاسواق آنذاك اسمها "السد العالي"


كان التعليق السياسي احياناً يزيد عن ساعتين يقرأه مذيع واحد يتسمر امام الكاميرا وفلاشاتها الحارقة بربطة عنق تكاد تخنقه ... وكان من الواضح للمشاهدين ان المذيع اكثر الناس قرفاً من التعليق ومن الذين كتبوه!!


وتشاء الاقدار ان التقي باشهر من قرأ التعليق السياسي في تلفزيون دمشق الصديق ابوجمال (احمد زين العابدين) حين تزاملنا في مطلع الثمانينات في تلفزيون دبي وكان (ابو جمال) يشغل منصب مدير البرامج وكان ابو محمد (حسيب كيالي) ثالثنا مراقباً للنصوص ... وباستثناء الشيب الذي غزا راسه آنذاك ظلت تقاطيع ابو جمال تخيفني رغم صداقتنا لان وجهه في مخيلتي ارتبط بالتعليق السياسي لتلفزيون دمشق.


يوم امس ... قلب ابن كلب في مكتبي مؤشر التلفزيون على الفضائية السورية لعله اراد ان يبعص مزاجي ... كانت نشرة الاخبار نصاً وفصاً عن الرفاق وعن حزب البعص العربي الاشتراكي وعن صمود الحزب امام المخططات الامبريالية التي تتحطم على صخرة صمود الرفاق في حزب البعص الذين - وفقاً لما نشرته الصحف السورية نفسها- يحبلون نسوانهم في دمشق ويبعثون بهن الى كندا حتى ينجبن اولاداً كنديين ليسوا (بعصيين)!!


حتى التعليق السياسي لا زال حطة ايدك تسبقه او تليه سهرة مع الفيلم العربي الذي شاهده المشاهد العربي من قبل ومن المحطة نفسها مليون مرة.


هل عرفتم اذن لماذا فسد ذوقي "التلفزيوني" ولم اعد استمتع ببرامج فضائيات الشيخ صالح كامل والامير الوليد والشيخ البراهيم بما فيها من برامج ثقافية تقدمها نانسي عجرم واليسا وهيفاء وقائمة طويلة من المذيعات يظهرن بقمصان النوم حتى في البرامج الدينية.