|
مرة أخرى : طهران
وقنبلة الكرامة النووية .
هل تحيل ايران ملفها النووي الى صفقة كما فعلت كوريا الشمالية؟
من قلم :
أحمد سالم أعمر حداد
كاتب وباحث في العلاقات الدولية من المغرب
P_programming@yahoo.com
صحيح أن الملفات النووية متشابهة ، من حيث مؤشر سعي نظام سياسي معين الى
التأثير على التوازنات الاقليمية ، والكونية ، على الصعيدين العسكري ، والسياسي
، عن طريق التخطيط الى اضافة معطيات جيوسياسية جديدة ، ونوعية. من شأنها دعم
منسوب احترام السيادة الوطنية ، وضمان مشاركة أكبر في ادارة الشأن الدولي . لكن
هل الانظمة السياسية الطامحة الى السلاح النووي متشابهة ؟. سؤال هام تفرضه
التطورات الاخيرة ، على صعيدي ابرز ملفين نووين ، لكل من بيونغ يانغ ، وطهران.
الاولى احالت ملفها الى صفقة سياسية اعلن عنها رسميا ، كمخرجة نهائية للمفاوضات
السداسية . بينما طهران تلجا انطلاقا من الاجتماعات الاخيرة للجمعية العامة
للامم المتحدة الى الرفع من وتيرة التصعيد ، و تبث معطيات جديدة على مستوى
المنافسة الحيوية بينها ، وبين الامبراطورية الامريكية ، على ادارة الجزء الخاص
من الشأن الدولي ، المتعلق بالشرق الاوسط ، والنيل من التفرد الامني الاسرائيلي
، التي تشير كافة التقديرات الى امتلاكها رؤوسا نووية ، تتراوح ما بين رقمي200،
و500 رأس نووي .خاصة ان المفاوضات مع الترويكا الاوربية- فرنسا، المانيا،
بريطانيا - الت الى فشل ذريع . وهو معطى من شأنه ادخال الملف الى الردهات
المظلمة لمجلس الامن ، وهي خطوة وشيكة تنذر بعواقب وخيمة ، في ظروف اقليمية ،
ودولية مرتبكة ، انطلاقا من التهديدات المصوبة نحو سوريا ، الى سياسات بوش ،
المستعصية على التنبؤ.
1- كوريا الشمالية "تعهدت بالتخلي عن كل أسلحتها النووية وبرنامجها النووي
الحالي، والانضمام مجددا إلى معاهدة حظر الانتشار النووي بأسرع وقت ممكن،
والموافقة على دخول فرق التفتيش" التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ويتضمن الاتفاق عروضا بمنح كوريا الشمالية مساعدات في مجال الطاقة، "وتعاونا
اقتصاديا في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار". كان ذلك جزء من نص بيان ختام
الجولة الرابعة من المفاوضات السدادسية ، الصادر اليوم بالعاصمة الصينية بكين .
و الذي انهى عامين اثنين ، من الصراع على ملف نووي دمغ العلاقة بين واشنطن ،
وبين بيونغ يانغ بتوتر كبير . و بالتالي تخرج كوريا الشمالية من لائحة محور
الشر الامريكية . لكن هل تفعل طهران نفس الشيئ .خاصة ، وان واشنطن تحاول منذ
مطلع العام الحالي ، تفخيخ ايران عن طريق التلويح بمجموعة من الحوافز
الاقتصادية . وبعد فشلها في ذلك ، تحاول الان ادخال ايران ، ضمن دائرة ، شبيهة
بالدوامة التي ادخل بها العراق ، والتي انتهت به الى الاحتلال ، والفوضى
السياسية .
2- معادلة الحوافز التي اشتغلت عليها الادارة الامريكية ، تنحسر ضمن حلويات
سياسية ، تفيد السماح لايران بولوج منظمة التجارة العالمية ، واقتناء طائرات
مدنية . لكن تشير كل المعطيات الى أن ايران ، فهمت جيدا مكونات الحلوى
الامريكية ، من حيث اغراضها الخفية ، والمتعلقة ، بارباك علاقتها مع الدول
الاوربية . خاصة ، وان واشنطن ، تعول على قوة مصالحها ، مع المجموعة الاوربية ،
التي من شأنها ، ضمان تأييد الاوربيين ادخال الملف النووي الايراني ، الى القبو
المسمى مجلس الامن الدولى . و هي فرضية ، اكدتها تصريحات الترويكا الاوربية
مؤخرا ، من حيث تلويحها ، باقتراب ، تجاوز مجلس محافظي وكالة الطاقة الذرية
الدولية ، الى مجلس الامن الدولي . من جهة أخرلى تنبغي الاشارة ، الى ان واشنطن
تشتغل في هذه الظروف على العديد من المعادلات ، لكن بتقديرات مختلفة . فمثلا
السماح لنظام حسني مبارك ، باحتلال موقع الاستثناء ، من المعادلة الامريكية
الملغومة المسماة ، اشاعة الديموقراطية ، بمنطقة الشرق الاوسط ، المراد له ان
يكون كبيرا ، مقابل التطبيع المبالغ فيه مع اسرائيل . ونفس الشئ ، يمكن افتراضه
بالنسبة للمملكة العربية السعودية ، التي كانت معادلتها تقضي باستمرار النظام
الوراثي ، مقابل ، الانخراط الكامل في الحرب على الارهاب ، والتطبيع الكامل مع
اسرائيل ، عن طريق التبادل التجاري مع هذا الكيان ، بعد ولوج منظمة التجارة
العالمية . بعد النجاح في اضعاف سوريا ، عن طريق اضعاف نفوذها بالمنطقة ،
وانهاء تواجدها بالمسرح اللبناني . لكن جميع المؤشرات تفيد بكون طهران تسفه
المعادلة الامريكية ، امام فرص ان تصبح فاعلا اقليميا ، ثم كونيا ، اذا قيض لها
امتلاك القنبلة النووية . من جهة أخرى ، اعتقد ، ان نظام احمدي نجاد ، لن يجازف
بالتنازل عن الملف النووي ، امام هذه المعادلات ، لأن ذلك لن يفيده اي شئ ،
مقابل هذا المطلب الذى وحد جميع الاطياف الفكرية ، والمراجع الايديولوجية ،
الايرانية . فاي تنازل بهذا الصدد ، قد يعصف بحكمه سريعا ، ويربك استقرار ايران
الأمني . ومن المؤشرات على ذلك ، حدة المظاهرات التي نظمت من طرف الناشطين
الايرانيين ، اعتراضا على مجرد حضور أحمدي نجاد ، اجتماعات الجمعية العامة
للامم المتحدة .الاخيرة .
3- تثبت جميع المؤشرات ان طهران تعي جيدا مغزى الدرس العراقي ، الذي تلقى ضربة
عسكرية امريكية قوية ، دمرته كلية ، وتنذر جميع التطورات الى شرذمته ايضا .
ورغم جميع المؤشرات التي ابرزتها في مقال سابق تحت عنوان ، طهران وقنبلة
الكرامة النووية : هل يمكن معاملة ايران على اساس انها مثل العراق ؟ وذلك على
صفحات القدس العربي ، العدد 5050 ، بتاريخ 20 أغسطس 2005 ، والتي تفيد كلها بأن
ايران ليست العراق ، ولا ينبغي معاملتها على اساس انها كذلك . الا ان واشنطن قد
تفكر ، في حال استمرار الممانعة الايرانية ، في توجيه ضربة عسكرية الى ايران ،
لكن هل ذلك ممكن ، جيوسياسيا ، وفي هذا الظرف بالضبط . خاصة وان الامبراطورية
الامريكية ، لم تخرج بعد من المستنقع العراقي . وهي لا تزال تتعاطى مع الاثار
المدمرة ، للكارثة الانسانية التي خلفها كاترينا . رغم بعض الارتياح لدى ادارة
بوش ، جراء انفراج الازمة مع كوريا الشمالية ، عن طريق صفقة سياسية ، ما هي
احتمالات توجيه ضربة عسكرية وشيكة لايران . خاصة وان ، العقوبات الاقتصادية قد
لا تفيد في ردع طهران ، عن تخصيب اليورانيوم ، لأغراض عسكرية .؟
4- يبدو احتمال توجيه ضربة عسكرية لمنشات ايران النووية ، مخاطرة كبيرة. محتمل
ان تقوم بها الولايات المتحدة الامريكية ، او عن طريق حرب بالوكالة تقوم بها
اسرائيل . و المؤكد ان ايران لن تدخر اي جهد ممكن من اجل الدفاع عن منشاتها
النووية . خاصة وانها تفتخر بامتلاكها لاسلحة ، وصواريخ ، قادرة على ضرب العمق
الاسرائيلي ، و القواعد الامريكية بالمنطقة . خاصة وان الملف النووي الايراني ،
مثل حلما اشتغلت عليه ايران ياستمرار ، منذ 25 سنة تقريبا ، كما يذهب العديد من
المتابعين لهذا الملف .و من المؤشرات على ذلك ، ان العديد من هذه الاسلحة اصبحت
في حوزة سلاح الطيران التابع للحرس الثوري الايراني المتشدد . خاصة صواريخ شهاب
– المطورة محليا- و التي يبلغ مداها ، ما بين 1300 ، و1500 كلم ، وبالتالي فهي
قادرة على الوصول الى العمق الاسرائيلي بسهولة . و في حال قرار اسرائيل ،
القيام بعملية مشابهة لعملية ضرب المفاعل النووي العراقي سنة 1981 ، الا انها
بالنسبة لايران سوف تجد نفسها أمام مفاعلات نووية متعددة ، مشتتة بين السكان
المدنيين . و هو ما سوف يشعل المنطقة ، على نحو اكثر خطورة .
5- أكد رئيس الجمهورية الاسلامية " محمود احمدي نجاد" في تصريح للصحفيين في مقر
الأمم المتحدة بنيويورك ان النشاط النووي الايراني هو الاكثر شفافيه في العالم
. ودافع عن ملف بلاده النووي من منطلق الحاجة الماسة الى الطاقة لاستخدامها
مدنيا . اليوم ، وبعد ان تمخضت صفقة بيونغ-يانغ – واشنطن ، على الاقل على مستوى
التصريح الرسمي الصادر اليوم ببكين ،عن السماح لكوريا الشمالية بامتلاك برنامج
نووي لاغراض سلمية . يبدو منطقيا ، ان ايران سوف تتمسك اكثر ببرنامجا النووي ،
على اعتبار انه في نظرها ، وكما تصرح رسميا ، برنامج نووي لاغراض سلمية . لكن ،
المسألة ليست كذلك ، بل تتعلق بعنصر الثقة بين واشنطن ، وطهران ، خاصة وان
الولايات المتحدة الامريكية لا تعتقد ذلك ابدا. و يشوش على مسألة الثقة ،
التقديرات الاسرائيلية ، عن طريق مخابراتها ، والتي تتمسك ، بفرضية ان طهران قد
تحصل على قنبلة نووية ، في غضون 3 سنوات ، على الاكثر .
6- في نفس اللقاء الصحفي بنيويورك ، اضاف الرئيس الايراني أحمدي نجاد مخاطبا
أحد الصحفيين : انا أريد منكم ان تنتبهوا الى ما أقوله بدقة ، و هو انه خلال
السنتين الماضيتين قام مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذركية ، لاكثر من 1200
مرة بزيارة المنشات النووية الايرانية ، وقد قدمنا للوكالة في هذا الصدد أكثر
من 300 وثيقة ، وهو ما يعتبر حدثا لا نظير له ، على امتداد تاريخ الوكالة ،
البالغ عمرها 34 سنة . و استمر الرئيس الايراني ، في تقديم المؤشرات الداعمة
لموقفه قائلا : ان المادة 4 من معاهدةNPT الخاصة بمنع الانتشار النووي تنص على
حق جميع دول العالم باستكمال دورة الوقود النووي لاغراض سلمية . مضيفا ان
المادة 3 تقول بان هذا الحق لا يمكن سلبه من اية دولة . ليضيف نقطة اكثر أهمية
، تتعلق بما تنص عليه المادة السادسة من ان الوكالة الدولية للطاقة الذرية
ملزمة بالحد من تطوير الأسلحة النووية ، ومنع انتشارها . في اشارة ضمنية ، الى
عدم قيام اية عملية تفتيش للمنشات النووية الاخرى ، خاصة التي تقبع في الجوار ،
في اشارة واضحة لاسرائيل . كلام واضح ، ولهجة قوية ، تساند على توقع ان ايران
لن تتخلى عن برنامجا النووي . وهو ما ينذر بموت التفاوض ، والعمل من داخل
الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، و احتمال اللجوء الى مجلس الامن قريبا .
7- في حال ثبوت الفرضية السابقة ، وتنفيذ الولايات المتحدة الامريكية ، والدول
الاوربية تهديداتها ، بنقل الملف الى مجلس الامن . بيدو السقف المنظور للصراع ،
استخدام ايران لسلاح النفط ، ومنع مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، من
الاقتراب من منشأتها النووية . و من هنا سوف يؤدي ذلك ، الى تجميد التعامل مع
الوكالة ، وفتح الملف على احتمالات يصعب التنبؤ بها . سواء من الطرف الامريكي-
الاسرائيلي ، او من طرف طهران . هذا مع احتمال ان تثبت توقعات بعض الدارسين
للملف النووي الايراني ، القاضية ، بأن ينتقل التفاوض ، بعد ضعف الحوافز
المقدمة من الطرف الامريكي ، الى مفاوضات سياسية ، تفيد ، تخلي ايران عن
برنامجها النووي ، مقابل دعم الولايات المتحدة الامريكية وتقوية التواجد الشيعي
بالعراق ، في اطار الفرض المنظور لمشروع الفيدرالية بالعراق . اعتقد انها
معادلة ، لا ترقى الى مستوى الضمانات ، والاحترام الذي من شأن السلاح النووي ان
يجلبه لطهران ، خاصة ، وان التوقعات السابقة ، تغفل ، واقع الانعدام الذي يكاد
يكون ازليا ، لعنصر الثقة بين طهران ، و واشنطن . و هي صفقة ، لا يمكن لاحمدي
نجاد تمريرها ؟، على الامة الايرانية ، الملتفة حول حلم القنبلة النووية .
ضمن فرضيات علم السياسة ، تدرس معادلة علاقة الاستجابة للحوافز الخارجية ،
بعملية صنع السياسة الخارجية . فاذا كانت بيونغ يانغ ، استجابة للحوافز
الامريكية ، من موقع التنازل الكبير ، وفوتت عليها فرصة الانضمام الى القوى
المؤثرة عالميا ، وتغيير المعادلات الاقليمية ، من خلال صفقة مثيرة للجدل ،
انحدرت بالملف النووي الكوري الشمالي من اقصى درجات التصعيد ، بعد ان خيم شبح
الحرب ، الى ادنى مستويات التنازل . فان الملف الايراني ، يظهر الى السطح ،
بمحددات اقليمية مختلفة ، خاصة ، عند اعتبار المواقف السالبة للدول المجاورة ،
باستثناء بسيط ، لكل من باكستان ، والهند ، فهو ملف يكاد يكون ثنائيا ، مع معطى
اكثر خطورة ، من حيث تعلقه بمطلب امة ، يواجه مصالح امبراطورية . وعند اعتبار
الممانعة الايرانية المتصاعدة ، والتوجه الامريكي المحتمل نحو الاستفادة من
ايجابيات انهاء الملف الكوري الشمالي . فجميع التطورات تشير الى ان يعرف هذا
الملف ، تطورات متسارعة ، ونوعية .
|