التلفزيون السوري خردق اذواقنا  الفكرية والسياسية وأفسدها
 وكرهنا بحزب ( البعص ) العربي الاشتراكي
من قلم : اسامة فوزي

 

وردتني رسالة من مسئول يزعم انه من تلفزيون دمشق يتهمني فيها بفساد الذوق تعقيبا على بعض المقالات والاخبار التي كتبها غيري في عرب تايمز عن برامج محطته ... ولم ازعل من رسالته لان ما قاله عني صحيح  فذوقي "التلفزيوني" فاسد رغم اني عملت في سالف العصر والاوان معداً ومقدماً للبرامج في تلفزيون دبي  ... لكن الذي لا يعرفه المسئول في تلفزيون دمشق ان فساد ذوقي الفكري والسياسي ( التلفزيوني ) سببه تلفزيون دمشق الذي لم يخردق ذوقي وحدي وانما خردق اذواق جميع الاردنيين بخاصة في فترة الستينات يوم كان بث تلفزيون دمشق يصل الى الاراضي الاردنية ولم يكن التلفزيون الاردني قد ظهر بعد ... والذي - للاسف - ظهر في اواخر الستينات ليزيد الطين بله ويكمل على ما تبقى فينا من ( ذوق ) مكملا المهمة السورية على اكمل وجه برعاية واشراف مدير التلفزيون ( محمد كمال ) الذي تبين لاحقا انه كان رئيسا لمحطة المخابرات المركزية الامريكية في  الشرق الاوسط اي انه كان مسئولا عن الملك حسين الذي عمل - كما هو معروف -  في الاستخبارات الامريكية بمرتب شهري ( انقر هنا واقرأ عن هذه الحكاية ) وادعيلي


كنا - حتى نلقط بث التلفزيون السوري- نحتاج الى خابور طويل ننصبه فوق المنزل يعلوه انتين طويل ايضاً وكان البث - في احسن احواله- رديئاً ومع ذلك كنا - من القلة- نتجمع حول التلفزيون السوري لمشاهدة مسلسلات غوار الطوشة التي كانت تصل الينا في صورة باهتة واحياناً بلا صوت ... وكنا نسهر حتى منتصف الليل لمشاهدة فيلم السهرة العربي الذي غالباً ما نكون قد شاهدناه من قبل على شاشة المحطة السورية نفسها الف مرة ليس بطرا وانما - كما قلت - لان التلفزيون السوري كان الوحيد الذي يصل بثه الى الاردن في غياب محطة تلفزيون اردنية وبسبب ضعف البث المصري واللبناني والعراقي انذاك


الذي افسد ذوقي التلفزيوني ليس مسلسلات غوار ولا افلام السهرة وانما ما بينهما واخص بالذكر نشرة الاخبار التي يعقبها  شيء عجيب اسمه (التعليق السياسي) يكتبه موظف في القيادة الاعلامية لحزب ( البعص ) الاشتراكي


كانت نشرة الاخبار من التلفزيون السوري تبدأ باخبار الرفيق رئيس الدولة  والرفيق رئيس الوزراء وهو رجل قزم اسمه - على ما اذكر -  يوسف زعين .... وكنا نظل ملطوعين ساعة او يزيد انمام شاشاة التلفزيون  لمشاهدة الرئيس وهو يأكل وهو يشرب وهو يشخ لا مؤاخذة ... ثم تنتقل الكاميرا لتصور الرفيق القزم ابو شبر ونص يوسف زعين وهو يقص الاشرطة ويزور المصانع ويتفقد الرعية .... ومع كل فقرة يكرر المذيع اسماء جميع الرفاق الذي رافقوا   رئيس الوزراء ( نص مصيص )  في جولته وجميع الرفاق في القيادتين القومية والقطرية الذين كانوا في انتظاره .... ويتم اختتام كل فقرة بمقابلة ارتجالية مع مواطن عادي يشكر الرئيس والرفاق على السعادة البالغة التي وفروها له باطلالتهم البهية

 

طول نشرة الاخبار في التلفزيون السوري لا يرتبط بمدة زمنية محددة لنشرة الاخبار كما هو معمول في كل تلفزيونات الكرة الارضية وانما يرتبط بمزاج الرفاق وجولاتهم اليومية ... وكلما كانت الجولات كثيرة  كلما زادت عذاباتنا حتى باتت صورة القزم  الرفيق يوسف زعين تظهر لنا في المنامات والاحلام  .... الى ان اعلن فجأة - ومن التلفزيون السوري نفسه - عن اعتقال الرفيق  يوسف زعين لان القيادة اكتشفت انه عميل وجاسوس وعدو لمنجزات الثورة ويعمل بأجندة اجنبية ترتبط بالامبريالية العالمية وتستمد وحيها من العدو الصهيوني .... الخ ولم يلتقط المشاهد انفاسه ويفرح بهذا الخبر الجلل حتى ظهر لنا رفيق اخر اسمه رباح الطويل الخالق الناطق يوسف زعين في رحلاته التفقدية وجولاته ومحاضراته وشغفه بحمل المقصات وقص الاشرطة ولطع مشاهدي التلفزيون السوري ساعات وساعات للتمتع بصورته البهية ... الفرق بينه وبين يوسف زعين كان في الطول فقط ... فذاك طوله شبر ونصف ورباح الطويل اسم على مسمى .. طول وعرض وزناخة دم انما ايه ...كده

 

جلد المشاهدين بنشرة الاخبار  من التلفزيون السوري كان الى حد ما محتملاً على الاقل لان الكاميرا كانت تنط من وجه رفيق الى وجه رفيق آخر ... وفي القيادات القطرية والقومية لحزب ( البعص )  تشكيلة طريفة  ومسلية من الوجوه ...  اما الذي كان لا يطاق فهو التعليق السياسي الذي كان يلي نشرة الاخبار ... يا الهي كم هو مسكين الشعب السوري الذي كان يجلد كل مساء بمثل هذا التعليق الذي لم يكن يفهمه احد حتى كاتبه


 التعليق السياسي الذي كان يعد من قبل قيادة التثقيف الحزبي في ( حزب البعص )  ويرسل الى التلفزيون ليقرأ على المشاهدين يوميا بعد نشرة الاخبار ... كان كلاما خرائيا  لا اول له ولا اخر  كالذي كنا نسمعه من اذاعة احمد سعيد على اضرط وبنكهة سورية ... جمل طويلة وحلمنتشية ومملة عن تحالف قوى الشعب وانجازات الثورة  الرشيدة التي تعمل بتوجيهات الرئيس القائد ومخططات الامبريالية العالمية التي تتحطم على صخرة صمود القائد الرفيق رباح الطويل ومن قبله نص مصيص يوسف زعين  وصولا الى رفيق كان اسمه يوسف ماخوس ... وماخوس هذا لا اراكم الله مكروها في عزيز ... وفي عهد ماخوس اصبحنا في الاردن نترحم على ايام ابو شبر ونص يوسف زعين


ولأن جلد المشاهدين بمثل هذا الكلام كان - فيما يبدو- من اهم برامج عمل الرفاق في حزب ( البعص ) العربي الاشتراكي - وكلمة البعص هنا مقصودة وليست غلطا مطبعيا - فأن التعليق السياسي كان - في احيان كثيرة- يعاد في الليل بدلاً من فيلم السهرة العربي ... بعص لاذواق المشاهدين  بعد نشرة الاخبار واعادة البعص قبل النوم ...  وكان  اثر البعص يظهر في صبيحة اليوم التالي على وجوه المواطنين الاردنيين والسوريين وحتى على وجوه المذيعين ...  ومنهم مدموزيل طويلة شمحوطة كان اسمها فريال وكان لها الفضل في تعريفنا بموضة تسريحات الشعر النسوانية التي طغت على الاسواق آنذاك اسمها "السد العالي"


كان ( التعليق السياسي ) احياناً يزيد عن ساعتين يقرأه مذيع واحد يتسمر امام الكاميرا وفلاشاتها الحارقة بربطة عنق تكاد تخنقه ... وكان من الواضح للمشاهدين ان المذيع اكثر الناس قرفاً من التعليق ومن الذين كتبوه!! وتشاء الاقدار ان التقي باشهر من قرأ التعليق السياسي في تلفزيون دمشق الصديق ابوجمال (احمد زين العابدين) حين تزاملنا في مطلع الثمانينات في تلفزيون دبي وكان (ابو جمال) يشغل منصب مدير البرامج وكان ابو محمد (حسيب كيالي) ثالثنا مراقباً للنصوص ... وباستثناء الشيب الذي غزا راسه آنذاك ظلت تقاطيع ابو جمال تخيفني رغم صداقتنا لان وجهه في مخيلتي ارتبط بالتعليق السياسي لتلفزيون دمشق.


يوم امس ... قلب ابن كلب في مكتبي مؤشر التلفزيون على الفضائية السورية لعله اراد ان يبعص مزاجي ... كانت نشرة الاخبار من تلفزيون دمشق  الخالق الناطق نصاً وفصاً عن نشرات اخبار الرفاق في مطلع الستينات زعين والطويل وماخوس  ... الذي تغير هو حلاوة المذيعات الحاليات ورقتهن وتركيز المصور - خلال قراءة التعليق السياسي - على عيون وشفايف المذيعة مما يخفف الوقع على المشاهدين الذين غالبا ما يكتفون بالصورة .... و( يوطون ) الصوت ... مثلي

 

لا يعني هذا اني عدو لحزب ( البعص ) العربي الاشتراكي وادبياته لا سمح الله ... فأنا  - والله العظيم - لم اقرأ في ادبياته سطرا واحدا ليس عن كسل وانما  عن حساسية تشبه حساسيتي للبنسلين ... والفضل يعود لتلفزيون دمشق  الذي كفرني منذ مطلع الستينات بالفعل الثلاثي ( بعص ) بكل تفريعاته من باعص ومبعوص وبعاص .... بتشديد العين .... والله اعلم